يحيى مدرا
نوفمبر 22 2017

إردوغان ليس أكثر من حالة عرضية في تركيا.. لهذا السبب

تقف تركيا أمام طريق مسدود فيه الكبير فارق الحياة دون حتى أن يدري. الأسوأ هي محاولات هذا الكبير المحمومة لضمان عدم بروز أي وجه جديد. وبوصولها إلى آفاق مسدودة على جبهتي السياسة الخارجية والداخلية وكذا على صعيد الاقتصاد السياسي والثقافي فإن تركيا تنغلق على نفسها.

هناك قابلية لإلصاق الاتهام كاملا بالرئيس التركي رجب طيب إردوغان وقيادته الفاشلة لكن هناك مشاكل بنيوية يعاني الرجل نفسه بسببها ويسعى للتعامل معها بمزيد من التأكيد على رؤيته الخاصة لمفهوم السيطرة. وغني عن القول الإشارة إلى ما تسببه محاولاته من إفساد، ليس فقط تعميق المأزق بل بخلق أزمات جديدة.

سياسة تركيا الخارجية اليوم مبعثرة لأسباب على رأسها الإصرار على إبقاء كردستان "مستعمرة دولية" ممزقة بين تركيا وإيران والعراق وسوريا. هذا المبدأ يمثل واحدا من أهم العوامل التي تسبب شللا في علاقات تركيا بالولايات المتحدة.

السياسة الداخلية الجامدة بدورها في مأزق لأن مجالا كهذا، في هذه الحالة، وُضع حول فكرة عزل الأكراد دون توفر آلية للاعتراف بالشعب الكردي (وليعترف الشعب الكردي بنفسه) كمواطنين على قدم المساواة في الجمهورية ناهيك عن قضية الحكم الذاتي.

صلاح الدين دميرطاش
صلاح الدين دميرطاش زعيم حزب الشعوب الديمقراطي

لم يكن إردوغان سببا في هذا التصور للمناخ السياسي لكنه يستغله لأقصى حد لترسيخ سلطاته. بالتحريض على الأكراد كتهديد وجودي فإنه وكأنما يحتجز المتطرفين من القوميين والعلمانيين رهائن حيث يدور القوميون في فلك حزبي الحركة القومية والحزب الصالح ويعمل العلمانيون من خلال حزب الشعب الجمهوري. ومؤخرا قدم إردوغان الأكراد في صورة تهديد وجودي حين دعا مرارا "نساء المسلمين" للإنجاب بكثافة وحثهم على التعامل مع الأمر بحساسية "على الأقل بإنجاب 10 إلى 15 طفلا مثلما يفعل أنصار الإرهابيين."

يمكننا كذلك رصد أحدث محاولات الرئيس التركي لإبعاد مصطفى كمال أتاتورك عن حزب الشعب الجمهوري و"عقليات أخرى بعينها"، يتهمها إردوغان بأنها "تختبئ تحت عباءة الأتاتوركية" وتستخدم اسم الزعيم الراحل "كأداة لأغراض أيدولوجية، في محاولة لتفريغ المجال السياسي الذي لا يزال يتشكل حتى الآن في إطار يستبعد مجموعة اليسار الشعبي الملتفة حول حزب الشعب الجمهوري. بعد المحاولة الانقلابية في 15 يوليو 2015 نظم إردوغان واحدا من تجمعاته الحاشدة في حي يني كابي في موقع هائل على شاطئ بحر مرمرة في اسطنبول القديمة حيث تقاسم المنصة مع دولت بهجتلي من حزب الحركة القومية وكمال كلجدار أوغلو من حزب الشعب الجمهوري. اللافت حينها كان استبعاد زعيمي حزب الشعوب الجمهوري صلاح الدين دمرداش وفيجن يوكسيجداج من هذا التجمع الوحدوي الحاشد في بحر من اللون الأحمر لعلم تركيا.

أتاتورك

ما حول هذا التجمع لنقطة فاصلة مهمة شكلت مرحلة ما بعد الانقلاب وغيرت السياق السياسي بأكمله كان موافقة كلجدار أوغلو على هذا الإقصاء العنيف في رمزيته لحزب الشعوب الجمهوري وما يدفع السياسات الداخلية إلى الحافة هو استحالة حكم البلاد من خلال مبدأ "روح يني كابي" وحظر الأكراد. وفي حين يبدو إردوغان مستفيدا وحيدا من مبدأ روح يني كابي فإن المبدأ يتغلغل في مختلف أشكال القومية التركية سواء كانت إسلامية أو علمانية، يمين أو يسار.

اليوم يقف الاقتصاد الكلي بالكاد متماسكا (إن لم يكن في طريقه للانهيار تماما) والسبب محاولة التوازن بين الحاجة لجذب رؤوس أموال أجنبية بمعدلات فائدة تنافسية والحاجة لتقليل معدلات الفائدة لتحفيز الطلب الداخلي الذي وصل مستويات يصعب تخطيها. تبدو مخاطر الدين التركي اليوم في ازدياد بسبب علاقاتها المتأزمة بالولايات المتحدة وألمانيا وحلف شمال الأطلسي (الناتو) بل تسببت الحكومة التركية في تآكل الثقة في قدرتها على ضبط الميزانية وهي التي لم تفلح في التغلب على الكساد في 2017 سوى من خلال زيادة الإنفاق. بعبارة أخرى فإن تركيا منساقة بسرعة نحو صدام مع مجتمع المال العالمي.

من الجائز تعريف نموذج الاقتصاد التركي منذ بداية القرن الحادي والعشرين كمثل مالي للليبرالية الشعبوية الجديدة حيث تعمل الحكومة على تحفيز الطلب بأدوات غير تقليدية (كتغيير سياسات الإنفاق الحكومي والضرائب) بل بخلق الأوضاع المؤسسية الملائمة لتسهيل تدفق رؤوس الأموال الدولية.

هذه الأوضاع المؤسسية المطلوبة تشمل التحرير الشامل للتجارة والتكامل المالي مع أسواق المال العالمية وخفض ممنهج للدين الحكومي من خلال ضبط الماليات، والأكثر أهمية تأسيس مجالس مستقلة لتنظيم الأسواق المختلفة وتحقيق مرونة في سوق العمل وتخصيص ممتلكات الدولة.

لاحظ أن كل أشكال الإصلاح وأنماط السياسة هذه، رغم وضعها وتطبيقها باجتهاد جناح من الليبراليين الجدد في حزب العدالة والتنمية الحاكم مثل جول وباباجان وشيمشيك حتى 2013، فإن من نفذها بالأساس كان كمال ديرفيس (الاقتصادي البارز السابق والمستشار بالبنك الدولي) ونالت ثناء الاقتصاديين من حزب الحركة القومية وحزب الشعوب الجمهوري. مرة أخرى ربما تسببت حاجة إردوغان لتحقيق نمو اقتصادي في استفحال تناقضات هذا النموذج لكن المشكلة نفسها بنيوية تتعلق بالنظام التراكمي في تركيا.

وللتعامل مع هذه الأزمة يبدو أن إردوغان ومستشاريه يثيرون الارتباك بمحاولات إعادة توجيه دور الدولة. في أمثل الظروف يعمل هذا النموذج لدولة محركة للتجارة كمنسق مركزي يساعد على التوفيق بين رأس المال الصناعي والمالي. كان يفترض لصندوق الثروة السيادي الذي أسس على عجل بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو 2016 أن يساعد في تحقيق هذا الأمر من خلال التحكم تنظيميا في البيروقراطية القائمة وكذلك في البرلمان الذي تحول الآن لأداة فاقدة للفاعلية.

وكما يحلو لإردوغان تذكير الاقتصاد العالمي فإن إحدى وظائف حالة الطوارئ المفروضة في عموم البلاد تتمثل في تحسين قدرة الحكومة على كبح الحركة العمالية. وبالنظر لهيمنة قطاعات عمالية حساسة كالإنشاءات والسياحة والنسيج فإن منع العمال من المطالبة بزيادة حصتهم من الثروة التي كانوا سببا فيها يتطلب إقامة الدولة لسياج دائم وهو هدف يتحقق بطريقة مثالية من خلال تحريك المجتمع ضد مخاطر منح الحرية للأكراد.

لا شك في امتلاك إردوغان موهبة إشعال الحروب الثقافية بل يمكن في الواقع اعتباره أحد رواد نموذج صاعد قائم على استغلال ذكي من قبل القادة السياسيين لوسائل الإعلام بطريقة تتسبب في النهاية في تآكل الأساس الشعبي من خلال استغلال القضايا الاجتماعية المثيرة للخلاف وما أكثرها في تركيا.

وفي مسيرة إردوغان السياسية يمكن تتبع سلسلة من مرات التحول والثبات على محور مثل هذه القضايا: من الإسلام السياسي المناوئ للاستعمار في سنوات ما قبل حزب العدالة والتنمية إلى الإسلام السياسي في شكله النيوليبرالي من خلال حزب العدالة والتنمية ثم العودة المفاجئة للقومية. ترى كذلك في الدخول في عملية سلمية مع الأكراد إلى علمنة متطرفة للمشكلة ومن تحرير المناخ العام بما يتماشى مع متطلبات الاتحاد الأوروبي إلى إعادة تنظيم لمؤسسات الدولة على أسس الإسلام السياسي (كالقضاء المدني ونظام التعليم وغيرها) وبالطبع هناك أحدث مساعيه للاستيلاء على الأتاتوركية.

الحروب ثقافية التي تصل لحد وضع الفرق المتحاربة في وضع دفاعي وسجن كل مجموعة ديموغرافية في محيط هويتها تمثل أحد أهم الأساليب المجربة لنزع عوامل السياسة من أي تجمع مجتمعي. وباستعارة حرفية لمفهوم أولوس باكر فإننا نحيا في "مجتمع الآراء" (الاستطلاعات). ومن المسلم به أن إردوغان يقوم بعمله مستندا لاستطلاعات الرأي. من خلال التغيير المؤسسي فإن ضرورة الحصول على نسبة النصف زائد واحد في الانتخابات يساعد على تضييق الأفق السياسي (على الأقل من وجهة نظر إردوغان) ويحوله إلى صراع على الهوامش.

لا تهم احتمالات التناقض في عمليات التحول والثبات تلك طالما يقصد بها التدخل جراحيا في المناطق الهامشية شديدة الرمادية الموجودة على الحدود الداخلية المقسمة للمجموعات الديموغرافية المجمدة.

أردوغان

منذ مفاوضات رئيس الوزراء التركي السابق أحمد داود أوغلو وإردوغان مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بخصوص أزمة اللاجئين السوريين لاحظ المراقبون تحولا متزايدا في السياسة التركية إلى أساليب أخذ الرهائن. واليوم ومن النظرة الأولى بوسعنا الإشارة إلى شبكتي رهائن (واحدة ضد ألمانيا والأخرى ضد الولايات المتحدة) تتداخلان في فندق بجزيرة الأميرة في صورة سيناريوهات خاطئة غير ناضجة تنفذها شركات علاقات عامة وصحف موالية للحكومة ومدعومة منها. غير أن نظرة ثاقبة تكشف أن سياسة أخذ الرهائن لم تقتصر على أساتذة جامعيين من حركة (أكاديميون من أجل السلام) من خلال مصادرة جوازات سفرهم أو صحفيين معارضين انتهى بهم الأمر إما لفقد وظائفهم أو للسجن بل إن الحركة السياسية الكردية بأكملها (من سياسيين منتخبين على مختلف المستويات إلى نشطاء سياسيين حزبيين).

لكن ربما يمكننا توسيع نظرتنا لتسمية الرهينة هذه. فعلى مستوى سياسي من يمكنه القول إن حزب الشعوب الجمهوري ليس رهينة لمبدأ روح يني كابي والخوف المسيطر داخلها منهم؟ أو من يمكنه القول إن بهجتلي ليس رهينة لطموحه في البقاء مسيطرا على حزب الحركة القومية؟ ومن يمكنه القول إن التهديد بالعزل لا يجعل من النظام القضائي بأسره رهينة؟ وحتى إردوغان نفسه رهينة لرواد حركة أوراسيا.

وعلى المستوى الاقتصادي يمكن للمرء المجادلة بأن تركيا كسوق صاعد ليست فقط رهينة لأسواق المال العالمية بل يمكن اعتبار أن الغالبية العظمى من سكانها، النظر لديونهم التي تمثل نحو 18 بالمئة من الناتج الإجمالي المحلي، رهائن لحديث "الاستقرار".

ورغم كل هذا الحديث المناوئ للاستعمار والحوارات الهامشية فإن إردوغان شخصية استغلالية صميمة. ذكرنا من قبل ممارساته السياسية القائمة على رصد استطلاعات الرأي. نعرف أيضا كيف ينظر لنفسه كمدير تنفيذي على طريقة اللجنة العليا.

لن يكون خطأ افتراض أن إردوغان لا يحب البيروقراطية الحكومية ويرغب في تركيز السلطات كاملة في القصر الرئاسي. ومثل تأسيس صندوق الثروة السيادي على أساس يمكنه من تخطي الرقابة التنظيمية والسيطرة السياسية خطوة واحدة في هذا الاتجاه. غير أن طريقة اللجنة العليا هذه كسبيل للوصول للمركزية ونزع العمل السياسي فيها ما فيها من تناقض. التسريبات الأخيرة عن إلغاء الانتخابات المحلية بعد 2019 والانتقال لنظام التعيين في حكم المناطق لن يكون فقط الخطوة الكبرة التالية على طريق تقويض الديمقراطية في تركيا بل سيتسبب كذلك في خلق آلة بيروقراطية أكبر.

الناشط الحقوقي الألماني بيتر شتويتنر
الناشط الحقوقي الألماني بيتر شتويتنر

لكن هذه النزعات والتناقضات ليست حكرا على إردوغان فالشركات متعددة الجنسيات بها بيروقراطيات متأصلة تنفق أموالا طائلة على التخلص من الرقابة التنظيمية والسيطرة السياسية. وكما تعد الفضيحة الحقيقية في الكشف عن الاستثمارات الموجودة في شركات ما وراء البحار هي الحقيقة الصادمة في كونها تتم من خلال حسابات قانونية يجب اعتبار سياسات إردوغان الاقتصادية جزءا من توجه أكثر شمولا للقومية الاقتصادية.

تتمثل نظرة إردوغان للدولة في إعادة إحياء تركيا كعلامة تجارية ولاستئناف النمو الاقتصادي وهي نظرة يتقاسمها مع مناوئيه في حركة يني كابي. الفرق الوحيد هنا هو إيمانه بأن هذا غير ممكن إلا بترسيخ مبدأ اللجان العليا بينما يعتقد معارضوه أن الطريق الوحيد لذلك هو تطبيع علاقات تركيا مع الغرب.

يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية ايضا: