أمور غريبة تظهر مع تمديد حالة الطوارئ في تركيا مجددا

أنعشت دفعة الحماس لدى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لتحسين العلاقات مع الاتحاد الأوروبي الآمال في أنه ربما يدرس، على الأقل، هذا العام إنهاء حالة الطوارئ في تركيا.
وفي ظل توقع تباطؤ الطلب المحلي في 2018 مع ارتفاع أسعار الفائدة الاسمية وغياب التحفيز المالي الذي شهده العام الماضي، تبرز الصادرات باعتبارها مساهما مهما في نمو الناتج المحلي الاجمالي خلال العامين القادمين.
وتتطلب الرغبة في الاستفادة من تحسن حظوظ اقتصاد الاتحاد الأوروبي المنتعش فضلا عن كون القارة مصدرا قويا للاستثمار الأجنبي المباشر تطبيعا للوضع السياسي في الداخل. هذا يحتاج على الأقل إلى إبداء بذل جهد في هذا الاتجاه، في ظل الانتقاد الشديد من الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بتدهور سيادة لقانون في تركيا.
غير أنه يتضح مجددا أن رغبة الرئيس في استغلال حالة الطوارئ كوسيلة لضمان الفوز في الانتخابات المحلية والبرلمانية والرئاسية العام القادم وليس كوسيلة مؤقتة لضمان الأمن قد طغت على ذلك على ما يبدو. فإلى جانب تطهير الدولة من أنصار كولن فقد أضحى سجن الخصوم السياسيين وسحق وسائل الإعلام المستقلة العرف الجديد في ظل قانون الطوارئ.
ولذلك، فقد أفشى بكر بوزداج نائب رئيس الوزراء السر وقال إن تركيا ستمدد حالة الطوارئ التي فرضت بعد محاولة الإنقلاب في 2016 ثلاثة اشهر أخرى. كان ذلك هو التمديد السادس لحالة الطوارئ.
ولتأكيد كيف أن حزب العدالة والتنمية الحاكم يستغل حالة الطوارئ، فإن الأرقام تتحدث عن نفسها. فقد بلغ العدد  الإجمالي للمعتقلين 50 ألفا كما تم فصل عددا مذهلا بلغ 150 ألفا من وظائفهم في الجيش والقطاعين العام والخاص. ويقال إن حجم الأصول التي صادرتها الدولة وصل إلى 11 مليار دولار. والمخيب للآمال بنفس القدر كيف أن حالة الطوارئ تفتح الطريق أمام الرئيس، من خلال استخدام مجلس وزرائه لتجاوز البرلمان، لإصدار مراسيم لها قوة القانون لا تقيد الحقوق والحريات فحسب، وإنما تؤثر أيضا على صنع القرار الاقتصادي.
لذلك، ليس مفاجئا أن مسحا أجرته في الآونة الأخيرة شركة إبسوس لاستطلاعات الرأي كشف أن الأتراك أصبحوا الآن أكثر قلقا بشأن الاقتصاد وتدهور نظام التعليم. وتقلصت المخاوف بشأن الإرهاب إلى النصف تقريبا في حين تراجعت المخاوف بخصوص تأثير "المشكلة الكردية" إلى مستويات تاريخية متدنية.
والحكومة تنفي بالطبع أن تكون حالة الطوارئ التي لا تنتهي تضعف الاقتصاد وتقول إنه لا تأثير لها على الحياة اليومية أو النشاط الاقتصادي.
لكن الأرقام لا تدعم حجة الحكومة.
وباستثناء لأزمة المالية العالمية في العام 2008، فقد اقتربت مستويات ثقة المستهلكين في تركيا في ديسمبر 2017، التي بلغت 65.1 نقطة، من مستويات تاريخية متدنية وهو ما يتناقض مع توقعات النمو الاقتصادي للعام 2017 والبالغة سبعة بالمئة.  وفي محاولة للحفاظ على قوة نمو الناتج المحلي الإجمالي وتحت ضغط من السياسيين، يحجم البنك المركزي عن فرض سياسة نقدية تتوافق مع معدل تضخم في خانة العشرات. ومن ثم، تبدو توقعات التصخم خارج نطاق السيطرة إذا ما قورنت بالتزام البنك المركزي المفترض بمعدل مستهدف للتضخم عند خمسة في المئة في 2018. وفي حين أن معدل البطالة في خانة العشرات أيضا، عند 10.5 بالمئة، إلا أنه يبدو في تحسن بفضل الإجراءات المالية الحكومية لدعم الطلب المحلي. لكن تظل تركيا صاحبة أقل معدل للمشاركة في قوة العمل بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

