أحوال تركية
فبراير 13 2019

أوجلان ما يزال يُقلق أنقرة بعد 20 عاماً من اعتقاله

أنقرة – ما يزال عبدالله أوجلان؛ زعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل في سجن بجزيرة إيمرالي، يحظى بنفوذ كبير ويقلق السلطات التركية بعد عشرين عاماً على اعتقاله.

عندما اعتقلت السلطات التركية زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان قبل عقدين، اعتبر ذلك ضربة قاصمة لحركته الانفصالية المتمردة لكن الخبراء يشيرون إلى أنه لا يزال يتمتع بنفوذ كبير كلاعب أساسي في أي اتفاق سلام مستقبلي مع الجماعة المحظورة.

وأسس أوجلان الحزب المدرج على لوائح الإرهاب في أنقرة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عام 1978 مع مجموعة من الطلبة في مسعى للحصول على حكم ذاتي للأكراد.

وتحوّل الحزب إلى جماعة مسلحة في العام 1984 تهدف لإقامة دولة كردية مستقلّة. ومنذ ذلك الحين، قتل أكثر من 40 ألف شخص خلال حركة تمرد حزب العمال الكردستاني.

وقبل اعتقاله عام 1999، عاش أوجلان في المنفى في سوريا إلى أن توصلت دمشق وأنقرة إلى اتفاق في 1998 أجبره على المغادرة.

وألقى عناصر من الاستخبارات التركية القبض عليه أخيرا في كينيا خارج السفارة اليونانية في نيروبي بتاريخ 15 فبراير 1999.

ويقبع أوجلان الآن في سجن سيّئ الصيت على جزيرة إيمرالي قبالة إسطنبول فيما لا يزال رغم عزلته التامة تقريبا يعد شخصية مرجعية بالنسبة للقضية الكردية ليس في تركيا فحسب بل في المنطقة بأكملها.

وبحسب أليزا ماركوس، مؤلفة كتاب "الدم والمعتقد: حزب العمال الكردستاني والكفاح الكردي من أجل الاستقلال"، "شكل توقيف أوجلان في البداية ضربة قاصمة للمنظمة لأنه كان يمسك بيده كل المفاتيح المتعلقة بحزب العمال الكردستاني وأنشطته وفجأة اختفى".

وتابعت "إضافة إلى ذلك، تسبب قراره وقف الحرب والتخلي عن استقلال كردستان - كما أعلن خلال محاكمته - بمزيد من الإرباك".

لكن حزب العمال الكردستاني تمكن من التكيّف. ويعود ذلك "جزئيا إلى أن أوجلان كان قادرا على التواصل من السجن عبر مقابلات ولقاءات مع محاميه"، بحسب ماركوس.

وفي 2013 مثلا، دعا أوجلان عبر نواب وسطاء من حزب الشعوب الديمقراطي المناصر لقضية الأكراد، إلى وقف لإطلاق النار للسماح بإجراء محادثات السلام بينه وبين أنقرة من أجل التوصل إلى تسوية سياسية.

وانهار وقف إطلاق النار الهش في 2015 واندلعت المواجهات الدامية في جنوب شرق البلاد مجددا.

يعدّ أوجلان شخصية مرجعية بالنسبة للقضية الكردية
يعدّ أوجلان شخصية مرجعية بالنسبة للقضية الكردية

وفي أعقاب انقلاب 2016 الفاشل، كثّفت أنقرة حربها على "الإرهاب" بموجب حالة الطوارئ التي أعلنت عنها واتخذ القرار "رسميا يمنع جميع الزيارات إلى إمرالي، سواء من قبل محاميه أو أفراد عائلته"، بحسب ما أفاد أحد محاميه وهو إبراهيم بيلمز.

لكن يذكر أن أوجلان لم يتمكن من رؤية محاميه منذ العام 2011.

ووفق حزب الشعوب الديموقراطي، هناك أكثر من 300 شخص في السجن مضربين عن الطعام للمطالبة بالسماح لأوجلان بالتواصل مع عائلته ومحاميه. ومن بين هؤلاء ليلى غوفين، وهي نائبة عن حزب الشعوب الديمقراطي.

وتواصل غوفين (55 عاما) إضرابها الذي بدأته في الثامن من نوفمبر رغم أنه تم الإفراج عنها الشهر الماضي بانتظار محاكمتها.

وفي مسعى لاسترضاء المضربين عن الطعام، سمحت السلطات التركية لمحمد، شقيق أوجلان، بزيارته الشهر الماضي لأول مرة منذ 2016.

وقال بيلمز إن "الإضراب عن الطعام هذا أحرج الدولة لأن المطالب مشروعة. ولهذا السبب، أُرسل شقيق أوجلان (لزيارته) في إيمرالي".

وأضاف المحامي "لا معلومات لدينا سوى ما قاله لنا محمد"، لكن أوجلان أراد أن يعرف الناس أنه "بخير".

وبحسب بيلمز، هناك "ارتباط نفسي معنوي" بين أوجلان والشعب الكردي إذ "يستمدون القوة من بعضهم البعض" ما يعني أن زعيم حزب العمال الكردستاني لا يزال يحتفظ بنفوذه وشعبيته.

ويرى حميد بوز أرسلان من "معهد الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية" ومقره باريس، أن "المفارقة هي أنه على المدى البعيد يتكون انطباع بأن اعتقاله خدم حزب العمال الكردستاني والقضية الكردية".

وأضاف بوز أرسلان أن حزب العمال الكردستاني بات أكثر شعبية الآن عما مضى حين توقيف أوجلان.

وقال "خلال السنوات العشرين الأخيرة، تحول حزب العمال الكردستاني إلى واحد من مرجعين رئيسيين في الفضاء الكردي في المنطقة، إلى جانب الحكومة الكردية العراقية".

تواصل ليلى غوفين إضرابها برغم الإفراج عنها.
تواصل ليلى غوفين إضرابها برغم الإفراج عنها.

ويتجاوز تأثير أوجلان الحدود التركية إذ يطلق عليه أتباعه الموالون له "آبو" أو "سَروْكْ" (أي الزعيم) فيما تُرفع صوره في المناطق الواقعة في شمال سوريا والخاضعة لسيطرة وحدات حماية الشعب الكردية المدعومة من الولايات المتحدة.

ومنذ عودة العنف في 2015، شدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لهجة خطاباته في ما يتعلق بالمقاتلين الأكراد ما زاد من صعوبة التوصل إلى حل للنزاع عبر التفاوض.

لكن بوز أرسلان شدد على أن الظروف خاضعة للتغيير على الدوام مؤكدا أنه في حال أراد أردوغان استئناف المحادثات "فلا محاور أمامه" سوى أوجلان.

في ما يلي تذكير بأبرز الأحداث المرتبطة بحيثيات اعتقال الرجل الذي تعتبره كل من تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إرهابيا بينما يرى كثير من الأكراد فيه بطلا ناضل من أجل مسعاهم للحصول على حكم ذاتي.

في المنفى

1978: أسس أوجلان بعمر الـ30 حزب العمال الكردستاني (بي كي كي) للدفاع عن مطلب إقامة دولة كردية مستقلة في جنوب شرق تركيا.

1984: بعد فراره من البلاد عام 1980، أمر من منفاه حزب العمال الكردستاني ببدء الكفاح المسلح.

وقوبلت الهجمات الدامية التي شنها الحزب بحملة أمنية من السلطات التركية بينما صنّفت أنقرة وحلفاؤها الغربيون المنظمة بأنها "إرهابية".

وتشير تقارير صادرة في أنقرة أن أوجلان قضى الجزء الأكبر من سنواته الأولى وهو فار في دمشق أو وادي البقاع اللبناني الذي كان خاضعا لسيطرة سوريا وحيث أسس مقرا لحزبه.

1998: في أكتوبر، أُجبر على مغادرة سوريا بعدما هددت أنقرة بالرد عسكريا في حال واصلت دمشق إيواءه.

من بلد لآخر

فترة التسعينيات: بعدما مكث فترة في موسكو، لجأ أوجلان إلى إيطاليا حيث أثار وجوده أزمة دبلوماسية بين أنقرة وروما.

ورفضت إيطاليا تسليمه مشيرة إلى أن تركيا كانت لا تزال تصدر أحكاما بالإعدام.

وبعد مغادرته إيطاليا في يناير 1999، حاول دون جدوى الحصول على حق اللجوء السياسي في عدة دول في الاتحاد الأوروبي.

وفي وقت كان ملاحقا من قبل عناصر من الاستخبارات التركية، اختبأ في أثينا قبل أن يهربه دبلوماسيون يونانيون إلى نيروبي. وأثار ذلك غضبا في اليونان حيث أقيل عدد من الوزراء.

القبض عليه في كينيا

1999: في فبراير، غادر أوجلان منزل السفير اليوناني في نيروبي بعدما مكث فيه لمدة 12 يوما، وكان على ما يبدو ينوي مغادرة كينيا.

وألقت فرقة كوماندوز تركية القبض عليه على طريق المطار ونقلته إلى خارج البلاد.

وصرّح رئيس الوزراء التركي آنذاك بولنت أجاويد "سبق وقلنا إنه أينما كان مختبئا في العالم، سنلقي القبض عليه".

وأظهر التلفزيون التركي أوجلان مكبلا ومعصوب العينين على متن الطائرة التي أعادته إلى تركيا. وكان هاربا لنحو 20 عاما.

حثت معظم العواصم الأوروبية أنقرة على العفو عن أوجلان
حثت معظم العواصم الأوروبية أنقرة على العفو عن أوجلان

تظاهرات

اقتحم أنصار أوجلان السفارات اليونانية واحتلوها في أنحاء غرب أوروبا حيث احتجزوا دبلوماسيين يونانيين أو أقاربهم أو موظفين كرهائن. وأضرم بعضهم النار في أنفسهم.

واتهم حزب العمال الكردستاني الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية والتركية بالتورط في عملية القبض عليه واليونان وكينيا بالتواطؤ.

لكن الاستخبارات الإسرائيلية تنفي أي دور لها في العملية وكذلك واشنطن لكن البيت الأبيض أفاد أنه "بالتأكيد راض للغاية عن اعتقال هذا الزعيم الإرهابي".

واقتحم أنصار حزب العمال الكردستاني السفارة الإسرائيلية في برلين حيث قتلت قوات الأمن أربعة منهم.

الجزيرة السجن

في عام 1999 كذلك، سجن أوجلان في جزيرة إيمرالي التركية على بعد نحو 60 كلم جنوب غرب اسطنبول حيث هو السجين الوحيد.

وفي اليوم الأول من محاكمته بتاريخ 31 مايو، دعا حزب العمال للتخلي عن سلاحه.

وجرت جلسة المحاكمة في الجزيرة وسط إجراءات أمنية مشددة حيث مثل وهو بداخل قفص زجاجي مضاد للرصاص.

وفي 29 يونيو، حكم عليه بالإعدام بتهم الخيانة ومحاولة الانفصال والقتل.

وحثت معظم العواصم الأوروبية أنقرة على العفو عنه بينما خرجت تظاهرات في عدة دول.

2002: تم تخفيف الحكم إلى السجن مدى الحياة بعدما علّقت تركيا العمل بحكم الإعدام.

دعوة لإعادة محاكمته

2005 قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في ستراسبورغ أن محاكمته لم تكن عادلة ودعت إلى إعادتها.

2013: دعا أوجلان مقاتليه للتخلي عن سلاحهم وتم الإعلان عن وقف لإطلاق النار.

وعقد في زنزانته عدة لقاءات مع مسؤولين في الاستخبارات التركية بهدف إنهاء النزاع الذي حصد عشرات آلاف الأرواح.

2015: أنهى حزب العمال العمل بوقف إطلاق النار.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.