جنكيز أكتار
فبراير 20 2018

أيها الأوروبيون.. احذروا هذه الأمور مع أردوغان

كلامي هذا موجه لمتخذي القرار السياسي والاقتصادي على مستوى العلاقات الثنائية (التركية والأوروبية) والعلاقات الدولية متعددة الأطراف.
أقدم لكم لقطتين عن الأحداث التي جرت مؤخرا: 
- أعضاء البرلمان الأوروبي يجتمعون مجددا للتعبير عن "أسفهم العميق" بشأن التراجع التركي منذ عام 2013. 
- واللقطة الثانية من فندق "إكسلشير" الفاخر في روما حيث هرع أعضاء (كونفنداستريا)، وهو اتحاد أصحاب الأعمال الإيطالي، لحضور مأدبة عشاء مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بشأن مشروعاته الإنشائية. واصطف رؤساء كبرى شركات التشييد والهندسة الإيطالية ومنها فينميكانيكا وسالينا وأستالدي وإيتالفر.. أمام الضيف التركي.
الأوروبيون مهتمون بالوقوف بجانب أردوغان لثلاثة أسباب رئيسية وهي: استمرار بيع البضائع وخاصة الأسلحة، ودخول عطاءات على مشروعات هندسية جذابة تفتقر إلى خبرات محلية، والحفاظ على تركيا في حلف شمال الأطلسي لتفادي دخولها في فلك (الرئيس الروسي فلاديمير بوتين)، وكذلك وعلى المدى القصير، ضمان استمرار الدوريات على حدود تركيا لمنع تدفق اللاجئين والمهاجرين وحاليا المجاهدين السابقين إلى أوروبا.
وكأنهم يغطون أنفسهم بأوراق التوت لإخفاء الحرج، يبرم هؤلاء صفقات مع النظام لكنهم يشعرون بحاجة لتبديد الندم الذي ربما يؤرقهم بسبب الحالة السيئة لحقوق الإنسان في تركيا.
إلى أي مدى ستستمر هذه الافتراضات الأساسية؟ وأيضا، هل سياسة المهادنة البذيئة ستساعد في التعايش مع تركيا في ظل حكم أردوغان، وإلى متى؟.
ولنبدأ بورق التوت، عبرت الحكومة التركية عن عدم ارتياحها التام عن فيض عبارات الأسف الذي جاء في عدد لا يحصى من بيانات حكومية وغير حكومية وتقارير منذ عام 2013.
ورغم التحذيرات الأوروبية، لم يجر الإفراج عن معتقل واحد من السجن ولم يجر تصحيح حكم واحد غير قانوني باستثناء اتفاق سري بين المستشار الألماني السابق جيرهارد شرودر وأردوغان وآخر الآن بين الحكومتين الألمانية والتركية لإطلاق سراح دينيز يوجل.
وفي المقابل، استغلت الحكومة التركية التحذيرات كدليل على "الدعم الغربي الامبريالي للإرهابيين" السجناء حتى رغم أن البيانات والتقارير الأوروبية كانت تخضع لرقابة ذاتية وتدقيق شديد بشكل ممنهج ولكن دون جدوى.
وأقرب مثالين هما التجنب الممنهج لإدانة الهجوم التركي على منطقة عفرين الكردية في شمال سوريا وأيضا التهديدات ضد قبرص واليونان.

النصيحة الأولى: عندما لا تقدر على اتخاذ إجراء قوي ملموس، الأفضل لك أن تمتنع عن إبداء الأسف والعويل أو نشر تغريدات.

جزء من ورقة التوت هو المعارضة المزعومة بين شعب تركيا ونظام متسلط. هذا وهم؛ إن القضية ليست بين "أردوغان شرير" و "شعب تركي ملائكي".

النصيحة الثانية: لا تقلل من شأن الدعم الكبير الذي يحصل عليه النظام من الأغلبية الساحقة من السكان الذين استفحلت صفاتهم الفاشية بالحرب الجارية حاليا ضد أكراد سوريا.

وجزء آخر من ورقة التوت هو الإرجاع المتكرر لأسباب تعليق المساعدات المالية من الاتحاد الأوروبي إلى ظروف المجتمع المدني التركي. هذا أمر عاجل لكن يحتاج إلى برمجة جديدة في بروكسل خالية من أي تدخل من قبل أنقرة.

النصيحة الثالثة: لا تبالغ في تقدير إمكاناتك بشأن سبل إعادة حكم القانون في تركيا. نفوذك سينتهي تماما بنهاية فرص انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي وأنت مسرور جدا بذلك. ولذلك لا تضع دقيقة لإعادة صياغة التمويل الأوروبي القائم حاليا من أجل معالجة احتياجات المنفيين خاصة العاملين في وسائل إعلام حرة والأكاديميين.

الآن نتحدث عن المخاوف المرتبطة باختلال التوازن الأمني الذي يتشكل في جنوب شرق أوروبا من خلال وقوف تركيا بجانب روسيا.
ورغم أن قيام شراكة إستراتيجية روسية-تركية شيء متناقض وفقا للتاريخ، إلا أن المرء لا يمكنه أن يقلل من شأن الشعور المناهض للأميركيين المنتشر حاليا تحت قيادة الحكومة التركية وفي المجتمع التركي وفي الجيش الآن.
وستظل إغراءات التحرك المنفرد، رغم أنه مبالغ فيها وغير عملية من الناحية العسكرية، كبيرة طالما بقيت أنقرة تجرم واشنطن والغرب على تقربهم من الأكراد وطالما ظلت أنقرة نفسها متقربة من الإخوان المسلمين وقياداتهم ومؤيديهم ووكلائهم الذين لا حصر لهم بالمنطقة.
وضع في اعتبارك أن نسبة الأتراك الذين يعتقدون أن الغرب يعمل على تمزيق تركيا مثلما فعل مع الإمبراطورية العثمانية تصل إلى 87.6 في المئة بينما يرى 77.6 في المئة أن نهج الغرب تجاه تركيا يعكس روحا "صليبية" ويرى 54.3 في المئة من الأتراك أن الولايات المتحدة تشكل أكبر تهديد لوحدة الأراضي التركية نتيجة لتحالفها مع أكراد سوريا.
وفي دراسة أخرى نشرت نتائجها مؤخرا، يكن 73 و67 في المئة من الأتراك نظرة سلبية للاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي على الترتيب.
وضع في الاعتبار أيضا أن تركيا، وفي ظل القبضة الحديدة لأردوغان، تبتعد عن الغرب بوتيرة سريعة وتقلب بالقوة الاتجاه القائم منذ قرنين ولا تترك مجالا لأي رابط مع الغرب في المستقبل.
الابتعاد عن الغرب يشمل أيضا إنهاء مساعي الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي الأمر الذي يلغي بدوره الإنجازات التي تحققت خلال الأعوام العشرين الأخيرة فيما يخص العلاقات الثنائية الطيبة مع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. واللغة العدائية تجاه بعض دول الاتحاد الأوروبي وساسته ومواطنيه خلال الأعوام الأخيرة دليل قوي على النهج التركي نحو الابتعاد عن أوروبا. وبانتهاء فرص انضمامها للاتحاد الأوروبي فإن كل الاحتمالات تظل قائمة بشأن نشوب صراع مسلح.

النصيحة الرابعة: لا تحلم بالتعامل مع تركيا عام 1945، ولا يفوتك ملاحظة العجز التركي التام، ناهيك عن فهم، المأزق الكردي في المنطقة برمتها. لا تحاول الحفاظ على علاقة عسكرية-إستراتيجية متفسخة مع الغرب تبدو فيها أنقرة جزء من المشكلة وليس الحل. لا تراهن على العلاقات مع الاتحاد الأوروبي و/أو حلف الأطلسي لتهدئة التوتر مع الجيران خاصة قبرص واليونان بل على العكس كن مستعدا لكل الخيارات.

وبالنسبة للدوريات على حدود الاتحاد الأوروبي الجنوبية الشرقية ومصير ما تسمى باتفاقية اللاجئين المبرمة في مارس من عام 2016 ينبغي هنا أن نلاحظ أن الاتفاقية ترتبط بقضية مؤقتة ستفقد زخمها عاجلا أو آجلا بنهاية الحرب الأهلية السورية. وحتى مع ضبط عمليات السفر التي خرجت عن التحكم في عام 2015، لا تزال حركة اللاجئين والمهاجرين نحو اليونان مستمرة بوتيرة أقل.
ورغم أن تحذيرات تركيا المتكررة "بإطلاق عنان" اللاجئين باتجاه أوروبا أمر يثير القلق، إلا أنه لا يمكن فعل الكثير بشأن كل الذين تقطعت بهم السبل في تركيا دون أي مستقبل. ومع ذلك ستظل قضية الهجرة تشكل ضغطا حتى تظهر حلول جذرية لمسألة عودتهم أو ترحيلهم.

النصيحة الخامسة: كفوا عن النظر إلى قضية اللاجئين والمهاجرين باعتبارها الأمر السلبي الرئيسي عندما تنخرطون مع تركيا.