مخطط اقتصادي
مخطط اقتصادي

ونظرا لما لحق بصورة تركيا من أضرار نتيجة مجرد حدوث محاولة انقلاب فيها كبلد مرشح لعضوية الاتحاد الأوروبي، يواصل استمرار تمديد حالة الطوارئ إبعاد المستثمرين الأجانب عن البلاد. ويمكن ملاحظة تأثير هذا الاتجاه بوضوح في ميزان المدفوعات، حيث يزداد الاعتماد في سد العجز المتنامي في المعاملات الجارية على تدفقات المحافظ قصيرة الأجل. 
وبينما يواصل أردوغان نهجا متشددا في السياسة وذلك لأسباب سياسية داخلية- فهو يتهم الغرب بمهاجمة اقتصاد تركيا- فإن نبرته تؤكد أن الدخل السياحي ذا الأهمية الشديد لا يزال أقل بكثير من إمكاناته. ففي عام 2015 زار قرابة 40 مليون ساح تركيا. وأضاف هؤلاء نحو 30 مليار دولار إلى حسابات البلاد، وبإضافة التأثيرات غير المباشرة لهم، وصلت مساهمة القطاع في النمو الاقتصادي إلى 12 بالمئة من الناتج المحلي الاقتصادي.

مخطط

ورغم اعتراف أردوغان رسميا للرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن إسقاط طائرة حربية في نوفمبر 2015، لا يزال تدفق السياح الروس غير جيد بما يكفي. 
كما يتردد السياح من البلدان الغربية في المجيء إلى ىتركيا برغم ما توفره لهم من عروض أرخص وبرغم الشهف الشديد لليرة التركية. والنتيجة هي أنه في 2017، بلغ إجمالي عدد السائحين 32 مليونا وحققت الإيرادات 20 مليار دولار. 
ويسهم هذا الاتجاه بالطبع في الوضع الهش للاقتصاد التركي لاسيما في ضوء التوقعات بأن يزيد مجلس الاحتياطي الاتحادي الأمريكي وتيرة رفع أسعار الفائدة في 2018 وهو ما من شأنه أن يجذب التدفقات النقدية بعيدا عن الأسواق الناشئة.

مخطط

ومما لا يمكن إغفاله، ينبغي إضافة أن احتياجات تركيا من الاقتراض الخارجي هائلة هذا العام حيث تبلغ 200 مليار دولار.
ومع عزوف الاستثمار الأجنبي عن تركيا، يزداد اعتماد النمو على الاستهلاك المحلي ومن ثم الدعم المالي. وساعدت تخفيضات ضريبية استثنائية على استهلاك سلة مختارة من السلع العام الماضي علاوة على إعفاءات ضريبية في تحقيق نمو قوي في الناتج المحلي الجمالي. 
لكن الجانب الآخر لهذا كان زيادة العجز المالي، الذي تضاعف إلى اثنين بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. ومن المتوقع أن يواصل العجز الاتساع حتى الانتخابات المنتظرة في 2019.
ويشكل الائتمان الميسر المقدم بموجب برنامج الحكومة لضمان القروض مبعثا جديد للقلق فيما يتعلق بقدرات البنوك وغيرها من الشركات غير المالية على قدرتها على تمديد القروض في المستقبل وهو ما قد يزيد علاوة المخاطر. وعند الحديث عن علاوات المخاطر، ينبغي أيضا إضافة أنه في ظل غياب اليقين السياسي ومعدل التضخم في خانة العشرات، تحوم أسعار الفائدة على الودائع المصرفية حول 15 بالمئة وبلغت عوائد السندات القياسية 13.3 بالمئة وهو ما يجعل آفاق النمو الاقتصادي محفوفة بالغموض. ولذلك فإن انضباط الاقتصاد الكلي، الذي يشكل أساس قوة الاقتصاد التركي منذ الانيهار في 2001، قد يصبح سببا للقلق.
ويتطلع أردوغان الآن إلى إجراء انتخابات 2019 في ظل حالة الطوارئ مثلما جرى مع استفتاء العام الماضي.
ولذلك فمع تدهور سيادة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان، حولت تركيا وجهتها لتكون أقرب اقتصاديا وأكثر اعتمادا على روسيا، التي لا تأبه كثيرا بمثل تلك القيم. وكان من المفترض للنظام الرئاسي، الذي يركز السلطات بشدة حول أردوغان، أن يسهل صنع القرار ويزيد فاعلية الحكومة، غير أن التحدي الرئيسي الآن أمام اقتصاد تركيا هو ضعف الحوكمة لأنه لا يمكن اتخاذ القرارات دون موافقة رجل واحد.
ويظهر أكثر من عام ونصف من حكم الطوارئ، الذي ترافق مع تحول تركيا صوب الاستبداد كيف يفسد هذا التغير "رأسا على عقب" في المسار الأجواء الاجتماعية والاقتصادية.
يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/economy/turkeys-economy-relapses-emergency-rule-be-extended-again