أميركا تقيم منطقة آمنة لتحمي أكراد سوريا من الجيش التركي

منذ قرار إدارة ترامب المفاجئ في ديسمبر سحب القوات الأميركية من سوريا، سيطرت حالة عدم اليقين على الجدل الدائر بشأن المنطقة الآمنة المقترحة في شمال سوريا ومن سيقوم بإقامتها ويسيطر عليها. في حين أشادت روسيا وإيران وسوريا باحتمال انسحاب الولايات المتحدة، سرعان ما تحول رضا تركيا في بادئ الأمر إلى حالة من الشك.
لكن في مواجهة انتقادات شديدة وضغط من داخل حزبه الجمهوري وحكومته، عدل ترامب قراره ووافق على الاحتفاظ بنحو 400 جندي أميركي في سوريا. تتضمن هذه الخطة الجديدة مبادرة طموحة قد تكون إجابة على السؤال بشأن من الذي سيوفر الأمن في المنطقة الآمنة. وتدعو الخطة إلى قوة مراقبة متعددة الجنسيات، من الناحية المثالية، يدعمها تحالف من القوات العسكرية الأميركية والفرنسية والبريطانية.
يتمثل الهدفان الرئيسيان للقوة المتعددة الجنسيات في الرد على عودة ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سوريا وفي ضمان أمن القوات الكردية المتحالفة مع الولايات المتحدة في سوريا - وبالتحديد قوات سوريا الديمقراطية - بإنشاء منطقة عازلة بين وحدات حماية الشعب التي يقودها الأكراد، والتي تعتبرها تركيا فرعاً من حزب العمال الكردستاني المحظور، والجيش التركي.
هذه المبادرة الجديدة، إذا تم تحقيقها، فإنها ستعد تغييراً كبيراً في السياسة، الأمر الذي من المحتمل أن يؤدي إلى تعديل توازن القوى في المنطقة التي مزقتها الصراعات. يمثل التغيير تحولاً بعيداً عن فكرة "نحن نغادر سوريا!" تجاه فكرة "لنكن سويا هناك!". وإذا سارت الأمور كما هو مخطط لها، فإن القوة المتعددة الجنسيات ستعمل على تمديد الوجود العسكري الأميركي في سوريا ضد تنظيم داعش في حين تحقق التوازن في مواجهة النفوذ الروسي والإيراني. إذا تحقق ذلك، فإن وجود قوة متعددة الجنسيات، حتى ولو كانت قليلة العدد، سيكون له تداعيات خطيرة ويمكن أن يكون بمثابة قوة مقابلة ضد الموقف المحوري لمجموعة أستانا المتمثل في حماية وحدة الأراضي السورية.
ومن أجل تحدي مبادرة الولايات المتحدة، من المحتمل أن تستخدم روسيا وحكومة بشار الأسد المنطقة العازلة المتنازع عليها في إدلب كأداة ضغط. في الواقع، خضعت إدلب لتدقيق الروس بسبب فشل تركيا وترددها في فرض سيطرتها الكاملة على الجهاديين المرتبطين بتنظيم القاعدة. قد تستخدم روسيا ذلك ذريعة للانخراط في عملية عسكرية في إدلب للضغط على تركيا والدول الأوروبية، لأن أي عملية من هذا القبيل يمكن أن تؤدي إلى تدفق آخر للاجئين على تركيا وأوروبا.
وكانت سياسة تركيا في سوريا في الواقع دفاعية وعانت من نكسات شديدة، على الرغم من أنها قد تبدو هجومية. إن استراتيجية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المتمثلة في استرضاء روسيا مع عدم دفع الولايات المتحدة إلى الحافة أكثر، ستنجح فقط، إلى الحد الذي تفي فيه الحقائق على الأرض بتوقعات كل من هذين البلدين. وعلى الرغم من تأكيدات أردوغان المتكررة بأن تركيا ستقوم بإنشاء المنطقة الآمنة بنفسها، فإن تركيا لا تستطيع حتى محاولة القيام بذلك لأن روسيا والولايات المتحدة لم تعط أردوغان الضوء الأخضر، بغض النظر عن مسألة قدرة الجيش التركي على القيام بذلك.
في حين أن دعوة ترامب لإنشاء منطقة أمنية في سوريا قد تكون شيئاً يسوقه أردوغان في الداخل، إلا أن المبادرة تمثل نصراً تكتيكياً ونفسياً للأكراد في سوريا. إن مفهوم القوة المتعددة الجنسيات هو ما دافع عنه الأكراد السوريون منذ فترة طويلة. الحفاظ على وجود عسكري وإضافة بُعد متعدد الجنسيات إلى قوة تهيمن عليها الولايات المتحدة وحلفاء أوروبيون آخرون سيكون لها وجود مادي حقيقي بالإضافة إلى الأهمية الرمزية.
ما إذا كانت تركيا ستكون راضية عن القوة الأمنية المتعددة الجنسيات، فهذا يتوقف على تكوين القوة والدور الذي يُسمح لتركيا أن تلعبه. ومهما فعل أردوغان لمنع الأكراد من إنشاء حكم ذاتي بالأمر الواقع أو منطقة حكم ذاتي في شمال شرق سوريا، يبدو أنه يفشل. لقد رفعت سياساته وخطاباته شرعية وحدات حماية الشعب الكردية، مما وفر للولايات المتحدة والحلفاء الأوروبيين الآخرين مبرراً لزيادة دعمهم للأكراد في سوريا. علاوة على ذلك، قد تجد تركيا نفسها تقدم تنازلات للأكراد في سوريا بغض النظر عن الشعارات التي قد يستخدمها أردوغان خلال التجمعات في الفترة التي تسبق الانتخابات المحلية التي تجرى في 31 مارس.
إلا أن تنفيذ خطة ترامب لمنطقة أمنية في سوريا لن ينجح دون دعم الحلفاء الأوروبيين للولايات المتحدة. إذا وافق حلفاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) مثل فرنسا والمملكة المتحدة وغيرها على أن يكونوا جزءاً من القوة المتعددة الجنسيات، فسيكون هذا بمثابة ارتياح للولايات المتحدة والأكراد. ولكن إذا ظلت دول الاتحاد الأوروبي مترددة في المساهمة في هذه المبادرة الجديدة، فستكون لدى الولايات المتحدة خيارات قليلة تتمثل في الحفاظ على الوجود العسكري وتطوير نموذج أمني مشترك بين الولايات المتحدة وتركيا مثل نموذج منبج أو العمل على إقناع تركيا بتطوير علاقة أكثر اعتدالا مع وحدات حماية الشعب الكردية أو تسليم تركيا السيطرة الكاملة على المنطقة الآمنة.
الخيار الأخير، الذي يبدو غير محتمل إلى حد بعيد، هو فوز أردوغان إذا تمكن من عقد صفقة مع كل من بوتين والأسد. يبدو أن الخيار الثاني يمثل تحدياً مماثلاً في ظل المناخ السياسي في تركيا وموقف أنقرة من الأكراد وموقف تركيا في سوريا. الخيار الأول يعني "العمل كالمعتاد" في سوريا ويتطلب من الولايات المتحدة أن تستثمر أكثر من الناحية العسكرية والسياسية في سوريا، وهو ما لن يكون ترامب متحمساً له.
أياً كانت الخطة التي سيتم اختيارها، سواء فشلت أو نجحت، ثمة شيء واحد مؤكد ألا وهو أنها ستضيف أبعاداً جديدة إلى صراع معقد بالفعل في سوريا.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/syrian-war/us-mulls-options-proposed-syria-safe-zone
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.