جنكيز أكتار
يونيو 30 2018

أنت أيضا قد تصبح يوما ما من اللاجئين، تركيا نموذجا

حلّ اليوم العالمي للاجئين في العشرين من يونيو الجاري.
وحتى قبل سنوات قليلة، كان الرأي العام يتذكر مأساة هؤلاء فقط في ذلك اليوم من العام، لكن الكوارث المحيطة باللاجئين صارت الآن من الأخبار اليومية.
ما الذي يعنيه أن تكون من اللاجئين؟ دعونا نتذكر الأديب الشهير ألبرت كوهين الذي كان أحد الآباء المؤسسين لقانون اللاجئين بصورته الحالية.
"القيد الأول يتمثل في حقيقة أن اللاجئ شخص غريب في أي بلد يحطّ فيه رحاله. فهو لا يملك ذلك الملاذ الأخير المتاح لأي ‘غريب عادي’ بالعودة لوطنه الأم متى رغب في ذلك."
أما القيد الثاني فتراه في حقيقة أن اللاجئ ليس فقط غريبا أينما كان، بل لا يتمتع حتى بالحماية المتوفرة للغرباء. فلا حكومة له لتقف وراءه. ويقول الكتاب المقدس "طوبى لرجل يعيش وحيدا."
القيد الثالث هنا هو حقيقة أن هذا الشخص وهو غريب أينما حل، لا تتوفر له حماية، هو في الأغلب شخص بائس لم يسعفه الحظ. هو جزء من حطام السفينة البشرية.
هو أحيانا محل شك أو ازدراء يطال الغرباء سريعا دون أن تتاح لهم أي حماية؛ فمن المسلم به في تصرفات الجموع تجاه الغرباء أن سلوك مجموعة قومية تختلف باختلاف وضع الغرباء أنفسهم، سواء إن كانوا غرباء "عاديين" متسلحين بالقوة الخفية التي تتيحها لهم الدولة التي يعيشون في ظل حمايتها، أم غرباء "غير عاديين"، لاجئين لا حول لهم ولا قوة ولا حماية.
هؤلاء لا يملكون رفاهية العودة للوطن الأم متى أرادوا، وهم لهذا السبب بالذات، وهو سبب في أغلب الأحيان لا سند له، يعاملون كمشتبه بهم وكأشخاص غير مرغوب فيهم.
نفهم من كل هذا أن أكثر إنسان يحتاج للحماية على هذا الكوكب هو اللاجئ.
بعد سبعين عاما لم يتغير الكثير عما كان عليه الوضع في وقت حُرم فيه يهود أوروبا من حق اللجوء بينما كان النازيون يلاحقونهم في كل مكان.
وبينما يتم العصف بالكيانات التي أسست لنظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، فإن حق اللجوء (المنصوص عليه في المادة الرابعة عشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) يصبح هو الآخر محل شك.
ورغم الحماية المكفولة بموجب القانون الدولي والمنصوص عليها في اتفاقية جنيف الصادرة عام 1951 وكذلك بموجب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فإن وضع اللجوء هو أسوأ ما يعيشه بشر اليوم.
وبينما يعاني اللاجئون سهام الشك والرفض، تتيح هذه المخاوف للسياسيين تحقيق انتصارات في دول بينها على سبيل المثال إيطاليا وسلوفينيا والمجر وسلوفاكيا والولايات المتحدة.
ووفقا لأحدث إحصائيات صادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، هناك على الأقل 68.5 مليون لاجئ قسري حول العالم. بين هؤلاء هناك 28.5 مليون مصنفين كلاجئين و40 مليونا مصنفين كنازحين داخل بلدانهم.
وبالإضافة لهؤلاء البؤساء، هناك عشرة ملايين شخص من البدون وهؤلاء لا يحملون جنسية أي بلد.
بين هؤلاء وعددهم مجتمعين 78.5 مليون شخص، هناك 20 مليونا اضطروا للنزوح عن بيوتهم بسبب كوارث بيئية.
يرتبط مصير اللاجئ بشكل مباشر بمستوى المعيشة وسجل حقوق الإنسان في بلده الأصلي. فلا يوجد مخلوق على وجه الأرض يهاجر لمجرد رغبة تأتيه لفعل ذلك. بل يحدث هذا لأسباب اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية أو بيئية تدفع الناس للرحيل عن مواطنهم الأصلية.
أمام هذه المشاكل، لم يعد بمقدور اللاجئين الوثوق بالضمانات القانونية التي يمكن لحكومتهم تقديمها. وبالتالي تصبح حياتهم وممتلكاتهم في خطر.
يذكر كوهين أن معاملة اللاجئين "كمشردين" أمر شائع عالميا. وبالتالي، فإن اللاجئين لو أتيحت لهم فرصة الاستقرار في بلد أجنبي، يمكنهم حينها بذل جهد حقيقي للتكيف من أجل الاعتراف بهم في البلدان المستضيفة.
يُعامل اللاجئون كالمرضى؛ يتجنب الناس المرور بجوارهم ويفترضون أنهم سبب المشاكل الحالية. كما أن اللوم الموجه للاجئين على الدوام يمنع الناس من تقديم العون لهم.
لكن الحقيقة هي أن كثيرا من اللاجئين صنعوا معجزات في بلدانهم الجديدة وأصبحت هجرتهم خسارة لدولهم الأصلية ونجحوا بعد ذلك في تعزيز فرصهم في الوطن الجديد.
يحيا اللاجئون في ثقوب قانونية، وتجدهم عرضة لمختلف أشكال الاستغلال.
الآن أصبح تهريب اللاجئين "تجارة" تقدر قيمتها بنحو مئة مليون دولار سنويا.
وللأسف، لا تتوفر أي سياسات تخص اللاجئين في الدول التي تستخدم كممرات للتهريب بحيث تقيهم شرور المستغلين.
وعلى مدى قرون، عاشت تركيا وضعا غريبا جعلها مقصدا لطالبي اللجوء وأرضا طاردة للأقليات الدينية والمعارضين السياسيين.
فمع تدهور حال الامبراطورية العثمانية في أوائل القرن التاسع عشر، انطلقت موجة لجوء اشتدت وطأتها مع إنشاء دول جديدة من رحم هذه الامبراطورية.
وصلت معدلات الهجرة إلى ذروتها حين حدثت موجة التطهير العرقي ضد الأرمن عام 1915 وتبادل السكان بين تركيا واليونان عام 1923.
ومع تأسيس الجمهورية التركية عام 1923، استمرت سياسات التغيير الديموغرافي التي لطالما مورست في عهد الامبراطورية العثمانية.
وفي أعقاب الانقلاب العسكري الذي وقع في تركيا عام 1980، فرّ مئات الآلاف من تركيا. وبعد محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016 وما تلاها من إعلان حالة الطوارئ، يرحل كثيرون أيضا عن البلد اليوم.
اليوم لم يعد بمقدور نصف سكان تركيا على الأقل الوثوق بالدولة للقيام بواجبها في ضمان سلامتهم، ويمكن بطريقة أو بأخرى تصنيفهم كلاجئين.
مرة أخرى يشهد عدد طالبي اللجوء السياسي من تركيا ازديادا. وأتوقع زيادة في هذا الاتجاه أيضا بعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية.
إن طالبي اللجوء في تركيا لم يختاروها وطنا لهم بسبب سياسات إيجابية تقوم بها حيال اللاجئين. بل السبب الحقيقي الوحيد وراء اختيارهم لتركيا هو أنها فتحت ذراعيها لاستقبال الفارين من تركيا.
غير أن الحدود سرعان ما أغلقت، ولم يعد الترحيب بالسوريين كما كان.
أحيانا ما يفخر المواطنون الأتراك بكرم الضيافة لديهم، وبعطفهم ورحابة صدورهم.
لكن هذه الخصائص عرضة دائما للأعراف الاجتماعية ولا يوثقها أي قانون. وبالتالي، تصبح دائما رهنا بالناس إن شاؤوا أظهروا التعاطف وإن شاؤوا أظهروا عكس ذلك.
إن السبب الرئيسي وراء غياب سياسة لجوء واضحة في تركيا هو القيد الجغرافي الذي ألحقته باتفاقية جنيف 1951، والذي ينص على أن الفارين من أحداث في أوروبا طلبا للجوء في تركيا هم فقط من ينطبق عليهم وضع اللجوء.
لقد تسبب هذا القيد في عرقلة محاولات فرض سياسة لجوء واحدة بموجب الدستور.
يعامل غير الأوروبيين ممن يأتون إلى تركيا، كالسوريين مثلا، معاملة مبهمة بوصفهم "ضيوفا"، وهي معاملة تمنحهم حق إقامة مؤقت لحين إرسالهم إلى بلد ثالث، هذا إن لم يتم ترحيلهم.
لكن مع اعتبار حقيقة أن غالبية اللاجئين لن يكون بوسعهم العودة لأوطانهم في المستقبل المنظور، لا يمكن أن نتوقع إلا تطور مشكلة اللجوء.
لا أحد مُحصّن من مأساة اللجوء، لا في منطقتنا ولا في بقية العالم.
فالعالم يسير باتجاه تشكل أنظمة سلطوية والموارد الطبيعية في تناقص، والخطر محدق بكل شخص في هذا العالم خشية أن يصبح يوما ما من اللاجئين.

 

يُمكن قراءة المقال باللغة الإنجليزية أيضاً: