عمر ياديكاردش
ديسمبر 14 2017

إسطنبول.. "السوق المُغطى كان جامعة، ولكن لا أحد يتخرّج منه الآن"

يُشار إليه في الأخبار كثيرا، كمكان "يخفق فيه قلب المال"، وقد ضع أساسه علم 1461م، وأطلق عليه اسم السوق الكبير، واسم آخر هو السوق المغطى.
وبمُجرّد أن يخطو السياح خطوة إلى اسطنبول، يكون السؤال الأول الذي يطرحونه هو: أين هو السوق الكبير؟ إنه متاهة رائعة، حيث يضم ما يقرب  من 60 شارعا، وأكثر من 3600 محلا تجاريا.
تركيا وخاصة اسطنبول تتغير بسرعة، حيث تقام ناطحات السحاب، ويتم تدمير المناطق المشجرة في المدينة، ويتأثر السوق المغطى  أيضا بهذا التغيير المجهول غير المعروفة نهايته.
ما هو نوع التغيير الذي حدث في السوق الموجود منذ خمس قرون ونصف؟ وما هي علاقة الصبي بالمعلم اليوم في السوق المعروف بالمعلمين الأرمن؟ وفي حين أن تركيا أصبحت مركز جذب للسائحين العرب، كيف ينعكس هذا على السوق؟.
وقد بحثنا في قصيدة أورهان ولي عن ماضي السوق المغطى الذي شبهه بصندوق مغلق، ووصفه قائلا "ألا توجد له قصة"، كما بحثنا عن التغيير الاجتماعي والاقتصادي الذي تعرّض له السوق المغطى.
وقد فتح المعلمون القدامى للسوق، والذين نشأوا على علاقة الصبي بالمعلم، هذا "الصندوق المغلق" لموقع "أحوال تركية":

السوق المغطى اسطنبول
حسن ارزيك

خطا حسن أرزيك أولى خطواته إلى السوق عام 1963م، عندما كان في الخامسة عشرة من عمره، وذكر أرزك أنّ السوق المغطى في عهده كان جامعة لا مثيل لها في العالم، وهو يصف العلاقة بين الصبية  والمعلمين في ذلك الوقت بالكلمات التالية:

"لقد انتهت تقاليد المعلم والصبي، ولم يعد هناك صبية، ولم يعد أحد يأتي، الجميع يدرس، لقد كنا نغلق سترتنا أمام معلمنا، والآن الصبية يتحدثون وهم يمضغون العلكة.
وقد علمونا كيفية التحدث مع العملاء، وأولئك الذين ذهبوا لمقابلة نائب مجلس الأمة في أنقرة قد حظوا بالاحترام، وكان السوق المغطى جامعة، ولكن لا أحد يتخرج منه الآن ".
ويقول أن الأعمال تزداد سوءا الآن، وهو يلخص حالة السوق سواء من حيث العلاقات بين التجار ومن حيث الحوار مع العملاء: العمل سيء للغاية، وقد ارتفع الدولار، وعندما كان يرتفع في الماضي كان يحدث ذلك، ولكن ليس بهذا القدر من السوء، وفي ذلك الوقت عندما كان أحد التجار يواجه خطر الإفلاس كنا نجمع النقود فيما بيننا...
والآن يقولون ليفلس الرجل، ولنشتري محله، والحوار بين العميل والبائع أيضا سيئ للغاية، ويقول التجار "يا أختي، يا عمتي، يا أختي الكبرى"، وهل أنت بائع خضار؟ أنت صائغ، وكنا نقول يا سيدتي، وكان العملاء يطلبون منا مشاهدة البضاعة بود، أما الآن فهم يقولون "أخرج هذا لأراه"، لقد دخلوا في إضبارة التاريخ، وأنا لا أرى المستقبل مُشرقا.
 

السوق المغطى
رافي اكسر

 

خبير الأحجار الكريمة رافي إكسر 52 سنة، شمّ رائحة السوق أول مرة عندما كان عمره سبع سنوات، ووفقا لإكسر، لفترة من الوقت كان من الصعب أن تجد الصناع المهرة الأرمن، دعك من الأرمن، حتى كان العثور على الصناع المهرة صعبا، وهو يتحدث عن أن وجهة نظر التجارة والناس قد تغيرت:
في وقت سابق كان يتم كسب المال، ولكن كان يتم إعطاء حق المال، وكان ذلك يتم من أجل الفن، والآن، هناك عدد كبير من النصابين، ولو كان هناك رجل لا يعرف كيفية العمل، يقول إنه صائغ، لا يمكنك أن تتعلم الفن في الجامعة، وأنت بحاجة إلى وقت، والصبي الذي يبدأ في سن التاسعة لا يمكن أن يتعلم أي شيء إذا ترك معلمه قبل سن الذهاب إلى الجندية،  لقد أصبح التعليم الأساسي 12 عاما، وقد انتهى هذا الأمر، لن يتم الجمع بين المدرسة وبين السوق ".

وإكسر منزعج للغاية من الوضع الحالي للعملاء والتجار، وهو أولا، يلخص الحالة الراهنة لتاجر السوق المغطى بالكلمات التالية:

التجار لا يطورون من أنفسهم الآن، ونحن، التجار، لدينا القدرة على الجلوس مع كل شخص، ومناقشته في كل الموضوعات، وذلك ليس بالدراسة، وإنما هذا يأتي من الحياة، ونحن نرى أناسا كثيرين مختلفين، بحيث إننا نتعلم منهم أشياء كثيرة على مر الزمن، وكنا نطور أنفسنا، وعندما كان تاجر أو صبي يسرق المال هنا، لا يمكن حتى أن يخطو خطوة واحدة في التسوق طوال حياته، والآن إذا لم تكن لصا، فأنت لست موضع التقدير ".

ويقول إكسر إن الاقتصاد يزداد سوءا، و لكنه يذكرنا قائلا "في الماضي حتى في حرب الخليج"، كان العمل كثيرا، وهو على عكس الاعتقاد الشائع، يؤكد أن العمل الرئيسي لتجار السوق المغطى يكون مع السكان المحليين، ويقدم مثالا من الاقتصاد: 

صاحب المتجر هنا لا يعمل مع السياح، والعرب لا يشترون أي شيء، وهم يتوارون عن الأنظار، وإذا حسبت ذلك فإنّ مساهمتهم هنا لن تبلغ حتى واحد في المئة، نحن لا يمكننا الآن أن نحضر نقودا إلى المنزل، ونواصل أكل ما هو متاح، نحن نعيش يوما بيوم، ولا أعرف ماذا سيحدث بعد أسبوع ".

وذكر أن التغيير في السوق قد تسارع بعد عام 2002، ولا يوجد الآن المزيد من المال لدى الناس في تركيا، وينهي حديثه بالكلمات التالية: 

"جاءت أول إشارة للتغيير في التسعينات، وانتهت تماما بعد عام 2002، والآن الناس ليس لديهم أموالا في جيوبهم، وهم يضعون ربع أجرهم الأسبوعي جانبا، والآن هم لا يمكنهم كسب رزقهم، ترى هل سيمكنهم شراء الذهب حتى عندما يتزوجون؟ الناس يفلسون بسبب بطاقة الائتمان، وهم مضطرون إلى ذلك، أنا لدي طفلان، ولو كانوا قبل 20 عاما، فإنهم كانوا يأتون إلى هنا سواء أرادوا أم لا،  نحن نعاني، وابني ليس عدوي، حتى أوصيه اليوم بأن يعمل بمهنتي. "

 

السوق المغطى
ليفون مارديكيان

 

وكان ليفون مارديكيان (52 سنة) في السوق منذ 1981، وهو من الجيل الأخير الذي كان والدهم يقول لهم "إما المدرسة أو السوق المغطى".
وهو اليوم يدير متجر معلمه، ويقول إن مهنة المجوهرات لا يعيرها أحد اهتماما، والعمل اليدوي فقد قيمته الآن.:
"الرجل يبيع قطعة الأرض الخاصة به في القرية، ويأتي ويصبح صائغا، هل يصبح الإنسان صائغا بالمال فقط؟ إنها مهنة تتطلب الصبر، والخاتم الذي كان يصنع في يومين، يتم الآن صناعته في ساعة، إنهم يريدونه الآن مجانا تقريبا، الذهب خفيف، وإذا رأينا خاتما قديما؛ فإننا يمكننا أن نعرف تاريخه، وحتى من صنعه".
عبر مارديكيان عن أن الاقتصاد يزداد سوءا بالتدريج، وليس السوق فقط، ولكن تركيا تغيرت:
"ولا توجد نقود بالنسبة للمهن القديمة، كانت هناك بركة في المال، والآن إذا كسبت 500 دولار في الأسبوع، تنفد على الفور أيضا، وقد تغير الناس أيضا، في تركيا، إنّ هذا ليس له علاقة بالسوق فقط، هذا له علاقة بي، وبك، وبه، كان الناس في غابر الأيام صادقين، وكانوا يخجلون من السرقة، الآن يُقال للص أحسنت ".
السوق المغطى اسطنبول
آرام قالق

 

كان آرام قالق صائغا منذ سن الحادية عشرة، وهو يصف كيف جاء إلى السوق الذي كان مكانا به علاقة بين الصبي ومعلمه الماهر في وقت من الأوقات، ويتحدث عن الوضع الحالي للسوق على النحو التالي:
"كان جو السوق رائعا، وعندما كنت في الحادية عشرة أردت أن أكون هنا، وانتهت علاقة الصبي بمعلمه، وقد انتقلت من مرحلة التدرج المهني كصبي، وأصبحت مالكا لأحد المحلات، ومن لديه نقود الآن يفتح متجر، ولابد من مرور وقت، للقيام بذلك العمل، أنا الآن عمري 46 عاما، ولازلت أتعلم، أنا لا أقول لابني تعال، إنه في الرابعة من عمره، ولكن عندما يأتي إلى متجري يقول "أنا سوف أدرس"، وهو يرى ذلك أيضا".
يقول قالق أن التغيير يحدث بشكل سريع بعد الألفية، وإنه لا توجد هناك متعة لدى الناس في بنية الإنتاج الذي يتغير مع التكنولوجيا:
لم يعد العمل الذي أصبح في المصنع له جاذبية، ولا يوجد عمل يدوي،  وفي الماضي كنا ننظر إلى أيدي الصناع المهرة الأرمن لنتعلم منهم، الآن كل شيء بالآلة، وكانت الألفية هي البداية، وعلى سبيل المثال، فقد ظهرت قلادة الخلود، وقلادة الاسم، وبدأ الجميع يرتديها، في الماضي، كان الناس يحبون ارتداء الأشياء الخاصة بهم، نحن لا نخاطب العرب، فأسلوبهم مختلف، والسوق لن يعود مرة أخرى كما كان قديما.
السوق المغطى
مراد اتاكليغان

 

مراد اتاكليغان، 46 سنة، يعمل صائغا في السوق منذ 34 عاما، ويقول اتاكليغان إن العمل حتى في بداية العام، ليس كما كان عليه قديما، وأن السبب في هذا وجهة نظر الحكومة:
"قديما كان هناك الكثير من العمل في بداية العام، والآن يتم الخلط بين رأس السنة وعيد الميلاد، وهذا له علاقة بالسلطة، والناس يخشون التسوق حيث ظهرت السنة الجديدة بشكل مختلف، ماذا عسانا أن نفعل، نحن ننتظر عيد الحب، وعيد الأم ".
ويؤكد اتاكليغان أن اقتصاد السوق واقتصاد تركيا مرتبطان ببعضهما البعض، مؤكدا أن تركيا أصبحت الآن دولة استهلاك، وأنهى حديثه بالكلمات التالية: 
"إن المجتمع المستهلك ليس شيئا جيدا، وهناك المزيد من الاستهلاك في تركيا، ولكن لا يوجد إنتاج، وكانت تركيا تكفي نفسها قديما، ولكن انظر الآن إلى العجز في التجارة الخارجية، الدولار آخذ في الارتفاع، والسلعة التي ثمنها 2000 ليرة، يصبح ثمنها بعد شهر واحد 2700 ليرة، وأوضح مثال على التغيير في السوق هو أن بائعي فساتين الزفاف وبائعي العطور كانوا فيما سبق يُصبحون صاغة، أما الآن فالصاغة يصيرون بائعي ملبن، إن السوق المغطى الذي عمره بضعة قرون يتغير، ولكن لا أستطيع أن أعرف ماذا يحدث. "
السوق المغطى اسطنبول
علي غولر

 

أما علي غولر محلل الذهب فهو أحد أقدم الأشخاص في السوق، وقد عمل كثيرا في السوق منذ عام 1969، ويتذكر غولر باشتياق الأيام القديمة، ويقول:
"كنا قديما نعمل ساعات إضافية كل ليلة، وكان هناك عمل كثير، لم نتمكن من تحقيقه، والآن لا يوجد عمل، ولا مال ".
أما الحرف اليدوية، والحرفيين القدامى وأخلاق السوق، فقد كانت هي التاريخ، ووفقا لما يقول غولر، فقد بدأ التغيير في الاقتصاد والسوق في عام 2005:
في عام 2005، كان ثمن أوقية الذهب 500 دولار، لقد تغير كل شيء، وكل شخص يقول اليوم لقد أفلست، ولم يدفع نقودا لأي شخص، وعندما ارتفع الذهب، باعوا ذهبهم، وأكلوا،  والسياح لا يأتون أيضا، والسكان المحليون أفضل من العرب ".
وينهي علي غولر الذي يبلغ عمره 60 عاما، كلامه قائلا " إن المستقبل سيء، ولكن بالرغم من كل شيء فإن رائحة السوق حتى مختلفة:
"هناك جامعة للمجوهرات، ما الفن الذي يعلمونه هناك؟ هل يمكن ذلك بدون العمل اليدوي؟ لا شيء سوف يتحسن، أنا هنا منذ 50 عاما، وأريد أن أبقى 50 عاما أخرى، ولكنني تعبت كثيرا، وسأصبح على ما يرام".

 

السوق الكبير اسطنبول
صورة قديمة لعلي غولر - أقصى اليسار

يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً: