ابراهيم كاباوغلو
ديسمبر 08 2017

أنت في تركيا: "إذاً أنت مجرم"

نميل في العادة لرفض المفاهيم التي تسعى لتأسيس علاقة بين الحقوق والحريات. لكن لو آن لهذه العلاقة أن تتأسس فسيكون علينا حينها تذكير أنفسنا بالدستور التركي (المادة 15/2) تقول:

"لا يجوز المساس بالحق في الحياة لكل فرد الحق في الحياة، والحق في حماية وجوده الجسدي والروحي وتحسينه؛ ولا يجوز أن يُجبر فرد على الكشف عن ديانته أو عقيدته أو فِكره أو رأيه، أو أن توجَّه إليه اتهامات بسبب أي من ذلك، ولا يجوز أن تُنشأ الجرائم والعقوبات بأثر رجعي، ولا أن يُعتبر أي فرد مذنباً ما لم يصدر بذلك حكم من المحكمة".

هناك "مواد حاكمة للدستور" لا يمكن المساس بها حتى في أوقات الحروب. بعبارة أخرى، هذه المواد مهمتها ضبط سلسلة الأمن لكل فرد في أي مكان. ويتلخص ضمانها في سياق ثلاث مهام للدولة وهي: الاحترام والحماية والدعم.

غير أن الأمر يبدو مختلفا في تركيا حيث قد يتسبب جهر المرء بفكرة أو برأي في تهديد حقه في الحياة. بما يعني أن عقوبة الرأي قد تكون جسدية، ومن يمثلون الدولة قد يكونون في صدارة الممارسين لهذا السلوك غير القانوني.

إن الخطبة القصيرة التي ألقيتها في تجمع حركة مراقبي العدالة في محكمة كاجلايان تقدم ثلاث قضايا قانونية نموذجية وهي: وفاة المحامي طاهر إلتشي والاتهامات الموجهة لصحفيين من جريدة جمهوريت ومحاكمات عناصر حركة أكاديميون من أجل السلام.

أولا: وفاة المحامي طاهر إلتشي

في كلمتي بمدينة دياربكر في السابع من نوفمبر عام 2015 بدعوة من طاهر إلتشي ركزت على "بيئة الفوضى". لم تمر ثلاثة أسابيع على ذلك إلا واغتيل طاهر إلتشي في "بيئة الفوضى". قتل وهو ينادي بالحفاظ على الإرث الثقافي والسلام. لكن لم يعثر على قتلته حتى الآن.

صُور طاهر إلتشي بوصفه هدفا لوكلاء عن الدولة، الدولة التي لم توفر الحماية لحياته والآن يقوم وكلاء الحكومة بعرقلة تحقيق مستمر بالفعل في شأن مقتله.

ثانيا: الاتهامات بحق صحفيي جريدة جمهوريت

مثلت جلسة محاكمة المحامي أكين أتالاي وعدد من الصحفيين من جريدة جمهوريت في 31 أكتوبر تجسيدا صريحا لمحاكمة الصحافة أو محاكمة "حرية الرأي". لقد دفع من أطلق سراحهم ثمن آرائهم جسديا. أما من بقوا في السجن فلا يزالون يدفعون ثمن أفكارهم وآرائهم. لكن تبقى هذه العملية ووجودهم في السجون مخالفا كليا للدستور التركي.

ثالثا: محاكمات عناصر حركة أكاديميون من أجل السلام

تبدأ محاكمة عناصر حركة أكاديميون من أجل السلام يوم الثلاثاء وهي بدورها تظهر كيف يمكن أن تودي سلسلة من الأفكار بأصحابها للسجن. لقد استهدف الأكاديميون، الذين لم يفعلوا شيئا سوى الجهر بدعمهم للسلام، من أكبر سلطة في الدولة (سواء بإهانات وتهديدات استخدم فيها خطاب كراهية)؛ وبعدها واجهوا إرهابا مارسه أرباب عملهم (الجامعات) وجهات الادعاء العام.

بعد ذلك وجهت للأكاديميين، الذين تمثلت جريرتهم في التوقيع على وثيقة سلام، اتهامات عقب محاولة الانقلاب في 15 يوليو 2016. بيان في نصف صفحة يدعو للسلام أطلق مئات الاتهامات وعوقب الأكاديميون حتى قبل أن تبدأ المحاكمة. فلو أن هذا ليس "ثمن الرأي" فما عساه يكون؟

لقد كان هؤلاء الأكاديميون، وباستمرار، هدفا لممثلي الدولة منذ 11 يناير 2016 وسيستمر استهدافهم خلال محاكماتهم. الأخطر أن قضاياهم منفصلة وتجرى محاكمة كل ملف في دائرة منفصلة.

إن في توجيه مئات الاتهامات استنادا إلى مستند من نصف صفحة بزعم أنه يمثل مخالفة دليل واضح على تسييس النظام القضائي.

وهناك خصائص مشتركة بين هذه القضايا وهي: التعبير عن الأفكار والآراء، والجهر بالرأي والتصريح بالمشاكل الاجتماعية، والتوعية على مستوى الفرد أو الجماعة. أو بمعنى آخر هي "معارضة ديمقراطية".

في المثال الأول لدينا محام (وهو أمر يتعارض مع مبدأ الحق في محاكمة عادلة) وفي الثاني هناك عناصر من الصحافة (وهي جزء أصيل من أي مجتمع ديمقراطي) وأخيرا في المثال الثالث أساتذة جامعيون (أي هجوم على الحق في حرية التفكير).

القواسم المشتركة بين المتهمين في هذه القضايا هي:

يؤدون ما يطلب منهم بحكم وظائفهم،

يحاولون البحث عن حلول لمشاكل المجتمع،

بما أنهم وجهوا انتقادات للجهات التنفيذية، يمكن في هذه الحالة تصنيفهم كجزء من "المعارضة الديمقراطية".

أما عن نتيجة معارضتهم فكانت كالتالي:

وجهت إليهم جميعا اتهامات في "جرائم رأي"،

تعرضوا جميعا للاستهداف والتهديد،

تعرضوا جميعا للترهيب،

مطالبهم العاجلة والملحة هي:

  1. ضرورة إنهاء حالة الطوارئ. حالة الطوارئ التي أعلنت في البداية في مناطق بجنوب تركيا عام 2015 تم تمديدها في عموم البلاد بعد تغيير قانون الأمن المحلي.
  2. بعد تمديدها عام 2016 استخدمت حالة الطوارئ لإجراء تعديل دستوري يتعلق بقانون الطوارئ نفسه ويستخدم الآن لترهيب المعارضة الديمقراطية. يتعين على الحكومة، فورا ودون إبطاء، إنهاء حالة الطوارئ.
  3. يجب إعادة العدالة للسلطة القضائية بما في ذلك عودة المحاكم للعمل في إطار الدستور والاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها تركيا.
  4. إجراء تحليل مضوعي وإعداد تقارير عن الموقف: يجب أن تبدأ نقابة المحامين التركية تحقيقا في انتهاكات حقوق الإنسان خلال فترة تطبيق حالة الطوارئ.
  5. على النشطاء المدافعين عن حقوق الإنسان توسيع نطاق التضامن والاستعداد لمعركة أكبر متوقعة من أجل إعادة سيادة القانون.
  6. يجب وضع جدلية الدستور والديمقراطية كثلاثي يضم "تجارب+حركات مجتمع مدني+مؤسسات سياسية" ليكون محورها إعادة تأسيس دولة القانون مع اقتراب تركيا من انتخابات 2019.

بما أني قد بدأت مغامرتي مع موقع "أحوال" بإدراج أسماء المشتبه بهم في تركيا، وبما أنني نفسي واحد من أولئك المشتبه بهم، ظننت أن الأمر يستحق تقديم نفسي للقراء بمقال عن حال القانون في تركيا.

يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية: