ذو الفقار دوغان

أوزر سنجر: التحالفات الانتخابية التركية قد تخدم الأحزاب الصغيرة فقط

 

أنقرة- بعد مرور أكثر من عام يذهب رئيس الجمهورية أردوغان إلى ديار بكر مجددًا في 17 مارس الجاري، وقد تحدث أولًا إلى المحتشدين في الميادين هناك، ثم خطب في مؤتمر حزب العدالة والتنمية في محافظة ديار بكر، فتصدرت حديثه رسائل بثها محاولة لاسترضاء الناخبين الأكراد، واستقطابهم من جديد.
وقد قال أردوغان "ماذا يحدث لو أننا نعيش إخوة!"، ثم بدأ يعدد الاستثمارات التي تمت في ديار بكر أيضًا.
الفرق الوحيد بين زيارته هذه وزياراته السابقة إلى المنطقة هو عدم تنظيم حفلات "الافتتاح الجماعي".
وبينما تتواصل العملية العسكرية في عفرين على الجانب الآخر من الحدود، يتعذر بطبيعة الحال معرفة أصداء ونتائج وعده بجعل مدينة سور تشبه "توليدو". لأن أحد أكبر أوجه القصور في استطلاعات الرأي العام التي أجريت حتى الآن هو عجزها عن جس النبض العام في الجنوب الشرقي. حيث توضح شركات استطلاع الرأي أن الأمر لا يخرج عن شيئين: إما أنه لم يتم إجراء مسح صحي وسليم للآراء أو أن المشاركين في تلك الاستطلاعات امتنعوا عن الإجابة عن الأسئلة.
غير أنَّ اللافت للانتباه هو الذهاب إلى ديار بكر قبل يوم تقريبًا من حفلات التأبين المهيبة التي تم إعدادها من أجل الذكرى رقم 103 للانتصار في معارك الدردنيل في 18 مارس.
وكان أردوغان صرّح في حديث ألقاه في 14 مارس أن عفرين ستسقط في ساعات المساء. وفي أعقاب ذلك مرر "مصدر رئاسي لم يُصرح باسمه" رسالة إلى أبرز وكالات الأنباء المحلية والعالمية، ذكر فيها أنه من الصواب تفسير كلام رئيس الجمهورية هكذا "ليس سقوط عفرين، وإنما حصارها تمامًا، وأن الوصول إلى قلب المدينة سيستغرق ما بين يوم إلى اثنين".
يتضح من ذلك أن هناك خطة سياسية خاصة بـ 18 من مارس، وأن أردوغان تسرّع بعض الشيء فانكشفت تلك الاستراتيجية قبل أربعة أيام مما هو محدد لها، فأصبحت مثارًا للجدل والنقاش فتولدت الحاجة إلى إجراء تصحيح للأمر. حيث ظهرت تلك الاستراتيجية في بداية حفلات ذكرى انتصار معارك الدردنيل في 18 مارس، وأعلن أردوغان "تم دخول مركز عفرين في حدود الساعة 8:30 صباحًا". وعليه طرحت وسائل الإعلام المقربة من الحكومة تحليلات في هذا السياق مثل "تحقق النصر في عفرين في ذكرى الانتصار في معارك الدردنيل".
يُشار إلى أن قانون التحالفات الانتخابية مُرِّر من البرلمان التركي، وصدَّقَ عليه رئيس الجمهورية يوم الأربعاء، وبهذا تأكد أن تطبيق التعديلات الجديدة للمرة الأولى سيتم خلال الانتخابات المحلية في 30 مارس 2019، بينما يستعد حزب الشعب الجمهوري إلى الاعتراض على بعض مواد تلك التعديلات لدى المحكمة الدستورية. وفي حال صدور حكم بإلغائها فقد تضطرب الأوضاع بالطبع.
وبينما كان أردوغان يتحدث في الدردنيل خلال احتفالات 18 مارس كان يجري في أنقرة تنظيم المؤتمر العام الثاني عشر لحزب الحركة القومية الشريك الآخر في هذا الاتفاق. وقد اختار حزب الحركة القومية يوم 18 مارس خصيصًا لعقد مؤتمره وحدد شعاره هكذا "الموقف القومي، الوفاء للشهداء والبقاء للأمة". وقد نظم هذا المؤتمر العام للحزب وجاء فيه دولت بهتشلي المرشح الوحيد لرئاسته، وبقائمة واحدة حددها دولت بهتشلي أيضًا لمجلس الإدارة المركزي تتكون من (75) عضوًا، وقد انتُخِب بهتشلي رئيسًا عامًا للحزب للمرة التاسعة بتصويت 1167 مندوبًا.
عقب تحالف حزب العدالة والتنمية أصبح حزب الشعب الجمهوري أخطر الأعداء بالنسبة لدولت بهتشلي وحزب الحركة القومية الذي كان تحالف مع حزب الشعب الجمهوري نفسه في الانتخابات الرئاسية عام 2014. ويشار إلى أن حزب الحركة القومية استهدف حزب الشعب الجمهوري، ويتبنى موقفًا حادًا ضد حزب الشعوب الديمقراطي والحزب الصالح، ومن ثم فلم يدعُ إلى مؤتمره الثاني عشر أيًّا من تلك الأحزاب السياسة. وزعم سميح يالجين نائب الرئيس العام للحزب أن حزب الشعب الجمهوري وحزب الشعوب الديمقراطية والحزب الصالح "تقف على نفس الهدف والخط مع المنظمات الإرهابية"، وصرح بأنها تتعاون مع حزب العمال الكردستاني ومنظمة فتح الله غولن الإرهابية، ولذلك لم تتم دعوتهم إلى المؤتمر العام هذه المرة.
وجدير بالذكر أن حزب الحركة القومية شكل وفدًا لتقاسم مخاوفه بشأن قانون التحالفات، ولكنه لم يحدد موعدًا للتشاور مع حزب الشعب الجمهوري الذي يتباحث مع جميع الأطراف بما فيها حزب العدالة والتنمية.
هذا في حين أن أكبر وأعظم مستقبل وسلطة سياسية شهدها الحزب طيلة حياته السياسية ضمنت لدولت بهتشلي سياسة يسارية اجتماعية ديمقراطية يسارية. وعقب وفاة ألب أرسلان توركش الزعيم المؤسس لحزب الحركة القومية في 1997 تم انتخاب بهتشلي رئيسًا عامًا للحزب، وقد انتخب هذه المرة أيضًا لهذه المهمة التي يتولاها منذ 21 عامًا، وكان أعلى منصب تولاه في تلك الفترة هو منصب نائب رئيس الوزراء في الحكومة التي كان أسسها المرحوم أجويد. أما حاليًا فقد ربط مستقبله نفسه ومستقبل حزب الحركة القومية السياسي بأردوغان وبحزب العدالة والتنمية، وصار يهدف إلى أن يكون شريكًا للسلطة الحاكمة.
غير أن التحالف الرئاسي لم يخلق الكثير من الحماس والإثارة لدى قاعدة حزب الحركة القومية وهو ما انعكس على قاعة المؤتمر العام للحزب. فكان من الواضح تمامًا أن السباق الأكثر ديمقراطية كان ذلك الذي جري في المؤتمر العام لحزب الشعب الجمهوري بالرغم من كثرة الانتقادات التي وُجِّهت إليه.
فبالرغم من أن حزب الشعب الجمهوري عقد مؤتمرات استمرت ليومين فإن جميع الأحزاب الأخرى تعقد مؤتمرات تنتهي في يوم واحد حيث مرشح واحد للرئاسة، وقائمة واحدة تُملى على المندوبين توضع أيضًا من قبل شخص واحد ويتم التصديق عليها ولا خيار غيرها. وفي المؤتمر العام لحزب الحركة القومية يصعب رؤية أية إثارة أو حماس سوى تصريحات سميح يالجين نائب رئيس عام الحزب "تم الوصول إلى قلب عفرين" حيث رجت قاعة المؤتمر بتصريحاته تلك فحسب.
هذا المشهد يؤيد الحقائق المنعكسة على استطلاعات الرأي. فبالرغم من ذلك التحالف لا يزال إجمالي عدد الأصوات لم يستطع الوصول إلى 50+1. وأخيرًا كانت نتائج استطلاع شركة ماك للاستشارات والاستبيانات تشير إلى أن الإجمالي 47% فحسب؛ منها 40% لصالح حزب العدالة والتنمية و7% لصالح حزب الحركة القومية.
لذلك السبب لم تُفلح محاولة الضغط المخطط لممارستها على حزب السعادة، والآن يجري البحث عن صيغة لإنقاذ أصوات حزب العدالة والتنمية التي تُقطع في الجنوب الشرقي وكأن سكينًا تعمل فيها. وهنا ربما يتحامل الأكراد السُّنَّة أيضًا على حزب الدعوة الحرة الذي يمثل حزب الله. وقد كانت زيارة أردوغان لديار بكر في 17 مارس ولقاءه المفتوح الخطوة الأولى في هذا.
ونتيجة لتلك المبادرات بدأ زكريا يابجي أوغلو الرئيس العام لحزب الدعوة الحرة يظهر بكثرة وبشكل لافت في وسائل الإعلام مؤخرًا. وبينما يُدلي يابجي أوغلو بتصريحات على نطاق واسع في صحيفة طوغرو خبر وقناة رهبر التليفزيونية التي تمثل الأذرع الإعلامية لحزب الدعوة الحرة، بدأت تُنشر رسائل مهمة تتعلق بالتحالف والانتخابات خلال تقييم الأحداث التي تجري بانتظام في الموقع الرسمي للحزب.
وثمة ثوابت وصفت في قانون التحالف من قبيل "التعديلات التي يتفق عليها الحزبان، واضعين مصالحهما الشخصية في بؤرة الاهتمام"، وهو ما يؤكد أن "مصلحة (قضايا، مشكلات) العامة والشعب قد انتُهكت لصالح المصلحة الشخصية للحزبين المتحالفين".
ويتناول يابجي أوغلو عدم مناقشة الانتخابات المحلية، بالرغم من أن الأحزاب المتحالفة ستظل تهتم باستمرار بالانتخابات التي ستجرى بعد 20 شهرًا، ويعتبر ذلك "إشارة على انتخابات محلية وانتخابات برلمانية مبكرة".
ويرى يابجي أوغلو أن قانون التحالف: "يهدف إلى الانتقال من نظام التعددية الحزبية الذي يبدو وكأنه سلبي بسبب شرط تحقيق 50%+1 الذي طُلب توفره في انتخابات الرئاسة إلى نظام سياسي يقوم على حزبين فحسب."، ويرى استمرار النظام وقيامه على حزبين اثنين، في مقابل وجود أكثر من 20 حزب سياسي في النظام الرئاسي في الولايات المتحدة الأميركية كمثال على ذلك.
ويزعم زكريا يابجي أوغلو أن اللغة الاستقطابية تُستخدم من أجل المصالح السياسية، ويقول "ما نسميه الجمهور هو عموم الشعب. فإذا كانت نسبة 50%+1 تمثل التحالف الرئاسي، فماذا يكون 50%+1؟ الصواب أن هذا شيء لا إجابة له. إن الجمهور هو الشعب بكامله. لا يمكن أن يشكل الحزب جمهورًا أو لا يكون أكثر من 50% +1 جمهورًا. إن اعتبار بعض الأحزاب قومية وطنية والبعض الآخر غير قومي ولا وطني في التحالف الرئاسي يُمثل إساءة للأمة". ويسجل يابجي أوغلو أنهم يدعمون "اتفاقا وتحالفًا مؤسسا له" ويوضح أن أجندتهم لا تحتوي حاليًا أية تحالفات وأنه لم يأتهم أي طلب أو تكليف للتحالف، ويقيم الوضع قائلًا: "إذا ما واصل حزب العدالة والتنمية شعارات ولغة حزب الحركة القومية فسوف يتعرض لخسارة خطيرة في الأصوات".
وفي تقييمه للمستجدات الأخيرة تحدث الأستاذ الدكتور أوزر سنجر رئيس شركة متروبول للأبحاث إلى صحيفة "أحوال تركية" حيث صرح بأن قانون التحالفات ربما يفيد كثيرًا الأحزاب الصغيرة في الأساس، غير أن المعارضة إذا ما نجحت في إدارة العملية وتسييرها بشكل جيد فإن التحالفات ذات القاعدة الواسعة ربما تبرز مشاهد سياسية متباينة للغاية في البرلمان التركي.
وقد أكد سنجر على أن ناخبي حزب العدالة والتنمية يدعمون التحالف أما حزب الحركة القومية فقد انقسم إلى مجموعتين، وقال "إن التباين في الأصوات بين المعارضة والتحالف مع السطلة يبدو لصالح المعارضة بشكل خطير. كما أن المشهد البارز في انتخابات رئاسة الجمهورية لصالح المعارضة أيضًا. وإن أحزاب الشعب الجمهوري والحزب الصالح وحزب السعادة وحزب الشعوب الديمقراطي المعارضة لا تبدو متحمسة للتحالف. وإن حزب الشعوب الديمقراطي يقف وحيدًا في الانتخابات البرلمانية. غير أن الوضع في انتخابات رئاسة الجمهورية يبدو مختلفًا للغاية. فإذا دخل الجولة الثانية مرشح لا يشعر الأكراد بالانزعاج منه فإن المشهد الراهن سيكون لصالح المعارضة أيضًا."
وقد أوضح الأستاذ الدكتور سنجر أنه من المحتمل أن يعمل حزب الدعوة الحرة لصالح حزب العدالة والتنمية أيضًا في الانتخابات البرلمانية وانتخابات رئاسة الجمهورية، وأن احتمالية تعاون حزب الدعوة الحرة مع السلطة الحاكمة أكبر من احتمالية تعاونه مع حزب الشعوب الديمقراطي، وذلك لأن حزب الله وحزب العمال الكردستاني في حالة صراع في المنطقة.
كما أكد سنجر على أن مشاركة حزب الحركة القومية في التحالف الرئاسي سلبية بالنسبة للأكراد وأنها تمثل عقبة بالنسبة لحزب العدالة والتنمية. وعبر عن رأيه قائلًا: "بالرغم من عدم الاعتماد على معلومة وبحث فقد يقتنع حزب الحركة القومية بهذا الشأن وهو أحد أطراف هذا التحالف. وربما يراوغ حزب العدالة والتنمية فيأخذ حزب الدعوة الحرة إلى قائمته، ويدرجه ضمن قائمة مرشحيه البرلمانيين. وهذا ليس بغريب. لأنه بالرغم من التحالف والاتفاق فإن المشهد لا يزال لصالح المعارضة بشكل حقيقي".
وبالرغم من التحالف والاتفاق لا يزال أردوغان وحزب الحركة القومية يشعران بالقلق والخوف من الانتخابات ومن خسارتها. ولذلك فقد حول أردوغان وجهه شطر الجنوب الشرقي والناخبين الأكراد من جديد، وفي حال استمرار الخطوة التي تم اتخاذها بلقاء ديار بكر المفتوح يتوقع أن تتجدد ثانية عملية المساومة والتفاوض مع حزب الدعوة الحرة خلف الأبواب المغلقة.
في الوقت نفسه فإن أردوغان يخطط لعدم التخلي عن الموجة القومية وإدارة المرحلتين بشكل متوازي، والدليل على ذلك أنه حين قال أنصار حزبه في ديار بكر "سيادة الرئيس خُذنا إلى عفرين" أجابهم قائلًا "سوف أتحدث مع كبار القادة. أنا في المقدمة وأنتم من خلفي سنسير سويًا إلى عفرين." وربما يكون الذهاب إلى عفرين أحد الأوراق الرابحة التي سيستخدمها الرئيس التركي أردوغان في الانتخابات القادمة!.
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: