haleakay
مايو 09 2018

أين المفرّ من حركة غولن؟

من أكثر المواقف الصادمة التي اكتشفتها في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا عام 2016، هو أن شخصا ما عملت معه طويلا في مكتب واحد كان عضوا في حركة غولن، التى يتم تحميلها المسؤولية عن المحاولة الفاشلة للإطاحة بالرئيس رجب طيب أردوغان، وقد غادر البلاد فعلا.

غير أنه لم يكن ما مثل صدمة لي كونه من أتباع رجل الدين التركي المقيم في الولايات المتحدة فتح الله غولن، والذي كان في السابق حليفا لأردوغان قبل أن يتحول إلى عدو له، فأنا كنت أعرف عنه دائما التدين. إن ما مثل لي صدمة هو أنه أخفى هويته في أحد الملاذات النادرة في تركيا – في إحدى الجامعات – حيث لا يصدر أحد أحكاما على أحد. فقد كان بقيتنا يتعلقون بهذه الفرصة ويعتزون بها، إذ كنا نتفاخر بالكشف عن هوياتنا وتوجهاتنا ومعتقداتنا. أما الآن، فقد صرنا عندما نعود بالذاكرة إلى الماضي نشعر في بعض الأحيان بأننا مشدوهون كيف كنا محظوظين في الماضي. 

إذا كان لي أن أصف اللحظة التي أعقبت محاولة الانقلاب الفاشلة، فقد كانت لحظة شعرت فيها بخزي لم أشعر به من قبل..

في السنوات العشر الماضية، عملت في عدد كبير من المشروعات. وقد كان علي بحكم تلك المشروعات أن ألتقي بموظفين عامين ينتمون إلى طيف واسع من الآراء السياسية وأن أعمل معهم. بعد عدة أشهر من محاولة الانقلاب التي وقعت في الخامس عشر من يوليو – وكان ذلك في وقت ما خلال فصل الخريف – تنبهت فجأة إلى أن أرقام هواتف الكثيرين من أعضاء الحركة السرية قد تكون مدونة على هاتفي، وتساءلت ما إذا كان علي أن أحذف تلك الأرقام. هل يتعين علي أن أقارن الأسماء المدونة على هاتفي بقوائم الموظفين العامين الذين فُصلوا من وظائفهم بموجب قرار حكومي؟ لكن كيف لي حتى أن أعرف أن تلك القوائم صحيحة؟

وحيث أنني كنت دائما أرفض الانخراط في العمل مع أي مؤسسة تفتقر إلى الشفافية حتى تلك اللحظة، فقد شعرت بالإهانة بسبب جُبني. تلك الأرقام ما زالت مدونة على هاتفي.

قبل وقت طويل من 15 يوليو، عندما علمنا بحركة أنصار غولن السرية، حاولت ألا أشارك في أي مناسبة من تلك التي كنت أعرف أن منظميها من أعضاء تلك الحركة أو حتى أن من المحتمل أن يكونوا كذلك. وقد كنت أحذر من كانوا يشاركون في تلك المناسبات وأنتقد من يتقربون كثيرا من الحركة.

لم يكن ذلك نابعا من رغبة بداخلي في تجريم الحركة، ولكنه كان بسبب أن مثل تلك الكيانات – التي لا تتسم بالشفافية والانفتاح وليست لها أهداف واضحة – تدمر الثقة وتعطل عمل المجتمع فتنخر فيه من الداخل.

ومن لديهم خلفية في علوم السياسة أو الاقتصاد يعرفون مدى أهمية الثقة للمجتمع لكي يتحرك بشكل سليم. كما أننا ندرك أن الكيانات التي لديها طموحات سرية قد تبرز من آن لآخر وتحاول أن تجد مخرجا لها في القوانين والتشريعات.

لذلك، فقد ظللت لسنوات أطرح سؤالاً لا يتغير في أي مرة ألتقي فيها بأناس يشتكون من حركة غولن. هذا السؤال هو "كيف يمكنكم أن تكافحوا ضد مثل تلك المؤسسة من دون أن تنتهكوا الحقوق والحريات؟" وكانت الإجابة أيضا لا تختلف في كل مرة، وهي مفادها أن المسؤول ليس بأعلم من السائل في هذا الأمر.

ويتوقع الكثيرون الآن أن تتصالح حركة غولن مع ماضيها علنا، لكني اؤمن بأن هذا لن يحدث أبدا. فالحركة شربت من الماء العكر ذاته الذي تضطرنا إلى تجرعه، وفي القلب منها كادر يعمل لمصلحته ولا يهتم لأي شيء سوى نفسه.

في الوقت ذاته، أخشى أن هناك من يستفيدون من ذلك الماء العكر. فالحركة باتت أداة سياسية مفيدة للغاية في بلد صار إلقاء الأوحال على من لا تحبهم ممارسة شائعة فيه، وصار النفاق وحملات تشويه السمعة هما العرف السائد.

فعلى سبيل المثال، قد يقرأ شخص ما لا يحبني هذا المقال ويعلنني مؤيدة لغولن، ويحتج على ذلك بأنني عملت في وقت ما مع أحد أعضاء الحركة، وبأنني كنت أحتفظ بأرقام هواتف موظفين عامين سابقين كُشف النقاب عنهم أيضا.
سيكون هذا سهلاً جدا، فالسياسة في تركيا تدار بإلقاء الأوساخ وتحميل الآخرين المسؤولية عن فعل ذلك.

أعيش خارج تركيا منذ أكثر من عام. وما شاهدته بين الآخرين الذين وصلوا في الآونة الأخيرة قادمين من تركيا جعلني أعجز عن الكلام في بعض الأحيان. ففي كل مرة يلتقون فيها بشخص جديد يتحرون عنه ليتأكدوا من أن هذا الشخص ليس من أنصار غولن. فلقد تلقوا تحذيرات من عدد لا يحصى من المسؤولين في تركيا من صلات تربط أشخاصا بالحركة، ومن الطبيعي ألا يثق أحد في أحد. وفي الآونة الأخيرة تلقيت تحذيرا من أن صفحة على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" يستخدمها الأشخاص الذين وصلوا حديثا في البحث عن معلومات أساسية يديرها أشخاص على صلة بالحركة. ما الذي ينبغي علي أن أفعله إذاً؟ هل فعلا علي أن أغادر صفحة أستخدمها من آن لآخر لأعرف من أين يمكنني مثلا أن أشتري البقلاوة أو الثمن الذي على أن أدفعه للحصول على خدمة معينة فقط لأنها قد تكون سببا في اتهامي بجريمة يوما ما؟

وفي اللحظة التي يبدأ فيها شخص ما بإخبار الآخرين بأنك على صلة بالحركة – أو ربما حتى بما هو أسوأ من ذلك، وهو أنك تحصل على أموال من الحركة – لا يكون بوسعك أن تفعل شيئا سوى أن تدعو الله أن يمنحك القوة. وتقول لك فطرتك إن عليك أن تُبقي أي خطر محتمل بعيدا عنك.

ولابد هنا أن نضع في الحسبان أنه لا يوجد تعريف واضح لنوع العلاقة مع منظمة غولن التي قد تشكل جريمة. فالنواة الصلبة من كبار أنصار غولن موضوعة في خانة واحدة مع من حصلوا لمرة واحدة على منحة دراسية من الحركة، ومن كتبوا ذات مرة مقالا في إحدى صحفها، ومن عملوا في إحدى مؤسساتها التعليمية، ومن صاروا من أتباع الحركة بسهولة من السذج.

وما يشكل جريمة معَرّف اعتباطيا. فليس المهم فعل الإنسان وإنما شخصه.

فعلى سبيل المثال، قد يكون هناك شخصان خلفيتهما واحدة وعملا في إحدى الجامعات المحسوبة على غولن، أحدهما قد يصبح عرضة للشجب بسبب دعمه للحركة، بينما يظل الآخر ركنا دائما في إعلام المعارضة. فإذا كان العمل في جامعة على صلة بغولن جريمة، ألا يجب معاملة الشخصين معاملة متساوية؟

وقد يظل شخص ما ممن عملوا في يوم من الأيام لدى وسيلة إعلام هناك مزاعم بصلتها بغولن، أو ممن كتبوا في يوم ما مقالات استخدموا فيها معلومات حصلوا عليها من الحركة، يستنكر انخراط غيره في الكتابة بإحدى الصحف الخاضعة لسيطرة الحركة. تلك المزاعم غالبا ما تنتشر عبر التعريض من دون البوح بشيء علنا. وإذا كان التعاون بشكل ما مع الحركة كصحفي يشكل جريمة، أفلا ينبغي معاملة جميع من فعلوا هذا معاملة واحدة؟

ويمحو الناس من سيرهم الذاتية أي شيء من الماضي قد يكون مرتبطا بالحركة، كما لو كانوا قد ارتكبوا إثما. هل ارتكبوا جريمة بالفعل، أم إنهم يخافون من أن يُجَرّموا؟ هؤلاء الأشخاص ما زال بإمكانهم الانقلاب على غيرهم والتنديد بهم متسلحين في ذلك بسيرهم الذاتية الجديدة وصورهم البراقة.

كنت أسمع لبعض الوقت شائعات حول انتماء البعض ممن أعرفهم – ليس ممن جمعني بهم مكتب واحد، ولكن أشخاصا كنت أعرفهم جيدا وكنت شاهدة على حياتهم بالكامل – لحركة غولن. ولا يملك أي شخص أي دليل على ما يقول، فالجميع يجد سبيله إلى ذلك ثقةً في كلام من يحبه دون أن يهتم أحد للعواقب أو للدمار الذي قد يتسبب فيه لشخص ما زال مقيما في تركيا.

وبحسب علمي، فإن من يعملون في الإعلام التركي هم أكثر من يتمتعون بحالة الضبابية التي خلفتها الحركة. وهذا الغموض ليس مفيدا للحكومة فحسب وإنما أيضا لمراكز القوة الصغيرة داخل المعارضة.

لكن ماذا عن بقيتنا؟ فهذا البحث اللاإرادي عن المعلومة الاستخباراتية يقودنا جميعا إلى اليأس ويجعلنا نشعر بالذنب ونخشى النظر إلينا كمذنبين بدون سبب. إننا نغض الطرف عن انتهاكات حقوق الإنسان بحق أنصار غولن خشية أن نتعرض لخطب ما إذا تحدثنا. إننا نحاول أن نبقى بعيدين عن أي شخص ندد به الآخرون لانتمائه إلى الحركة، ويكون ذلك في بعض الأحيان مع علمنا بأن هذا محض كذب وافتراء. وخلاصة القول إننا نحاول النجاة من خلال اللعب على حبال نجنب التشويه.

أعرف أنني أكتب هذا بلا فائدة. وأعرف فوق كل ذلك بعد كل هذه السنوات أن قوانين اللعبة لكل جماعة سياسية في تركيا تستلزم أن نعيش في الوحل، ولن تجد أي دعوى للتطهر والتحلي بروح العدل أي استجابة. لكن الشيء الوحيد الذي من الممكن أن يجعل إنسانة مثلي تشعر بالفخر بنفسها في ظل هذه الظروف هو رفضي لتلك القواعد. لذا أنا أسأل من جديد "أين المفر من حركة غولن؟".

هنا، في هذه المناسبة، ستكون إجابتي أن أقدم هذه الرواية الشخصية جدا لموقع أخبار يتهمه البعض بالارتباط بحركة غولن، والتي لا يجرؤ كثيرون على الإسهام فيه.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: