إدوارد جي ستافورد

أميركا وتركيا: توتر وأزمات فهدوء مفاجئ

في إعلان تقليدي للصحافة صدر في الرابع من سبتمبر الجاري، قالت السفارة الأميركية في تركيا إن السفير الأميركي السابق لدى أنقرة جيمس جيفري قد عقد اجتماعا في تركيا في اليوم ذاته من خلال منصبه الجديد كممثل خاص لمختص بشؤون سوريا.

لم يأت الإعلان القصير على أي ذكر على تلال التحديات التي تواجهها العلاقات الأميركية التركية، بل كان التركيز بشكل كامل على الأزمة في سوريا والتعاون بين الولايات المتحدة وتركيا في حل الصراع هناك.

تبين هذا بشكل واضح في اصطحاب جيفري لمساعد الوزير لشؤون الشرق الأدنى، في حين لم يضم الوفد المرافق له أي اسم من مسؤولي مكتب الشؤون الأوروبية المعني بتركيا.

وبينما ينبغي على المرء تجنب محاولة قراءة ما بين السطور أملا في استجلاء ما لم يتم التصريح به، فإن زيارة جيفري إلى تركيا مع التركيز فيها على الوضع في سوريا دون أي ذكر لقضايا خلافية – منها على سبيل المثال احتجاز تركيا للقس الأميركي أندرو برانسون أو امتناع الولايات المتحدة عن بيع طائرات مقاتلة من نوع "إف-35" إلى تركيا أو إقدام تركيا على شراء أنظمة الدفاع الجوي الروسية المعروفة باسم (إس-400) – كلها أمور ربما تدل على أن قرارا قد اتخذ في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتنحية الأصوات المعارضة لتركيا داخل أروقة الإدارة.

من خلال الاستعانة بجيفري، أضافت الإدارة الأميركية صوتا آخر إلى فريقها الخاص بالسياسة الخارجية من شأنه إضفاء أهمية كبيرة على الحفاظ على علاقات عمل جيدة مع تركيا، بغض النظر عما وصفها السفير السابق بأنها "ممارسات محلية خطيرة تتعلق بحقوق الإنسان وقضايا أخرى."

فهل هناك مؤشرات أخرى على أن هناك مساعٍ تبذل من أجل تهدئة الموقف بعد أسابيع من التلاسن اللفظي الحاد بين الولايات المتحدة وتركيا؟

فيما يتعلق بقضية القس برانسون، فإن شيئا لم يقل علنا من ناحية إدارة الرئيس ترامب منذ تغريدته في السادس عشر من أغسطس والتي حث فيها برانسون على أن "يمثل بلده باعتباره رهينة وطنيا عظيما."

لا يعني هذا أن ترامب قد تخلي عن برانسون، بل إن مساعيه لتأمين الإفراج عنه لن تشمل إصدار بيانات تنديد شديدة اللهجة ضد الحكومة التركية أو عزما على إبرام صفقة تبادل، يعتقد ترامب ونظيره التركي رجب طيب أردوغان أن تكلفتها السياسية عالية جدا.

في الوقت الراهن، فإن المتوقع هو أن تعمل الأجهزة الدبلوماسية والقضائية والسياسية في حكومتي كلا البلدين على التوصل إلى حل تقبل به جميع الأطراف ولا يخرج فيه أي خاسر.

تسعى جميع الأطراف هنا إذاً لإعادة القضية إلى إطار يكون فيه برانسون قسا أميركيا محتجزا بلا وجه حق بحيث يصبح أثر الأزمة توترا في العلاقات بدلا من أن تؤدي إلى قطيعة كاملة.

لكن تهدئة الموقف فيما يتعلق تحديدا بموضوع بيع مقاتلات (إف-35) إلى تركيا في ظل سعي أنقرة للحصول على أنظمة الدفاع الجوي الروسية (إس-400) ونشرها على أراضيها لهو أمر أشد صعوبة.

فبينما يربط البعض داخل الكونجرس أمر تسليم المقاتلات الأميركية الحديثة إلى تركيا بتطورات قضية القس برانسون، فإن "قانون إقرار الدفاع الوطني" ينص بوضوح على أن الوجود المحتمل للأنظمة الدفاعية الروسية (الذي سيشمل بطبيعة الحال فنيين ومدربين ومستشارين وما إلى ذلك) هو الأمر الأكثر إثارة للقلق بالنسبة للكونغرس وكذلك للبعض داخل إدارة ترامب.

تنطبق المادة 1828 من "قانون إقرار الدفاع الوطني" تماما على وضع العلاقات الأميركية التركية.
فبموجب هذه المادة، فإن وزير الدفاع الأميركي، بعد التشاور مع وزير الخارجية، مطالب بتقديم تقرير إلى الكونجرس عن حالة العلاقات الأميركية التركية.

وسيتوجب تسليم هذا التقرير خلال ثلاثة أشهر من تاريخ إقرار القانون. ومن الضروري أن يشمل التقرير تقييما لما تعتزمه تركيا من شراء أنظمة الدفاع الجوي الروسية (إس-400) وما لذلك من أثر على أنظمة تسليح أخرى كاملة يتم تشغيلها بالتعاون مع تركيا.

في صدارة قائمة هذه الأنظمة ولا شك مقاتلات (إف-35). وللعلم، فإن التقرير من الضروري أن يشمل أيضا تقييما للتأثير المتوقع لمشاركة تركيا في برنامج إنتاج مقاتلات (إف-35) على سير العمل في هذا البرنامج.ولحين تسليم هذا التقرير، يحتمل ألا تقدم وزارة الدفاع الأميركية على توريد هذه المقاتلات إلى تركيا.

في البداية، نقل البعض هذا الإجراء من قبل الكونجرس باعتباره حظرا، قبل أن يتم تصحيح التسمية بعد ذلك للإشارة إلى أنه قرار بتأجيل تسليم مقاتلات (إف-35).

ومن واقع نصوص "قانون إقرار الدفاع الوطني"، فإن بنوده لا تنص على تأجيل أو حظر نقل أنظمة تسليم أخرى، مثل طائرات الهليكوبتر من نوع شينبوك أو بلاكهوك أو مقاتلات (إف-16)، رغم أن التقرير يلزم بضرورة تقديم تقييم عن كيفية التوصل لحلول وسط بخصوص هذه الأنظمة إذا حصلت تركيا على نظام الدفاع الجوي (إس-400).

يستحق الثناءَ كثيرون في الكونغرس وداخل الأجهزة التنفيذية لنجاحهم في إقناع الكونجرس باستخدام ألفاظ تطالب بصدور تقرير وتقييم وليس فرض حظر، وبصفة خاصة وزير الدفاع جيمس ماتيس.

فالقانون، بنصوص مواده، يضع مسؤولية حل قضايا السياسة الخارجية والأمن المرتبطة بأزمة مقاتلات (إف-35) وأنظمة (إس-400) الروسية مع تركيا على كاهل ترامب وفريقه.

وسيعد التقدم في حل قضية أنظمة (إس-400) شرطا أساسيا في كيفية تحديد اللهجة التي سيصدر بها التقرير.

وبالنسبة لهؤلاء، ومنهم جيفري الذي يعتقد أن "البلدين بحاجة إلى بعضهما البعض"، فإن أفضل الحلول سيتمثل في تأجيل شراء تركيا لأنظمة (إس-400)، ثم إلغاء الصفقة في هدوء.

ما لم يذكر أيضا كان القضية الخلافية المستمرة بين الولايات المتحدة وتركيا والتي يتفق فيها جيفري مع آراء أردوغان ورؤاه – وهي الدور السلبي لحركة غولن.

لقد أشار جيفري إلى تلك الحركة باعتبارها "تهديدا لعلاقتنا مع تركيا ومن ثم للاستقرار في الشرق الأوسط."

ورغم أن جيفري لا يتهم مؤسس تلك الحركة، الداعية فتح الله غولن المقيم في ولاية بنسلفانيا الأميركية، بالتدبير لمحاولة الانقلاب الفاشلة على أردوغان في يوليو 2016، فإنه يتعاطف مع الرأي القائل إن أنصار غولن لعبوا دورا محوريا في ذلك اليوم.

أبدى السفير الأميركي السابق أيضا تفهما لمساعي تركيا لإقناع الولايات المتحدة بترحيل غولن وتسليمه إياها.

باختصار، لم يقع ما توقعه كثيرون من انهيار تام في العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا بعد مطالبات الرئيس ترامب ونائبه مايك بينس ووزير الخارجية مايك بومبيو بإطلاق سراحه، وما أعقب ذلك من تبادل البلدين توقيع عقوبات على بعضهما البعض، وذلك رغم الخطاب العدائي الحاد من كلا الطرفين.

في الوقت الراهن، فإن النيران لم تصهر القدر، ولم تؤد حتى إلى غليان الحساء – بل عدنا في هذه القضايا إلى مرحلة الطهي البطيء.

هناك أسباب كثيرة يرجح أن تكون وراء تهدئة البلدين للخطاب المتبادل بينهما، ولعل أحد أهم هذه الأسباب هو إدراك إدارة ترامب بأن تركيا ستتعاون أكثر وأكثر مع الولايات المتحدة بخصوص إيران، وهي بالنسبة لهذه الإدارة أهم مصادر القلق، فقط إذا تراجعت قضايا أخرى أقل أهمية في ترتيب أولويات علاقات الطرفين.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: