أنقرة وواشنطن تهرولان نحو صدع لا يمكن رأبه

نشر الرئيس الأميركي دونالد ترامب تغريدة على تويتر في ساعة متأخرة من يوم 16 أغسطس جاء فيها أن "تركيا استفادت من الولايات المتحدة لسنوات عديدة، وهم الآن يحتجزون قسنا المسيحي الرائع الذي يجب أن أطلب منه الآن أن يُمَثّل بلدنا كرهينة وطني عظيم. لن ندفع شيئاً لإطلاق سراح رجل بريء، لكننا سنخنق تركيا!"
ولهذه التغريدة أصداء عالية، كما أنها تسلط الضوء على عدة طبقات من الحقائق. وأولى هذه الحقائق هي أنها تُظهر كيف صارت السياسة الدولية عدائية. أما الحقيقة الثانية فهي أنها تذكر بأن المفكر السياسي المحافظ الكبير صامويل هنتنجتون كان محقاً عندما كتب حول صراع الحضارات؛ ففي عام 1993، استبعد الكثير من النقاد هذه الرؤية النبوئية، لكنها صارت حقيقة مع تنامي نزعات العصبية القبلية حول الاختلافات الدينية والثقافية.
وفيما يتعلق بتغريدة ترامب، فإنها تركز على قس مسيحي واحد. ويصَوَّر أندو برانسون على أنه وحده الضحية في بلد يقبع فيها هو وعشرات الآلاف من الناس في السجون باتهامات زائفة. وانتقائية ترامب التي تستند إلى أسس دينية تجعل نظرية هنتنجتون تستحق أن نتوقف أمامها من جديد.
الحقيقة الثالثة التي تكشفها هذه التغريدة هي الصراع الذي يبدو أضيق بين تركيا والولايات المتحدة العضوين في حلف شمال الأطلسي. وما من شك في أن العلاقة التاريخية بين البلدين تتجه إلى شد الحبل بينهما، في الوقت الذي لا يُبدي فيه أي من ترامب ونظيره التركي رجب طيب أردوغان رغبة في التخلي عن موقفه.
ويتصرف الزعيمان كمغامرين مارقين بعيداً عن التماس النصيحة، وبعيداً عن القواعد الحاكمة لمؤهلات رجال الدولة، وحتى عن التجانس الإداري. وفيما يتعلق بالتداعيات الطويلة الأجل، فإن الصدع الذي لا مفر منه – والذي قد لا يكون من الممكن إصلاحه أيضا – سيحكم ما هو أكثر من العلاقة بين الولايات المتحدة وتركيا، إذ سيُحدث ردَ فعلٍ تسلسلياً، خاصة بالنظر إلى أن تركيا هي الحلقة الأضعف في السلسلة الأمنية التي يمثل حلف شمال الأطلسي قاعدتها.
وكما تُظهر أحدث استطلاعات الرأي فإن نحو 80 بالمئة من الأتراك الذين شملتهم تلك الاستطلاعات قالوا إنهم يتبنون آراءً مناهضة للولايات المتحدة. وقد ساعد الصراع الدائر بشأن القس الأميركي على دفع المعاداة لأميركا إلى السطح على نحو لم نشهده من قبل. وانطلق المراقبون يقدحون زناد فكرهم للإجابة على اسئلة عدة.
وتساءل مايكل روبين في صحيفة واشنطن بوست قائلا "هل تركيا ما زالت تنتنمي اليوم إلى حلف شمال الأطلسي؟" وروبين مسؤول سابق في البنتاغون ويعمل حاليا بمعهد أميركان انتربرايز، وهو مركز بحثي محافظ في واشنطن.
ويُعطي روبين إجابة حادة لهذا السؤال، حيث يُشير إلى شراء أردوغان المزمع لنظام الدفاع الجوي إس-400 من روسيا. يقول روبين "إن من يقدمون مشورة تنتهج خطاً أكثر تساهلاً يشيرون إلى أن استراتيجية أردوغان هي استراتيجية صفقات في جزء منها. هذا صحيح، لكن ذلك سبب أكبر للتكهن بدور تركيا في الدفاع الجماعي. فبعد كل شيء، عندما تنشب أزمة يتعين على أعضاء حلف شمال الأطلسي أن يصطفوا إلى جانب بعضهم البعض، لا أن ينخرطوا في حروب عُرُوض مع واشنطن وموسكو بشأن من يستحق ولاءهم. 
"في واقع الأمر، فإن الخطر الحقيقي المحدق بحلف شمال الأطلسي ليس أن تركيا ستنسحب من الحلف أو أنها ستصطف في جانب روسيا، ولكنه يكمن في استمرار بقائها داخل الحلف، لأن قرارات حلف شمال الأطلسي تؤخذ بالإجماع. ويمكن أن تلعب تركيا دور حصان طروادة لتعطيل أي تحرك عندما تلوح أزمة في الأفق. صحيح أنه لا توجد آلية واضحة لطرد أعضاء حلف شمال الأطلسي، لكن بقاء الحلف يستلزم تطهيره من تركيا. يجب على الغرب أن يستفز أردوغان ليرى مدى جدية تهديده".
والواقعيون في واشنطن يتقبلون فكرة أن هناك نهاية لحقبة من الزمن.
وكتب ستيفن كوك، وهو محلل بمجلس العلاقات الخارجية يقول "يجب أن يكون واضحاً الآن أنه لا توجد علاقة استراتيجية. لدى تركيا والولايات المتحدة أولويات ومصالح مختلفة".
أضاف أن التوترات "نتيجة لعالم يتغير، لم يعد يجمع واشنطن وأنقرة فيه تهديد مشترك. وربما سيكون الجدل بشأن القس برانسون والطريقة التي تفاعلت بها الحكومة التركية مع أزمة الليرة لحظة فارقة تسلط الضوء على ما يجب أن يكون واضحاً الآن، وهو أن تركيا لم تعد حليفاً أو شريكاً".
لقد مضى زمن التظاهر والتمني وحان الوقت لمواجهة الحقائق. لقد ظل حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان لزمن طويل أمل الغرب الوحيد في أن يكون الإسلام السياسي متوافقاً مع الديمقراطية. لكن أردوغان دمر هذا الأمل، ولذلك فقد مضى زمن الأمل. وبينما يجب تحميل أردوغان وحاشيته المقربة الجزء الأكبر من المسؤولية عن هذا، يجب أيضا تحميل الاتحاد الأوروبي جزءاً من المسؤولية.
فقد خلق الانقلاب المدني البطيء الحركة الذي قاده أردوغان – والمتمثل في إحكام القبضة على السلطة بصورة مثيرة يجري الترتيب لها منذ عام 2014 – شكلاً جديداً لنظام جديد لم يعد على نفس الخط مع الغرب فيما يتعلق بالقضايا الرئيسية. ويريد أردوغان أن تكون يده طليقةً يفعل ما يحلو له دون رادع أو عقاب، حتى في الوقت الذي يسعى فيه إلى الاحتفاظ بالشرعية الدولية. وهذا يعني أنه لن يتوقف أبداً عن التَلَون؛ فهو يسعى الآن إلى التقارب مع الاتحاد الأوروبي، وفي وقت لاحق سيفسد هذا التقارب ليدخل في معركة معه.
وبكل تأكيد، فإن أفعال أردوغان تساعد ترامب الذي يبدو أنه يريد هدم النظام العالمي القديم والعودة به إلى الوراء نحو التعددية القطبية التي تزدهر في كنفها القبلية العالمية. وستكون الديمقراطيات هي الضحية حينئذ.
أما عن المستقبل، فكما يقول المثل: عندما تتصارع الأفيال، يموت النمل.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/us-turkey/turkey-us-rushing-towards-irreparable-rupture
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.
This block is broken or missing. You may be missing content or you might need to enable the original module.