وفي نفس إطار العمل، فإن محاكمة الجهاديين المقبوض عليهم موكولة بالباطن لسلطات المنطقة ومنها تركيا. وتنعدم تقريبا فرص خضوع الجهاديين السابقين الأوروبيين لمحاكمات عادلة في تركيا التي كانت ولا زالت الراعية لهم بشكل غير معلن.

النصيحة السادسة: لا تضيعوا الوقت بوضع كل بيض مكافحة الإرهاب في السلة التركية.

وأخيرا المشروعات التجارية والهندسية النضرة! من الواضح أنه في نهاية المطاف فإن المصالح الاقتصادية الجامدة ستسود وستقوض العلاقات بين تركيا والدول الغربية.
في عام 2016، كانت تركيا رابع أكبر وجهة تصديرية في الاتحاد الأوروبي بقيمة 78 مليار يورو وخامس أكبر مصدر للاستيراد بقيمة 66 مليار يورو. والكثير من الشركات بكلا الطرفين أوروبية. وكل الشركات الأجنبية تستمتع بمزايا سوق بكر نسبيا خالية من تنظيمات العمل المشددة والتنظيمات المالية والبيئية الصارمة.
ورغم البطء لا تزال الاستثمارات مع أوروبا مستمرة. المفوضية الأوروبية تمول مشروعات دون تحليلات ملائمة على البيئة والتأثيرات الإستراتيجية ودون مراجعة الممارسات غير القانونية للمتعاقدين المحليين من الباطن فيما يخص معايير سلامة العمال (على سبيل المثال تركيا بطل أوروبا في حوادث العمل المميتة).
الجميع يغلقون أعينهم بشكل مخز أمام التدفقات النقدية التي تدخل البلاد عبر مستثمرين غير معتمدين، وبالمثل، فإن بنك الاستثمار الأوروبي، و البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية والبنك الدولي ومؤسسات دولية وقومية متعددة لا تزال تمول بسعادة مشروعات حكومية تفتقر في الغالب إلى تقييمات ملائمة.
ورغم ذلك، فإن الاحتراس التام مطلوب.
أولا، إدارة أردوغان ارتكبت أخطاء اقتصادية تراكمت على مدار السنين وأحجمت عن إجراء إصلاحات عميقة حتى أصبحت معتمدة على معدلات الفائدة المرتفعة لمواصلة جذب رؤوس أموال مضاربة للحفاظ على أداء الاقتصاد وسد العجز.
نقص الأمن الاستثماري الملائم ومعدل البطالة المرتفع بشدة والنمو المحدود المعتمد فقط على الإنفاق على البنية التحتية والطاقة والاستهلاك المحلي وضعف الأبحاث والتطوير، والنظام التعليمي المثير للشفقة، ونقص الموارد الطبيعية وانخفاض معدل الادخار والنظام المالي البالي وجفاف الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغسيل العقول الشديد الجاري حاليا، كل هذه مشكلات هيكلية تهيئ المجال لانفجارات متنوعة، فالاقتصاد التركي لن يتحمل.
اللقطة التي تحدثت عنها في البداية معبرة، وفيها يصطف رؤساء الشركات الإيطالية أمام المشروعات الضخمة التي يعرضها أردوغان، وفي 13 فبراير، درست الحكومة الإيطالية إرسال سفينتين حربيتين ضخمتين إلى قبرص حيث تباشر سفينة لشركة إيني الإيطالية العملاقة للطاقة عمليات تنقيب في المنطقة الاقتصادية الحصرية الخاصة بالجزيرة حين منعتها سفينة حربية تركية.

النصيحة السابعة: لا تنسوا أبدا أن كل المنطق الذي يعتمد عليه نظام أردوغان هو سياسة القوة، تماما مثل روسيا التي تتخذها أنقرة نموذجا، وأنه (نظام أردوغان) مستعد للجوء إلى الابتزاز والتهديدات واستعراض العضلات والخروج عن القانون. لا تنسوا أن الحكم الرشيد الاقتصادي الحديث غير موجود في تركيا حيث كل القرارات، وعلى كل المستويات، يتخذها أردوغان من خلال صفقات لا تحظى بشفافية ومراجعة وتنهار عاجلا أو آجلا.

وفي إطار العمل هذا، ضعوا في الاعتبار أنه من خلال مشروع "قناة اسطنبول" المثير للجدل فإن تلك الشركات الإيطالية وشركات هندسة أوروبية أخرى كبيرة، ستنخرط في صنع كارثة بيئية إقليمية ستؤثر على دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي. وأخيرا وليس آخرا، لا تنسوا أن كل صفقة اقتصادية أجنبية تبرم مع النظام التركي ستساعد في النهاية في تقوية حكم أردوغان داخل وخارج تركيا.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: