أميركا تريد أن تأكل كعكة تركيا والأكراد

عرضت وزارة الخارجية الأميركية الأسبوع الماضي مكافآت بعدة ملايين من الدولارات لمن يدلي بمعلومات تؤدي للقبض على ثلاثة من زعماء حزب العمال الكردستاني. يوحي توقيت هذا الإجراء بأن واشنطن تهدف إلى استرضاء تركيا، التي قصفت في وقت سابق هذا الشهر وحدات حماية الشعب الكردية السورية، حليف أميركا في سوريا ضد تنظيم الدولة الإسلامية. 
وبرغم أن تركيا ترحب بالتأكيد بعرض المكافآت، متبنية نهج "أن تأتي متأخرا أفضل من ألا تأتي أبدا"، فهي تريد أيضا من الولايات المتحدة التوقف عن دعم وحدات حماية الشعب، التي تصر أنقرة على أنها لا تختلف عن حزب العمال الكردستاني. وأعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الآونة الأخيرة "نحن نعلم جيدا كيف أن هؤلاء الذين يعلنون حزب العمال الكردستاني حزبا إرهابيا ويعرضون مكافآت للقبض على زعمائه يعملون جنبا إلى جنب معه". 
وفي حين أن الولايات المتحدة تعتبر حزب العمال الكردستاني رسميا منظمة إرهابية منذ عام 1997، فهي تعتبر وحدات حماية الشعب جماعة مختلفة ومنفصلة عنه. 
وقال جيمس جيفري ممثل الولايات المتحدة الخاص بسوريا الأسبوع الماضي "موقفنا بشأن حزب العمال الكردستاني واضح، لكننا لا نصنف وحدات حماية الشعب كمنظمة إرهابية. لم نفعل ذلك قط". وأضاف "نحن نتفهم مخاوف تركيا الأمنية. نتفهم القلق بشأن العلاقات بين حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب. ولهذا نتصرف بحذر شديد للغاية. نحن نبلغ تركيا بما نفعله ولماذا نفعله."
ووحدات حماية شعب هي الجناح المسلح لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري الذي تأسس في 2003 لنشر أفكار عبد الله أوجلان مؤسس حزب العمال الكردستاني السجين من خلال اتحاد مجتمعات كردستان. واتحاد مجتمعات كردستان هو المظلة التي تشمل تحتها حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي وحزب الحياة الحرة في كردستان الإيراني. 
وقال سرهات وارتو المتحدث باسم اتحاد مجتمعات كردستان متحدثا مع "أحوال تركية" إن المكافآت الأميركية للقبض على زعماء حزب العمال الكردستاني ليست أمرا جديدا، مضيفا أنها تشكل استمرارا لسياسة أميركية طالما ساعدت تركيا في استهداف زعماء حزب العمال الكردستاني. وأشار إلى أن واشنطن هي من ساعد تركيا في عام 1999 في القبض على أوجلان، الذي يعتبره مثالا يظهر كيف أن السياسة الأميركية تجاه القضية الكردية في تركيا تحابي دائما الدولة التركية. 
وأضاف وارتو أنهم يعتبرون المكافآت تدخلا واضحا في الشؤون الكردية في تركيا وباقي مناطق كردستان، وأن كل ما يهم واشنطن هو مصالحها الخاصة. 
وفيما يتعلق بكردستان السورية (روج آفا)، حيث تعمل إدارة يهيمن عليها الأكراد عن كثب مع القوات الأميركية ضد تنظيم الدولة الإسلامية، قال إن الولايات المتحدة موجودة هناك لخدمة مصالحها وإن أكراد روج آفا ربما يواصلون التعاون مع الولايات المتحدة برغم المكافآت. 
غير أنه أصر على أن أكراد روج آفا متحالفون مع حزب العمال الكردستاني وزعيمه السجين. ولذلك فإن المكافآت الأميركية قد "تثير الشكوك والمخاوف بشأن سياسة الولايات المتحدة حيال روج آفا".
في الثاني من نوفمبر، بدأت القوات الأميركية تسيير دوريات على الحدود السورية مع تركيا في محاولة واضحة لردع تركيا عن قصف مواقع وحدات حماية الشعب هناك. ورصد مكافآت للقبض على زعماء حزب العمال الكردستاتي بعد ذلك بأربعة أيام فقط ربما كان محاولة من واشنطن لاسترضاء أنقرة التي تزداد غضبا. 
ويعتقد نيكولاس ايه. هيراس الباحث في شؤون أمن الشرق الأوسط لدى مركز الأمن الأميركي الجديد أن الأمر قد يكون كذلك.
وقال هيراس متحدثا إلى "أحوال تركية"، إن "فريق (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب يحاول شراء دعم أردوغان في سوريا برصد المكافآت للقبض على زعماء حزب العمال الكردستاني هؤلاء".
وأوضح قائلا "هذا يهدف لأن يظهر لتركيا أن الولايات المتحدة ربما تعمل مع وحدات حماية الشعب في سوريا، لكنها تدعم تركيا فيما يتعلق بحزب العمال الكردستاني داخل تركيا". وأضاف "يحاول فريق ترامب هنا انتهاج الاستراتيجية الكلاسيكية ‘الاحتفاظ بالكعكة وأكلها أيضا‘ وذلك على أمل أن يرضى أردوغان عن سياسة الولايات المتحدة في سوريا إذا لاحق الأميركيون حزب العمال الكردستاني في تركيا. المؤسف بالنسبة لفريق ترامب أن أردوغان لا يقتنع بهذه الخطوة، ويريد من الأميركيين قتل أعضاء حزب العمال الكردستاني في كل مكان، حتى في سوريا". 
وعلى نحو مشابه، يرى لاوك غفوري المحلل الكردي المستقل أن المكافآت لا تأثير لها. ومتحدثا إلى "أحوال تركية"، قال غفوري "مكافآت الولايات المتحدة للقبض على زعماء حزب العمال الكردستاني لا تغير من الأمر شيئا لأن الحزب مدرج بالفعل على قائمة الإرهاب الأميركية". وأضاف "غير أنها خطوة مهمة بالنسبة لأنقرة فيما يتعلق بتحسين العلاقات مع الأميركيين". 
وندد الدكتور محمود عثمان، وهو دبلوماسي كردي عراقي مخضرم، بالخطوة الأميركية في تغريدة على تويتر قائلا إن المكافآت "غير مقبولة وغير بناءة بالمرة" قبل أن يصر على أنه "يجب على الولايات المتحدة العمل من أجل إحياء عملية السلام بين حزب العمال الكردستاني وتركيا بدلا من تشجيع حرب أردوغان التي لا طائل من ورائها على الأكراد".
وانهار وقف لإطلاق النار في الصراع بين تركيا وحزب العمال الكردستاني في يوليو 2015 بعدما تم تطبيقه بنجاح في مطلع عام 2013. وفي محاولة واضحة لتخفيف النقد لحملتها التي أعقبت ذلك، سمحت أنقرة للتحالف بقيادة الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية باستخدام قاعدة إنجرليك الجوية ذات الأهمية الاستراتيجية قبل أن تشرع في الحملة الوحشية على حزب العمال الكردستاني في جنوب شرق تركيا ذي الأغلبية الكردية. 
وأشار يريفان سعيد الباحث لدى معهد أبحاث الشرق الأوسط إلى أن قرار رصد المكافآت جاء خلال زيارة ماثيو بالمر نائب وزير الخارجية الأميركي لأنقرة. 
وأعلن بالمر في بيان صحفي بشأن الزيارة أن الولايات المتحدة "تقدر التعاون في مكافحة الإرهاب مع شريكتنا في حلف شمال الأطلسي تركيا" قبل أن يمضي ليقول "يسرني أن أعلن" عن المكافآت التي تستهدف الأعضاء الثلاثة البارزين في حزب العمال الكردستاني. 
وفي حديث مع "أحوال تركية"، قال سعيد "يبدو لي أن واشنطن أعدت هذا لإرضاء أنقرة". وأضاف "ما يدعو للسخرية هو أنه كان يفترض أن أنقرة هي من يحاول استرضاء الولايات المتحدة في ضوء كل المشكلات التي سببتها تركيا بسبب سياستها الخارجية غير المساعدة في المنطقة. برغم ذلك، فالقرار رمزي في أغلبه في الوقت الحالي، نظرا للتعاون الوثيق بين الجيش الأميركي ووحدات حماية الشعب في روج آفا". 
وأوضح أنه برغم أن المكافآت لا تعدو كثيرا كونها رمزية فقد أثار القرار غضب الأكراد. 
وقال "حدثت ردود فعل واسعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تندد بقرار الولايات المتحدة دعم أنقرة بينما يواصل الرئيس التركي أردوغان دعم الإسلاميين في سوريا بالتمويل والتدريب"، مشيرا أيضا إلى سجن أنقرة لآلاف الأكراد الأتراك بينهم سياسيون وصحفيون، بشكل غير قانوني. وأضاف "يعتبر الأكراد قرار واشنطن طعنة في الظهر لأحد أقرب حلفائها في الشرق الأوسط، الذي شكل درعا في مواجهة الجهادية العالمية والتطرف خلال الأعوام الخمسة الماضية". 

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/us-turkey/turkey-and-kurds-us-wants-have-cake-and-eat-it-too
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.