Naz Köktentürk

إسطنبول...صندوق ساحر مليء بالذكريات التاريخية

 

من الشرق يأتي النور..
مع تفكك سوريا باتت القارة العجوز التي استقبلت المهاجرين، حبلى بميول واتجاهات جديدة تتحرك وتتشكل بكل ما يجري على هذه البسيطة التي نعيش عليها، تلك الاتجهات التي جعلت من منطقة بايزيد بإسطنبول، وضواحيها،  أشبه ما يكون بنمط حياة للمهاجرين، ولكن بعناصر وتفاصيل خاصة بها هي. فاللوحات الإعلانية المكتوبة بالعربية في الشوارع، والألحان الشرق أوسطية، تترامى إلى مسامعنا، ومع مرور الوقت باتت هناك زيادة في أعداد قارئات الكف...


وردة دمشق...
رش مرطبات برائحة الورد في الصباح، وانتشار روائح ورود دمشق في الأجواء، وكذلك النراجيل ذات رائحة الورد، كلها أمور ترسلنا لعالم المدينة القديمة، وإلى أماكن الاستمتاع والترفيه الجديدة. في الأيام الأخيرة دأبنا وبشكل يومي على الخروج في رحلة عبر الزمن وكأننا نفتتح مدرسة تشورلو علي باشا – أحد الأحياء الصوفية بمدينة إسطنبول- المكان يبدو لنا وكأنه فتح لصندوق ساحر.

إسطنبول...صندوق ساحر

أغلقوا عيونكم؛ وأعدوا أنفسكم للخروج في رحلة عبر التاريخ. أما ما ستشاهدونه عند فتح أعينكم، ستلاحظون أنه فناء مدرسة تشورلو علي باشا، وستدركون أن الزمن توقف عند المكان ولم يتحرك قيد أنملة. نلج الفناء الحجري بعد المرور من قنطرة مقوسة في السقف، وهناك نجد أمامنا نراجيل، وجمر وفحم، وكأنهم يستقبلون القادمين مصحوبين بسحب كثيفة من دخان يملأ المكان. القناديل والأسرجة تتدلى من قباب المكان بألوان شتى وكأنها تحيي مرتاديه باسم الجلالة "الله" الذي يتوسط المكان في لوحة كبيرة.
ولا يمكن أن تغفل العين عن مشاهدة السجاد الحبشي، والأرائك الحمراء التي تشبه مقاهي أفيون الفرنسية في القرن التاسع عشر التي لم يعد لها وجود بعد. تلك المقاهي التي كانت تشبه في شكلها العام تكايا الصوفية في تسعينيات القرن التاسع عشر، وكان يتردد عليها الشاعر الفرنسي آرثر رابمود المثير للجدل..لكن تلك المقاهي تم حظرها في وقت قصير للغاية.

إسطنبول...صندوق ساحر

 

لكن لا شك أن اللهث يوميًا وراء الزمان المفقود في المدينة التي ولدنا وكبرنا فيها، له مذاق آخر...
وعندما نلتفت برؤوسنا وننظر خارج الفناء، نجد قبالتنا كنيسة آيا صوفيا بعظمتها كاملة، وكأنها تلقي التحية علينا من بيزنطة. بل وكأن القسطنطينية تحتضن بني الإنسان بتاريخها المنهك والمتعب. وعند الجلوس على مقعد خشبي بالمقهى، فإننا نحتسي ربما فنجان قهوة يعتبر أكثر شي متنوع نتناوله في حياتنا. فكل شيء هنا مختلف وله مذاق خاص، القهوة الطازجة المحمصة، وراحة الحلقوم، وكذلك شاي التفاح الذي يبعث في النفس الطمأنينة..والأحاديث الطويلة بين رواد المكان وهم يدخنون النرجيلة! وبعد قليل سيمر من جانبنا عمٌ مسنٌ يحمل في يديه جهازا يقيس به الضغط للزبائن، وهو يردد عبارة "المكان فاني، والمحبة باقية"...
ومدرسة تشورلو علي باشا، أنشأت بين عامي 1707-1709 من قبل تشورلو علي باشا أحد الذين تولوا منصب الصدر الأعظم في عهد السطان أحمد الثالث، حيث كلف المهندس المعماري داوود بإنشائها. وهذه المدرسة في العهد العثماني كانت جزءًا من مجمع ديني مكون من جامع وتكية ومكتبة ووقف.
المقهى الموجود داخل البناء الذي يبلغ عمره 300 عام، أضرّ كثيرًا مع الأسف بالنسيج التاريخي له. ولنتحرك الآن ونواصل جولتنا، على أن نبدأ من منطقة "فزنجيلر"، صوب المنطقة الواقعة داخل سور إسطنبول. وفي هذا الاتجاه سيكون عن يسارنا حي "بن بير ديرك" الذي يشتهر في ليالي رمضان بتقديم عروض تمثيل غنائية للمغنية الشهيرة بريوز تارزقيان، وغيرها من ألعاب خيال الظل الشهيرة كرا گ‍وز وعيواظ.
وقدمت بيروز تارزقيان عروضها على المسرح في ثمانينيات القرن التاسع عشر، حيث كانت تؤلف مقطوعاتها بنفسها وتلحنها. وبحسب ما ذكره كتاب "فحش عتيق" للمؤلف أحمد راسم، فإن حفلات هذه السيدة كانت تمتلئ عن بكرة أبيها، وكان معجبوها من كافة الطبقات يقذفونها بالورود والرسائل الغرامية. لكن مع الأسف كانت نهايتها مؤلمة، شأنها في ذلك شأن كثير من الفنانيين، حيث انتهى بها المطاف في أحد البارات في منطقة "بك أوغلو" بإسطنبول، إذ عاشت آخر فترات في عمرها مبتئسة.
والآن نواصل رحلتنا ثانية لكن بعد أن نستريح لبعض الوقت عند محل بيع الشيكولاتة التاريخي في منطقة السليمانية، وبعد ذلك ينتهي بكم الطريق إلى مسجد السليمانية. وترافقكم في هذه الرحلة أبيات شعرية للشاعر، يحيى كمال، على جدران الشوارع الضيقة.
ومسجد السليمانية يرمز لفترة تقدم الدولة العثمانية وازدهارها، أمر السلطان سليمان القانوني ببنائه بين عامي 1550-1557، حيث صممه المهندس معمار سنان أحد أكبر وأفضل المهندسين المعماريين على مستوى العالم أجمع.
لقد كان معمار سنان داهية في مهنته لدرجة أننا إذا نظرنا من كل النواحي في مسجد السليمانية الذي يتسع لنحو 10 آلاف مصل، سنجد لفظ الجلالة "الله" في كل مكان، وجدار، وركن، وزاوية. ولهذا المسجد العظيم 4 مآذن تعانق السماء. ويعتبر من أهم الآثار المعمارية العثمانية، وهو أكبر مساجد إسطنبول.
ولا نبالغ إذا ما قلنا إن كل حجر في هذا الحي يحمل بصمة المهندس المعماري سنان...
وأثناء متابعة رحلتنا صوب ميدان السلطان أحمد الشهير، سنتوقف أمام حمام منطقة "تشمبرلي طاش"، فلا يمكن المرور من أمامه دون الوقوف إجلالا وتعظيما للداهية معمار سنان أبرع البارعين في تخصصه.
وإذا تقدمنا قليلا بعد الحمام، ومررنا من أسفل باب مقنطر ضيق، وصعدنا السلالم التي ستقابلنا، سينتهي بنا المطاف عند مطعم "آصلان" الذي يخفي بين ثناياه مذاق المطبخ العثماني بكافة أشكال وجباته اللذيذة التي تحتم على كل من يزور اسطنبول أو يسكنها أن يرد هذا المطعم ليذوق بنفسه.
لا داعي بالطبع للاستيقاظ من هذا الحلم الساحر. لكن السير انتهى بنا صوب ميدان "أمينونو" الشهير الذي وصلنا إليه دون أن تفقد أقدامنا خطواتها البطئية. وهناك وفي ذلك المكان يغلق الصندوق السحري بعد أن تجولنا بداخله.
وفي الختام لا يسعنا إلا أن نقول إن إسطنبول بها الكثير من الصناديق الساحرة، فعلى أمل أن نفتح مزيدًا من الصناديق في مقالات أخرى.
 
يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: