هيرقل ميلس
ديسمبر 13 2018

أوضاع الأقليات تعكس الجانب القمعيّ لتاريخ تركيا

لا شك أن أوضاع الأقليات، والمجموعات المهمشة في بلد ما، تعتبر وثيقة تعكس مدى الديمقراطية التي يمارسها ذلك البلد. إذا يمكننا أن نقيم بشكل صحيح هذا البلد على كافة الأصعدة، ولا سيما الديمقراطية، وحقوق الإنسان، من خلال النظر إلى كيفية عيش تلك الجماعات، وإلى ما تقدمه الدولة لهم في مختلف المجالات. أما الأوضاع التي تكون عليها الأغلبية فلا علاقة له على الإطلاق بحقوق الإنسان، أي لا يمكن من خلالها قياس مدى تطبيق ذلك البلد لحقوق الإنسان من عدمه؛ إذ أن في بعض الأحيان من الممكن أن سعادة الأغلبية إشارة أو علامة على وجود نظام فاشي يحكمهم.

وعند النظر إلى تركيا من هذه الناحية، يمكننا أن ندرك جيدًا الجانب القمعي لها في عامي 1915 (عام الإبادة العثمانية للأرمن)، و1922 (نهاية الخلافة، وبداية الجمهورية التركية). فالأغلبية أي من ليسو بأقلية كانت ترى نفسها رابحة. وكانت من فورها تقوم بدعم التطورات الجارية أو كانت تتابع من بعيد وكلها سعادة الضالعين في الأحداث بالفعل. وخلال فترة وجيزة لم يتبقَ بالأناضول (الجانب الآسيوي من تركيا الحالية) لا أرمني ولا رومي.

وفيما بعد وعلى فترات معروفة، تم وبحسب احتياجات تلك الفترة، نفي الأكراد، والعلويين، والسريانيين، واليساريين، والمتدينين. ولا جرم أن كل هذه أحداث معروفة للغاية من قبل الجميع. غير أن كل هذه التطورات لها جانب مشترك لا يتم الحديث عنه مطلقًا، ألا وهو موقف المجتمع وصمته حيالها.

فمن العجيب والغريب أنه في الفترات التي مورس فيها القمع بكافة جوانبه الصريحة والمخجلة، لم يشهد الرأي العام أية أصوات معترضة على ذلك، محصلة الاعتراض كانت صفر!

أما سبب الحديث كثيرًا اليوم عن هذه الحقيقة، فمعروف للغاية وواضح وضوح الشمس، وهو أن الصامتين (الوارثين) لم يرغبوا في تصدير ذلك الصمت للمشهد، ولم يرغبوا كذلك في تحمل مسؤولياتهم.

ففي الوقت الذي كانت تتم فيه ملاحقة الأرمن، والروم، يمم العرق التركي وجهه صوب جهة أخرى ولم يعبأ لشأنهم، ولم يلتفتوا إلى المضطهدين، وبينما كان العلويون في أحلك أحوالهم لم يعترض السنة على ما يمارس ضدهم، وكذلك العلويون لم ينبسوا ببنت شفة في الوقت الذي كانت تعاني فيه المحجبات بتركيا من قوانين كانت تمارس بحقهن وتمنعهن من حريتهن الشخصية، وحينما كان يلاحق الأرمن، والسريانيون، تظاهر الأكراد بعدم إدراك ما يحدث، ولم يعترضوا على ذلك؛ وحينما كان يطارد الأكراد، فإن الأغلبية الصامتة تيسر لها رؤية حزب العمال الكردستاني كذريعة للصمت حيال ما حدث للأكراد. وفي الوقت الذي كان يطارد فيه اليساريون والقوميون، كانت هناك سعادة متبادلة بين الأطياف الأخرى. وحينما كان يتذوق غير المسلمين ويتجرعون المرارة والألم، كان المسلمين يصمون آذانهم، ويغمضون أعينهم.

أي أن الضرر يلحق الجميع بالتناوب كلما كان كل شخص منهم حريصًا على مراعاة حقوقه فقط دون غيره. أما معاتبتي الشخصية، فهي أن عائلتي حينما كانت تمر بظروف صعبة للغاية لم تتلقَ الدعم اللازم حتى ولو من فرد واحد من الأغلبية، الحديث هنا عن فرد واحد وليس الأغلبية كلها.

لم يدعمها شخص واحد فقط ! ولم يصدر ولو مقال واحد عن أي كاتب في الفترة التي طبقت فيها ضريبة "رأس المال" ليقول إن "هذا ظلم بين". كل الدعم كان دائمًا ما يأتي بعد فوات الآوان. وممن قدموا الدعم لنا كل من فائق أوكته، ورضوان آقار، وهوليا دمير، وأيهان آقطار، سلمهم الله، لكن دعمهم جاء متأخرًا.

وضريبة "رأس المال" فرضت على المواطنين الأثرياء في تركيا عام 1942، وكان هدفها المعلن هو زيادة الأموال من أجل الدفاع عن البلاد في حالة الدخول في الحرب العالمية الثانية. تم فرض ضرائب باهظة على المواطنين الأثرياء والتي استهدفت بشكل خاص المسيحيين واليهود الذين كانوا يسيطرون على جزء كبير من الاقتصاد.

أيضًا لم يخرج علينا مقال واحد ليستنكر أحداث 6-7 سبتمبر، وهي أعمال شغب كانت بالدرجة الأولى ضد الأقلية اليونانية في إسطنبول عام 1955، والتي دبرت من قِبل مجموعة من الجيش التركي، في مقر فرع عملية غلاديو التركية، ومن قبل مكافحة حرب العصابات.

لم يجرؤ كاتب واحد على كتابة مقال يقول فيه إن هذه الأعمال "عيب" و"حرام"، لا سيما أن هذه الأحداث ظلت مسبوقة طيلة أسابيع بسلسلة من الكتابات الاستفزازية للأقليات، كتابات كانت تعج كلها بكم لا حصر له من الكراهية. لم تصدر سوى مجموعة مقالات على استحياء تتحدث عن أن ما جرى "أساء للبلاد" وأن "وطننا بات في وضع مخجل". هذه التي كانت تعتبر مقالات لها علاقة بما يجري، فيما لم تتضمن كتابات الآخرين ولو سطرًا واحدًا بخصوص تلك الأمور. لكن بعد سنوات كتبت أُطروحات دكتوراة تحدثت عن ذلك، وقالت إنه كانت هناك عنصرية تمارس آنذاك.

فلا شكّ أن عمليات القتل، والإبادات الجماعية عادة ما تأتي مع أجواء الإرهاب، فربما لذلك يأتي الدعم متأخرًا. والناس إزاء كل هذا إما ينغلقون على هيستريا الوقت ويعتبرون ما يجري أمورًا عادية، وإما أن الرعب يدب في أوصالهم فيصمتون. ولا شك أن الخوف والصمت ردات فعل إنسانية، يمكن استيعابها، والتغاضي عنها.

لكن يجب أن تكون هناك حدود للصمت. حسنًا، ماذا لو صمتوا على الدوام؟! ولم يعلنوا معارضتهم لما يحدث، أو يلمحوا بشيء من هذا القبيل؟

واليوم نرى السجون التركية تغص عن بكرة أبيها بمن تصفهم السلطات بـ"الانقلابيين، والإرهابيين، وأتباع غولن" وغيرها من الأوصاف التي تعتبر مجرد ذرائع لزج الناس بالسجون. عائلات هؤلاء الأشخاص من المؤكد أنها تبقى بلا مصدر رزق حيث لا يعمل أفرادها بسبب التهم الموجهة لذويهم، ومن ثم يحكم عليها بالبطالة والجوع، ومع هذا كل ما سيهمني هو أن أبحث عن سبل تأمين الرزق لعائلتي أنا فقط دون غيرها.

الأوضاع الآن باتت متغيرة عما كان يجري في الماضي. فلا يمكننا حاليًا أن نقول إن شخصًا واحدًا لم ينبس ببنت شفة حيال ما يتعرض له الآخرون من ظلم. لكن على كل فأي اعتراضات تعتبر ضحلة لا حجم لها مقارنة بحجم الانتهاكات التي ترتكب.

وحتى لا أخجل مستقبلًا من موقفي في الماضي، أقول للجميع إن ما يحدث من ظلم وقمع وإبادة عيب وحرام. وأنا واثق أنه سيخرج مستقبلًا الكثيرين للغاية للحديث عما مضى. وفي هذا الصدد تستحضرني حكاية فائق أوكته الذي كان أحد من قاموا بتطبيق ضريبة "رأس المال"، إذ قام بتأليف كتاب بخصوص هذا الأمر نشر فيما بعد، وكتب هذا الرجل في مقدمة ذلك الكتاب: "لقد بدأت كتابة هذا الكتاب وأنا دفتردار مدينة إسطنبول، لكنني لم أتمكن من الانتهاء منه سوى مطلع عام 1947؛ ووجدت أن من الأفضل أن أنتظر فترة لأطبعه. لأنه سيكون من الأفضل نشره مع قدم الأحداث".
 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: 

https://ahvalnews.com/tr/turkiye/bir-tek-kisi-bile
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.