ديسمبر 23 2017

"أيها القادة، أخرجوا المحامين للخارج".. حق الدفاع في قانون الطوارئ غير موجود في تركيا

يسمع الناس في تركيا كلمة حق الدفاع باستمرار ولكن ليس لديهم معلومات بخصوص معناها، وهو يعد أحد الحقوق الإنسانية الأساسية. 

هذا الحق في أبسط تعريفاته هو الحق في الادعاء والإثبات، وحق الرد على هذا الادعاء وهذا الإثبات.
وبالرغم من سهولة تعريفه بهذا القدر إلا أنّ هذا المفهوم له تاريخ متزامن مع النضال من أجل الحرية، والذي يقوم به البشر ضد الطواغيت والسادة والملوك والديكتاتورات منذ آلاف السنين.
هذا الحق الذي كان موضوعًا للحديث في الحضارة اليونانية القديمة، يعني أنه إذا وقف شخص أمام المحكمة يجب أن تُوفر له الإمكانيات اللازمة للدفاع عن نفسه. 
فمثلًا، تخيلوا أنه أثناء محاكمة سقراط قد تمّ قطع كلامه، بل لم يسمح له بالحديث، أو مثلًا أي شخص آخر مُتهم بعشرات التهم أمام المحكمة ولكن لا يُسمح له بالرد على أي من هذه التهم.
وكما يُجرح ضمير أي إنسان في هذا الموقف، فإنّه لا أحد ينكر أن هذا ظلم. لذلك فحق الدفاع هو جزء لا غنى عنه في النظم القانونية التي تبحث عن العدالة، وهو حق إنساني أساسي.
ولهذا السبب تم وضع وحماية حق الدفاع في المادة السادسة من المعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان، والمادة السادسة والثلاثين من الدستور.
حسنًا، هل يوجد هذا الحق الذي ذكرناه في تركيا حقاً؟ من أجل هذا يجب علينا أن نرى ما عاشه المحامون الذين هم العنصر الأساسي لحق الدفاع في الفترات الأخيرة.
يمكن إيعاز اغتصاب حق دفاع المحامين في تركيا إلى ما قبل ذلك بكثير، ولكن الأحداث في الفترة الأخيرة بشكل خاص ستساعدنا على فهم النقطة التي وصلنا إليها اليوم بشكل أسهل.
تعتبر قضيتي أرجنكون وبايلوز من أهم قضايا تركيا في السنوات العشر الأخيرة. حتى وإن ظهرت الأدلة التي تمّ تلفيقها من جانب منظمة الجماعة في تلك الفترة، وتم تبرئة المتهمين جميعًا، فإنّ ما عاشه المحامون في هذه القضايا السياسية، ومنعهم من حق الدفاع لم يُنسى.
في قضية أرجنكون قيل  بشكل كبير أنه قد تم منع المحامين الذين هم العنصر الأساسي للمحاكمة من المرافعة. قامت محكمة القضاء الجنائي الثالثة عشر التي تنظر في القضية "الموكلة بشكل خاص" بإغلاق ميكرفونات المحامين باستمرار، بل إنها قامت بتوجيه التهم للمحامين!.
وبالطبع لم يتم الاكتفاء بهذا. فقد تم إخراج المحامين من قاعة المرافعة، وتم الاعتداء على الرافضين. وهذه الكلمات "أيها القادة، أخرجوا المحامين للخارج" التي قالها أمن المحكمة لجنود الدرك هي كلمات ستخلد في التاريخ.
حسن حسين اوزاسا رئيس المحكمة التي نتحدث عنها مقبوض عليه من منظمة فتح الله غولن. ولا يمكنه مقابلة محاميه الخاص إلا مرة واحدة في الأسبوع لمدة ساعة في السجن. أي أن هذا الحق الإنساني الأساسي الذي لم يعترف به قبل خمس سنوات وتحدث عنه بتعالٍ، لا يجده لنفسه الآن.
ويسري نفس الأمر بالنسبة لوكلاء النيابة والقضاة الآخرين التابعين لمنظمة غولن الإرهابية الذين كانوا في القضايا الملفقة مثل أرجنكون وبايلوز.
أصبح اليوم خبر "تدخل من أجل المحامين" الذي تواجد بكثرة في الإعلام في مراحل أرجنكون، وضعا استثنائيا لدرجة أنه لا يلفت حتى انتباه الناس.
قانون الطوارئ واغتصاب حق الدفاع
محكمة القضاء الجنائي الثالثة عشر التي تنظر في قضية أرجنكون - تصوّر عام

حتى أن المحامين الذين يواجهون صعوبات في أداء مهامهم في أوقات كثيرة مع إعلان حالة الطوارئ يتم تهديدهم من جانب المسؤلين القانونيين أثناء لقائهم مع موكليهم.

أما ما قاله المحامون في المؤتمر الذي عقده اتحاد المحامين الأتراك تحت عنوان "تقليص حقوق المحامين في الاستجواب والمقاضاة في كنف قانون الطوارئ" فيصحح الكيفية.
وأضاف المحامون المنضمون للمؤتمر أن المسئولين القانويين قد استخدموا كلمات للتهديد مثل "نحن مدعو التحقيق ونحن القضاة"، وأنهم قد استعملوا كلمات مهينة لا تناسب القانون أثناء اللقاء مع المشتبه بهم مثل "لا تطيل الحديث".
في حين أن المحامين هم عنصر أساسي من عناصر المحاكمة ويقومون بعمل عام. هل سمعتم أنتم عن تدخل في عمل وكلاء النيابة؟.
هناك بعض الفوارق بين المحامين والمواطنين الآخرين. ولكن لم يتم وضع هذه الفوارق من أجل سواد عيون المحامين. بل إن هذه الحقوق هي حقوق تمّ الاعتراف بها ليس للمحامي ولكن لحق الدفاع الذي يمثله المحامي. مثلًا تفتيش منزل ومكتب المحامي يخضع لإجراءات مختلفة مثل تفتيش منازل الموظفين الكبار.
ونفس الشيء عند توجيه تهمة لمحام بسبب وظيفته، يكون الاستجواب ورفع القضية مختلف قليلًا عن الناس العاديين. فمن أجل استجواب المحامي حول قضية حدثت بسبب وظيفته أو خلال أدائه لوظيفته يتوجب استصدار إذن من وزارة العدل.
وسبب الحاجة لهذا التنظيم هو الرغبة في تقليل وإعاقة حق الدفاع بشكل مزاجي. ولكن الواضح أنّ الرغبة لم تجد صدى كبير.
حيث أنه في الوقت الذي تم تناول هذا الموضوع في المؤتمر الذي عقده اتحاد المحامين الأتراك، قام 121 محام ممثلين لـ70 منطقة بالقول بأنهم لم يمتثلوا للتشريعات في الأبحاث الموجهة إليهم، أما البيانات التي تم الحصول عليها في الأبحاث مع الأنظمة المُضادة للقانون فقد تمّ استعمالها في مذكرات التوقيف وقرارات القبض والأحكام.
أوضح المحامون أنه أثناء البحث قد تم أخذ كل ملفات القضايا التي ليس لها علاقة بالاستجواب، والمكاتبات الخاصة بهم، والمذكرات الخاصة بمقابلتهم مع موكليهم وهذا ضد مبدأ حفظ السر للمحامين، كما سجلوا تعديًا على الحقوق متمثلًا في عدم أخذ الصور من على الحاسب الآلي والهواتف الذكية بطريقة مناسبة.
يقول المحامي أوزجور أورفا الشريك المؤسس لمكتب الحقوق المتقدمة والذي تقابلنا معه بخصوص التعدي الواقع على حق الدفاع أن القبض على المحامين قد دخل في أجندة الدولة مرة أخرى بالقبض على سلجوق كوزاغاتشلي، كما ذكر أنه خلال الأسابيع الأخيرة قد تم إصدار قرارات توقيف في حق قرابة العشرين من زملائه العاملين في مكتب حقوق الشعب، ومكتب حقوق المطحونين.
ويتعرض المحامون المسجونون لاختراقات لحقوقهم في محبسهم. وآخرها خبر كسر ذراع المحامي أنجن جوك أوغلو أحد محاميي المدربان نورية جولمن وسميح أوز أكتشه اللذان يعملان في مكتب حقوق الشعب والمضربان عن الطعام.
تعرض جوك أوغلو المسجون في السجن رقم 2 في تكيرداغ للإهانة لأنه لم يقبل العد واقفاً. وبينما علم محاميو جوك أوغلو بالوضع بعد مقابلة العائلة، اتضح أيضاً أنه لم يتلق العلاج المناسب. 
قال أورفا أن قرارات التوقيف الموجهة للمحامين ليست ضغطاً موجهاً لزملائه وتدخلاً فحسب، وأفاد قائلاً "أرى أن هذه الضغوطات هي ضغوط على كل المجتمع وتدخل موجه ضد نضاله من أجل العدالة حيث أنّ المحامين هم ممثلو شركائهم في الوطن في البحث عن العدالة، وأنها ستصبح أكثر شمولية."
ويجيب أورفا فيما يتعلق بما إذا كانت هناك لحظة من الانهيار أم لا في الفترة التي نعيشها الآن: "ولو أنه ليس من الممكن قول تاريخ واحد حول هذا الموضوع إلا إني أظن أن استفتاء 16 أبريل هو لحظة الانهيار الأهم في الفترة الأخيرة بسبب هشاشة الحياة السياسية في تركيا، وحدوث العديد من نقاط التحول بها."
وأضاف أورفا رفض أكثر من نصف المجتمع لنتيجة الاستفتاء، وتدخل المجلس الأعلى للانتخابات في تركيا بشكل غير رسمي، فضلا عن ضغط الحكومة على السياسة الداخلية والعالمية.
 
وقد علّق أورفا مشيرا إلى أن اعتقالات المحامين ليست مصادفة بل ظاهرة يجب تقييمها:

"يتخذ النظام الذي يريد زيادة القمع داخل البلاد، تدابير مختلفة لحماية نفسه من ردود الأفعال المحتملة. وكأنهم يريدوا إرسال رسالة إلى الشعب مفادها إذا كان بإمكاننا اعتقال المحامين وقتما نشاء فإذا ماذا يمكننا أن نفعل بكم."

أما عن سؤالنا المتعلق بموقف اتحاد المحامين الأتراك، فقد أجابنا أورفا:

"إن عدم نشاط وصمت وتردد معظم النقابات قبل إعلان الطوارئ وبعدها بشكل خاص، أمر لا يُحتمل. حيث يصمت متين فايز أوغلو (رئيس اتحاد المحامين) تجاه الشئون الاجتماعية كي يحظى برضا السلطة، كما يحاول في أحاديثه إضفاء الشرعية على ما تقوم به السلطة. فقد فشل اتحاد المحامين ومعظم النقابات في مواجهة إعلان الطوارئ ونظام الرجل الواحد بالدولة."

قانون الطوارئ واغتصاب حق الدفاع
المحامي أف.توجاي باك

ومن بين أولئك الذين يفكرون بازدياد القمع على الصحفيين والمحاميين خلال انتخابات 2019م، أف.توجاي باك أحد كتاب صحيفة أفرنسال ورئيس لجنة مراقبة السجون بنقابة المحامين بأضنة.

ويؤكد باك – الذي يرى أن الهجوم المُوجّه على حق الدفاع والمحامين هو عمل هندسي اجتماعي – أنّ هدف تعرّض المحامين للظلم والاضطهاد هو إرهاب المجتمع. أما السبب الآخر فهو انتقاد رجال القانون والمحامين للظلم بالطوارئ وكشف النقاب عنه، ويقول باك: "تعتدي السلطة على حق الدفاع لأنها لا تريد ذلك."
ويرى باك أن متين فايز أوغلو اتخذ موقفا كسياسي وليس كرئيس اتحاد نقابة المحامين (التي لها رد فعل هام بخصوص ما حدث ولو في الماضي).
ويرى أف.كمال أيتاش – أحد الأسماء الهامة بنشاط "دور العدالة" الذي تحرك بعد اعتقال محامي جريدة الجمهورية ضد اعتداءات السلطة على حق الدفاع والحقوق بشكل عام- أنّ سبب الانهيار في هذه الفترة هو إعلان الطوارئ.
ويشير أيتاش – الذي كان صرّح من قبل بوجود مشاكل خاصة بحق الدفاع والقضاء – إلى تقويض استقلال القضاء، بقوله: "يعمل القضاة والمدعون العامون كموظفين حكوميين للسلطة الحاكمة."
وأثناء حديثنا مع أيتاش بخصوص سبب ازدياد هذا القمع اليوم بهذا القدر، قال: "سبب هذه الاعتداءات على المحامين هو كون وظيفتهم الأهم بالمجتمع لمواجهتها اللاشرعية. فنجاحهم في إرهاب المحامين يعني نجاحهم في إرهاب المجتمع. لذلك يمثل الدفاع أول قلعة حصينة عليهم فتحها. إذا سكت أحدهم سكتوا جميعا. ولأنهم يدركون ذلك يتعرض الدفاع لهذه الاعتداءات."
وقد علّق أياتش على الفترة الحالية قائلا: "ليس فقط المحامين الذين يتم إسكاتهم بل النواب والصحفيين وكل من يمثل المجتمع. تم اعتقال النواب والصحفيين والمحاميين. ويحاول الناس ألا يرضخوا لهذا الأمر ولكن هناك صمت هائل."
يكتسب نشاط "دور العدالة" – الذي بذل فيه كمال أيتاش جهدا كبيرا لتنظيمه وإمكانية استمراره – شعبية كبيرة من قبل المحامين بدار جاغلايان للقضاء كل خميس من أجل المطالبة بالحقوق والعدالة، وعلى حد تعبير أيتاش يُنفّذ لأول مرة في العالم هذا النشاط الذي أُهمل لمدة 53 أسبوعا.
ويقول أياتش عن موقفه تجاه اتحاد المحامين: "حتى هذا الاتحاد أصبح مثيرا للجدل اليوم. فتلك النقابات ـ إلا القليل منها ـ وكأنها ليست موجودة بالنسبة لي الآن بسبب موقفها تجاه تلك الفترة. فكيف يمكننا التحدث عن هذا الاتحاد بينما يظهر رئيسه متين فايز أوغلو على شاشة التلفاز متحدثا عن مرض الزهايمر وسط كل هذه الاعتقالات."
 
أما أف.أرجين جينمان ـ محامي إخوة ألتان ـ فقد علّق قائلا:

 

"يصدر المدعون العامون قرارات بحظر النشر في جميع القضايا المرفوعة بعد 15 يوليو مثل قضية ألتان وغيرها. فلا يعرف الناس لمدة عام تقريبا ما هي الاتهامات الموجههة إليهم والأدلة عليها.
وأهم مثال على ذلك انتهاك حق الدفاع. حيث يقف حارسا بجانبكم أثناء مقابلتكم للمعتقلين بالسجن فضلا عن تسجيل تلك المقابلة. في الأساس هي ساعة واحدة بالأسبوع التي يمكنكم مقابلتهم فيها.
وهذا دليل على ما وصل إليه حق الدفاع من وضع مخزي. حيث لا يُنتهك حق الدفاع في قاعات المرافعة فقط."

وقد سجّل جينمان كل هذا في المؤتمر الذي عقده اتحاد المحامين بتركيا حول حق الدفاع. كما كتب تقريرا عن حظر مقابلات المعتقلين تحت ذرائع واهية، وضمان الخصوصية في حالة السماح بالمقابلات.

يشكو المحامون من انتظارهم لساعات طويلة أمام أبواب السجون بسبب عدم كفاية قاعات المقابلات، وعدم توافر الأدوات المكتبية لإجراء المقابلة، ومنع تأمينها من الخارج.
صرّح جينمان – الذي يجذب الانتباه لعدم وجود محاكمات عادلة– بطرده هو ومحامين آخرين من قاعة المرافعة في قضية ألتان في الأسابيع الماضية. وأضاف جينمان بخصوص هذا الأمر: "أعطى القاضي الملف إلى المدعي العام للمطالعة دون أن يسأل عن أدلة الدفاع. وهذا ليس ممكنا دون أخذ أدلة الدفاع وانتهاء كل شيء. أردنا القول إن لدينا أدلة وضرورة النظر فيها ثم إعطاء الملف إلى المدعي العام، فلم يسمحوا لنا وطردوني مع زملائي خارج الجلسة. في الحقيقة لن يحدث انتهاك لحق الدفاع بشكل واضح كهذا."
يحتاج الجميع لحق الدفاع الذي يُرى ذا أهمية قليلة، والمُهمل تماما خاصة في السنوات الأخيرة بتركيا.
وهذا ليس ممكنا دون إجراء محاكمة عادلة، وإقامة العدالة، وضمان الآمان بالبلاد، وتنفيذ ضروريات حق الدفاع. وينبغي لجميع قطاعات المجتمع والسياسة أن يضعوا هذه الحقيقة نصب أعينهم.
 
يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً: