مايكل ماكنزي
فبراير 14 2018

أنصار غولن كانوا في سعي دائما للسلطة المطلقة، فأصبحوا عبيدا لها

قليلون هم الذين يعيشون في تركيا اليوم ممن يتعرضون للملامة الآن بشدة وعلى نحو متكرر إزاء موقفهم نحو الداعية الإسلامي الذي يعيش في الولايات المتحدة فتح الله غولن وأتباعه، وتوجه لغولن وأتباعه أصابع الاتهام باختراق الدولة، بداية من الشرطة والسلطة القضائية إلى الجنرالات، في محاولة للإطاحة بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
وكانت ذروة الجهود المبذولة للاستيلاء على الدولة من قبل ما تُطلق عليها الحكومة التركية "منظمة أنصار فتح الله الإرهابية" هي الانقلاب الفاشل الذي شهدته تركيا في 15 يوليو من العام 2016.
وأدت محاولة الانقلاب الفاشلة هذه إلى انتشار القمع والذي نتج عنه سجن عشرات الألوف من الأنصار المزعومين لفتح الله غولن أو تجريدهم من وظائفهم وذلك في إطار الحكم تحت حالة الطوارئ المستمرة. وفي الوقت ذاته، أصبحت المطالبة بتسليم غولن من منفاه الاختياري في بنسلفانيا تتكرر بصورة واسعة الانتشار في الخطب التي يلقيها أردوغان حول الولايات المتحدة.
وقال زعيم حقوق الإنسان التركي الشهير عمر فاروق جرجرلي أوغلو خلال محادثة مع إيلان تانير الكاتب في "أحوال تركية" "تتمثل المشكلة منذ البداية في ترسيخهم في السلطة... وكان الشيء الذي حفز غولن بصورة قوية جدا هو الاستيلاء على أكبر قدر ممكن من السلطة، ووضع رؤيته وروج لها من خلال مجموعة من الموظفين في الدوائر البيروقراطية والعسكرية والأمنية من أجل تحقيق السلطة المطلقة."
وأضاف جرجرلي أوغلو أن أنصار غولن والأفراد المرتبطين بمنظمتهم عانوا من انتهاكات مفرطة ولا تُطاق لحقوق الإنسان في إطار عمليات التطهير هذه. وقال جرجرلي أوغلو إن أنصار غولن لعبو، منذ وقت ليس بالبعيد، دورهم في التحريض على مثل هذه الانتهاكات، وهي حلقة انتهاكات في تركيا وصفها خلال محادثة مطولة عبر الفيديو مع تلفزيون أحوال تركية بأنها "مرضية".
واصبحت منظمة غولن بحلول وقت الانقلاب تمثل فزاعة بالفعل في تركيا، واعتمد حزب العدالة والتنمية الحاكم في البلاد على اسمها في إلقاء اللوم على كل موقف غير مرغوب فيه أو موقف محرج يواجهه الحزب، بداية من الاحتجاجات البيئية في متنزه غازي بارك في العام 2013 إلى إسقاط طائرة مقاتلة روسية في عام 2015.
وحتى الآن، فإن غولن وأتباعه مازالوا يمثلون حركتهم، وهي عبارة عن شبكة عمل عالمية من المؤسسات الدينية والمدارس الخاصة التي يطلقون عليها اسم "خدمة"، على أنها حركة غير ساسية وإنسانية يقولون إنها تسعى لتعزيز التعليم والحوار بين الأديان، وكان الحزب الحاكم نفسه ولسنوات يتشدق بدعم صورة غولن كرجل دين.
وحتى فقدان مواقعهم، كان يتمتع أنصار غولن بمكانة يُحسدون عليها. فقد كانت لهم منصة استثنائية يتابعون من خلالها مصالحهم مع أتباعهم في المناصب المرموقة في الدولة التركية وفي عالم الأعمال، وكانت لديهم ثروة يضغطون من خلالها على المئات من المشرعين الأميريكيين، وسيطروا على بعض المؤسسات الإعلامية الكبرى في تركيا، وحصلوا على الاعتراف الدولي الكافي حتى رحب بهم البابا يوحنا بول الثاني في الفاتيكان، كما كانوا يتمتعون بعلاقة صداقة سابقة مع الحزب الحاكم في البلاد، لذا فكيف انهار كل هذا؟ 
وفي العقد الأول من القرن الحالي، لعب أنصار غولن على الصراع بين الكتلة السياسية الدينية المحافظة التي يمثلها حزب العدالة والتنمية الحاكم من جهة، والصفوة العلمانية التقليدية في الجمهورية والتي كانت تسيطر على البيروقراطية والجيش في البلاد عندما وصل الحزب إلى السلطة في عام 2002 من جهة أخرى.
وأدى تركيز المنظمة على التعليم والعاملين المهرة المدربين تدريبا جيدا الذي ينتجه هذا التعليم إلى تقديم مجموعة من أنصار غولن داخل الدولة لمتابعة هذا الهدف.
وكرئيس سابق لرابطة حقوق الإنسان والتضامن مع المضطهدين (مظلومدار)، وهي مؤسسة غير حكومية متحفظة لحقوق الإنسان تحارب ضد التمييز الديني، فكان لجرجرلي أوغلو نظرة عن كثب على الصراع الطائفي الديني والدور الذي لعبه غولن في هذا الصراع. ويعد جرجرلي أوغلو، حتى على الرغم من كونه منتقدا للمنظمة منذ وقت طويل، واحدا من بين الأصوات الأكثر ندرة على وسائل التواصل الاجتماعي والنطاقات العامة الأخرى الذي يتحدث عن انتهاكات حقوق الإنسان التي يواجهها أنصار غولن المزعومين في تركيا.
ويشغل جرجرلي أوغلو حاليا منصب المتحدث باسم منصة الحقوق والعدالة. وقد أسس مجموعة من المدافعين عن حقوق الإنسان هذه المنصة في عام 2016، وقد أجرت المنظمة مسحا على نطاق واسع لقياس مدى الدمار الاجتماعي والاقتصادي والنفسي الناتج عن الحكم إبان حالة الطوارئ المفروضة. وركزت المنظمة في تقرير وضعته وتألف من 400 صفحة على كيفية انتهاك حقوق الأشخاص المرتبطين بأنصار غولن منذ محاولة الانقلاب في عام 2016
وقال جرجرلي أوغلو "عندما تركز بصورة كبيرة جدا على الاستيلاء على السلطة، فإنها تصيبك بحالة من النشوة. ومن ثم تصبح أشياء كثيرة مسموح بها من أجل الحصول على هذه السلطة. لذا فقد ساروا يدا بيد مع حكومة حزب العدالة والتنمية".
وكان من الممكن استمرار هذا التحالف "بصورة هادئة وسلمية" لعشر سنوات، حيث انضم المدعون وضباط الشرطة المرتبطون بغولن للتحالف مع الحزب الحاكم لاستهداف آلاف الضباط والساسة والصحفيين العلمانيين في سلسلة من التحقيقات التي خلفت المئات خلف القضبان، وتسببت في المعاملة الوحشية للآلاف من أفراد العائلات، بزعم انضمامهم إلى عضوية منظمة سرية شكلت "الدولة العميقة" في تركيا أو "ايرجينيكون" والتآمر على وضع خطة انقلاب ضد الحكومة المنتخبة.

وكشفت المحاكمات التالية عن سوء سلوك قامت به الشرطة والادعاء على نطاق واسع. وكشف التحقيق المتعمق الذي أجراه العالم جاريث جنكيك من معهد طريق الحرير عن أن القضايا التي عُرضت على المحكمة شابتها افتقار إلى الإجراءات القانونية الواجبة، وتلاعب في الأدلة، وشهادات متناقضة. ومع استمرار التحقيقات وجدت رموز تنتقد حركة غولن مثل الصحفي الاستقصائي أحمد سيك أنفسهم خلف القضبان باتهامات بالإرهاب.
وحولت المحاكمات الصراع حول الدولة بصورة حاسمة لصالح حزب العدالة والتنمية الحاكم، وتماشى الحزب الحاكم وهو سعيد مع ما وصفه جرجرلي أوغلو بأنه "مغالاة ومخالفات" للمحاكمات. وبُني مثل هذا التحالف على السعي وراء السلطة على الرغم من أنه لم يستمر.
وقال جرجرلي أوغلو "ومع مرور الوقت، تزايدت شهية أردوغان للسلطة، ولم يضعف غولن قط. ومن ثم، انقلب الاثنان اللذان لديهما رغبة كبيرة في السلطة كل منهما على الآخر."
وكانت أول علامات هذا الصراع الذي بدأ في عام 2012، عندما استهدف الادعاء المؤيد لغولن رئيس منظمة الاستخبارات الوطنية حقان فيدان، وهو حليف مقرب من أردوغان. ونفى أنصار غولن الادعاءات بأن هذا كان هجوما مدبرا من قبل أعضائهم. وظهر الشقاق للعلن في شهر ديسمبر من عام 2013 عندما فتح الادعاء وضباط الشرطة من أنصار غولن تحقيقات ضد الفساد مع ساسة كبار في حزب العدالة والتنمية الحاكم. ووصل الصراع التالي إلى ذروته في 15 يوليو عام 2016 بمحاولة الانقلاب الفاشلة التي تركت أنصار غولن "مثل الشبح" يطاردون المشهد السياسي في تركيا. 
وقال جرجرلي أوغلو "كانت هذه نقطة خلافية جدا يتم الوصول إليها (بالنسبة لأنصار غولن). فقد تحدثوا لسنوات عن الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، ثم تورطت أسماء أنصار غولن في محاولة انقلاب".
ويرى جرجرلي أوغلو أنه في حين أن الأحداث الغامضة لهذه الليلة لم يتم شرحها بصورة كاملة، فإن التصور الشعبي هو أن أنصار غولن كانوا هم العقل المدبر لمحاولة الانقلاب هذه.
وبالنسبة لجرجرلي أوغلو، فإن هذا يجب أن يبعث على فترة من انتقاد الذات داخل المنظمة. وكذلك أيضا، تاريخها من التورط في ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، التي يقول عنها أنها تُبطل المساهمات القيمة الأخرى التي حققها أنصار غولن أثناء ذروة دفاعهم عن حقوق الإنسان.
وقال جرجرلي أوغلو "ما ينبغي أن يواجهوه هو، أنه عن طريق الفشل في هذه القيم التي تحدثوا عنها لسنوات، فإن الشيْء الذي أضروا به بشدة هو تطوير ديمقراطية المجتمع التركي ... وعندما تخلق مثل خيبة الأمل هذه، فليس  مجتمعك هو الذي يتحمل العبء الأكبر من الدمار، لكن كفاح تركيا من أجل الديمقراطية هو الذي يتحمل هذا العبء."
وعلى الرغم من كل هذا، فإن جرجرلي أوغلو مصمم على الدفاع عن حقوق أنصار غولن الذين يجدون أنفسهم الآن الطرف المتلقي لانتهاكات حقوق الإنسان في ضوء محاولة الانقلاب الفاشلة.
وقال جرجرلي أوغلو "أقول هذا لأي شخص يواجه القمع اليوم. نعم، قد تكون اقترفت أخطاء في الماضي، لكن إذا كنت تواجه انتهاكات تتعلق بحقوق الإنسان وتبحث عن العدالة اليوم، فعليك أن تتذكر هذا في المستقبل عندما تصبح في السلطة، وأن تسعى لتحقيق نفس العدالة لكل جماعة أخرى."
ويشك جرجرلي أوغلو في أن هذا درس ستضعه رموز القادة في منظمة غولن في الاعتبار. وعلى الرغم من ذلك فإن جرجرلي أوغلو يرى وعيا ذاتيا جديدا وتفاهما بين أتباع غولن العاديين، مما يترك لديه أمل في المستقبل.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: