أنا لستُ متسولةً.. يشترون بثمن خبز أولادنا رصاصًا لقتل الأكراد!

إنه أحد مقاطع الفيديو الموجودة على وسائل التواصل الاجتماعي؛ إذ أشعر بالخجل من مشاهدته كلما صادفني؛ لدرجة أن حمرة الخجل الشديد تعلو وجهي...
أردوغان بيراقدار وزير البيئة والتخطيط العمراني في تلك الفترة كان ذاهبًا مع حشد غفير إلى جامع سليمية بأدرنة؛ فإذ بامرأة تعترض طريقه. إنها تُدعى "ديلَك أوزجليك". امرأة مصابة بسرطان الغدد الليمفاوية. تعلن أنها لم تستطع استرداد صحتها. يبدو أن شعرها قد تساقط تمامًا من العلاج الكيماوي الذي خضعت له.
إنها تقترب، وتحاول أن تجاهر بهمها ومشكلتها. يلاحظها الوزير، ويستدعيها إلى جواره. تلك المرأة الشريفة، تحاول أن تلخص بهدوء وضعها الصحي، والمرحلة الكارثية التي عاشتها في النظام الصحي. وبينما الوزير يبدو وكأنه يصغي إليها كان في الغالب مشغولًا بحساب المبلغ الذي سيقتطعه من قلبه ليعطيها إياه.
ذلك أنه سرعان ما وضع بضع ليرات في يد "ديلك"، ودخل إلى الصلاة. بدأت المرأة الشابة تنتظر في فناء الجامع حتى تنتهي الصلاة. ويحاول رجال الشرطة منع المرأة من الاقتراب من الوزير مرة ثانية. وعندها تطلق ديلك صيحة تصل إلى درجة الصراخ بينما تهز بضع مئات الليرات التي تمسكها بيدها المرتعشة، وعيناها دامعتان.
"أنا لستُ متسوووووووووولةً"
 

العمال الذين رُكلوا على الأرض في منطقة "صوما"، وضُربوا باللكمات في السوق...
الحاج "بيرلك" الذي جُرجِر خلف عربة مصفحة في منطقة كردستان، وحرب عصابات النساء اللاتي مُثّل بأجسادهن طعنًا بالسكاكين...
أمهات السبت الطاعنات في السن اللائي تعرضن للضرب على وجوههن حتى استحالت زرقاء داكنة من شدة الضرب، ليس لشيء سوى لأنهن يبحثن عن رفات أولادهن...
جثة "أوغور قورت" الهامدة الذي قتلته الشرطة في "بيت الجمع" أثناء خروج جنازة...
عامل المنجم الجريح الذي امتنع عن وضع حذائه على الملاءة البيضاء المبسوطة على نقالة المرضى في سيارة الإسعاف...
أحداث روبوسكي، وأحداث متنزه غزي، وكذلك محطة سكك حديد أنقرة، وسروج، وغيرها، وغيرها.
تخيلوا كم من مقاطع الفيديو شاهدناها سويًا. كم من الآلام عشناها، كم من مشاهد الوحشية الجماعية لأجساد وجثث هامدة رأينا، تخيلوا مرة...
كم هناك من قصص لأشخاص حين شاهدنا ما حدث لهم احمرت وجوهنا غضبًا وخجلًا، وحاولنا أن نمحو بسرعة تلك المشاهد الخاصة بهم من على الشاشات كي لا نشاهدها، كم من القصص تنتظر أن تُروى وتُسرد...
كيف سيجيب أردوغان وحاشيته غير البارعين الذين يقومون على خدمة شروره الكبرى، ما هو أساس جرائمهم، فكروا به في هذه الأثناء أيضًا. إنها مجرد معنويات.
فكروا فيما تعرضت له "ديلَك"، وفيما وصلنا إليه في السنوات القليلة الماضية، وبعبارة أدق في نضالها في الفترة الأخيرة من أجل الوصول إلى أبسط حقوقها الإنسانية الأساسية، إلى صحتها.
الرجل المتفاخر بحظر الإضرابات يتساءل: هل أولئك الذين يسألون عن سعر الباذنجان يعرفون سعر طلقة الرصاص!
لقد أصبح يحدث من يشتكي "إنَّا جوعى" عن الرصاص. مثل "سادات بَكَر" بالضبط.
مع من تحارب تركيا؟ هل نشتري رصاصًا لدرجة أن ترتفع أسعار الباذنجان خمسة أضعاف يوميًا؟ على من سنطلق هذا القدر من النيران؟ هل على الأكراد؟
علاوة على ذلك أنه أصبح متهورًا ولا يعرف الأدب والأخلاق وقد راح يُحمِّل الشعب التركي الكادح، ونفقات المعيشة ولقمة العيش تكلفة وثمن الرصاص الذي يشتريه من أجل قتل الأكراد. لم يبق لديه أي نوع من الحياء.
بالأمس القريب كان فخورًا أنه أوقع في هذا الوضع المزري شرائح من المجتمع بلغت أعدادها هي وعائلاتها الملايين و"حكم عليها بالجوع والنفي"، حيث طردهم من أعمالهم بمراسيمه الرئاسية وما شابهها من العنتريات. أما الآن فإنه يهدد علانية ملايين الفقراء الذين وقفوا على حافة حد الجوع، بل وحتى من صوّتوا لصالحه.
يقول إنه سيشتري بثمن خبز أولادنا رصاصًا ويقتل به الأكراد. يقول لن أعتبر من يعترض على هذا تركيا ولا ..، إنني أعامله مثلما أعامل الكردي.
أنا لا أختلق ذلك الكلام، تفضلوا اقرأوا:
"ماذا يقولون، البطاطس، والطماطم، والفلفل الحار! كل هذا مجرد خداع وتضليل. هكذا تشكلت إحدى العصابات. لقد تعاونت مؤسساتنا: الخزانة العامة والمالية والأغذية والزراعة، والآن نحن حاليًا نذهب إلى الولايات من خلال منافذ البيع المتنقلة ومتاجر البيع. اعتبارًا من الغد ستؤسس كل هذه المنافذ. وفيها سنبيع إلى مواطنينا السلع بسعر التكلفة.
لقد ذهب مفتشون من وزارة التجارة إلى أسواق الخضر الجملة. فحاولوا ضربهم. لأنهم حاولوا كشف الحقيقة.... إن كان هناك من يظن أنه أقوى من الدولة، فإن الدولة سوف تقضي على من ينشرون الإرهاب في أسواق الخضر بالجملة، مثلما قضت على الإرهابيين في جحورهم وكهوفهم في كل من: جودي، وغبَار، وتَندورك. سنتكاتف ونقضي على هذا الاستغلال."
حسنٌ، فبماذا يعد الفقراء حتى لا يتمردوا، وتتسنى لهم النجاة "من الاستغلال"، والعيش بكرامة وشرف؟
"أخواتي السيدات هناك عبوات شاي تم إعدادها وزنها 200-250 غرام. سوف تقوم مؤسساتنا بتسليمها إليكن. وسوف تستلمنها، وتقضين ساعات ممتعة. سوف ندخل البيوت من خلال هؤلاء. وبينما تمر هذه الساعات الممتعة في البيوت لن يطويكن ولا يطوينا النسيان."
لا ذُقنا الراحة ولا بقينا أحياء ما لم نصرخ في وجوه هؤلاء، ونشوّح بأيدينا المهتزة مثل الراحلة ديلك، ونصيح لدرجة الصراخ، ونقول: يا هذا لسنا متسولين...

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/turkiye/ben-dilenci-degilim
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.