ديسمبر 14 2018

إسطنبول.. من التجديد الحضري إلى الاضمحلال

حي فيكيرتيب في وسط إسطنبول.. كانت الحكومة ذات يوم تروج له على أنه رائد التجديد الحضري في تركيا، والآن فيكيرتيب مدرج على جدول الأعمال مرة أخرى، ولكن هذه المرة كرمز للتراجع الاقتصادي للبلاد في الآونة الأخيرة.
يقع حي فيكيرتيب على التلال فوق مضيق البوسفور بالقرب من حي كاديكوي وحي أوسكودار، وعلى مقربة من دي-120، وهو طريق رئيسي يمر عبر الجانب الآسيوي من إسطنبول. كان الحي معروفاً في وقت من الأوقات بثقافته القوية وبعدد كبير من الطلاب، الذين استأجروا المساكن بالقرب من الجامعات القريبة. ومع ذلك، عندما أخطرت الحكومة سكانه البالغ عددهم 100 ألف شخص بأن ثمة مشروعاً للتحول الحضري في طور الإعداد، رحب به معظم الناس، مع علمهم أن الأموال والبنية التحتية الجديدة سوف تتدفق على الشريحة الدنيا من الطبقة الوسطى.
انطلق المشروع في عام 2010. بدأ المقاولون في الاستحواذ على المنازل والأراضي في مقابل وعود بشقق ومحلات تجارية جديدة. وإلى حين اكتمال أعمال البناء، سيحصل الناس على إيرادات تأجير من الشركات. في حين قام البناة بتقديم عروضهم المالية للسكان المحليين في شوارع فيكيرتيب، تدخلت بعض الشركات الانتهازية الأخرى العاملة في الاقتصاد غير الرسمي، سعياً وراء جني الأموال عن طريق شراء العقارات ثم بيعها لشركات البناء بسعر أعلى. أصبحت المنطقة خلية من النشاط العقاري التركي.
جرى تقسيم حي فيكيرتيب إلى 61 "جزيرة" أو قطاعاً من الأرض تضم ما بين أربعة و35 فداناً. تم إنشاء لجنة لكل منطقة تكون مسؤولة عن إجراء المقابلات والتعامل مع المتعاقدين المعينين بهدم المباني وبناء أخرى جديدة في مكانها.
ومع ذلك، لم يوافق جميع المقيمين في حي فيكيرتيب على المشاركة في خطط الحكومة. وقال إركمنت أوروج، رئيس جمعية فيكيرتيب ومرديفينكوي التعليمية، إن هذا أثار على ما يبدو مشكلة تحتاج إلى حل سريع.
قررت الحكومة تطبيق القانون رقم 6306، الذي يسمح لها بهدم وإعادة بناء المباني التي تعتبر عرضة لخطر الانهيار أو عرضة لخطر الكوارث الطبيعية. أصبحت مباني حي فيكيرتيب مثل الصروح. وبالتالي، فإن أولئك الذين لم يوافقوا على خطط الحكومة مطالبون الآن بذلك بموجب القانون.
عندما بدأت مشاريع البناء الضخمة وبدأت المباني الجديدة في الارتفاع في جميع أنحاء المنطقة، بدأت تظهر مشاكل أكبر. لم تستطع شركات البناء بيع ما يكفي من الشقق التي قامت بتشييدها أو اتفقت على إقامتها. كان الاقتصاد الأوسع يعاني، وكان التضخم يتسارع وكذلك أسعار الفائدة على قروض الرهن العقاري.
بدأ التباطؤ في صناعة البناء، مدفوعاً بارتفاع تكاليف القروض وفائض في المعروض من المباني، في التسارع هذا العام مع ارتفاع أسعار الفائدة إلى آفاق جديدة في حين ارتفعت تكاليف البناء بمعدل يربو على 40 في المئة.
توقف البناء في العديد من مواقع البناء في حي فيكيرتيب. ثم بدأت بعض الشركات العاملة في المنطقة تلجأ إلى الحماية القانونية من الدائنين، في حين أخفق آخرون في دفع تعويضات، في شكل إيجار، إلى السكان الذين أخلوا منازلهم للسماح ببدء عملية البناء.

أيوب غوبول، أحد المقيمين، يقول إن حي فيكيرتيب يشبه مقبرة البناء
أيوب غوبول، أحد المقيمين، يقول إن حي فيكيرتيب يشبه مقبرة البناء

قال أوروج "عندما اندلعت الأزمة لم يعد بإمكانهم البيع، وارتفعت التكاليف.. الآن الشركات التي قامت بالبناء هنا تشعر بالندم على ذلك. فهم لا يطلبون حتى الربح بعد الآن، إنهم يريدون فقط أن يأتي الناس ويشترون الشقق. هذا يكفي".
وتابع أوروج قائلاً إن عدداً من الشركات الوطنية الكبرى العاملة في فيكيرتيب كانت من بين الشركات التي تقدمت بطلبات للحصول على حماية من الإفلاس. وشملت هذه الشركات إيماي للإنشاء ونوهوغلو للإنشاء وجيالان للإنشاء. وقال إن الأعمال في العديد من الشركات الأخرى تتوقف بالتدريج.
وقال أوروج إن المستثمرين الأجانب الذين شاركوا ذات يوم في المشاريع انسحبوا أيضاً. وكان من بينهم أحد أفراد أسرة أمير دولة قطر، وهو حليف سياسي مقرب من الرئيس رجب طيب أردوغان الذي أصبح شريكاً في أحد المشاريع.
ثمة حوالي 30 ألفاً من سكان فيكيرتيب هم الآن ضحايا لما لا يمكن وصفه إلا بأنه الانهيار المالي لمشروع الحكومة. وقال أوروج إن أنقرة يجب أن تقبل الآن الموقف وتتدخل لمساعدة الناس العاديين مع إلغاء شركات البناء لصفقاتهم.
وقد وعدت الشركات بملكية حجم معين لأولئك الذين وافقوا على إخلاء منازلهم. سيكون العرض النموذجي مبادلة مساحة 100 متر مربع بمساحة 250 متر مربع. لكن الآن البناة الذين لا يزالون يعملون في المنطقة يقدمون أقل بكثير مما وعدوا به في البداية، إذ يبلغون السكان أنهم يجب عليهم تقاسم العبء المالي إذا أرادوا استكمال المشاريع.
وقال أوروج "يجب على الدولة اتخاذ تدابير ضد خطر الاحتيال.. يجب على الدولة سن قوانين تحكم التحول الحضري لحماية عموم الناس".
كما تتغير التركيبة السكانية لحي فيكيرتيب بسبب فشل مشاريع البناء هناك. وقد احتل مهاجرون من أفغانستان وأوزبكستان بعض المباني الفارغة. كما أصبحت المخدرات مشكلة، فضلاً عن الدعارة، وفقاً للسكان المحليين.
وقال أوروج "لقد تقدمنا بشكوى إلى الشرطة وسلطات الحي، لكن لم يكن هناك أي حل لهذه المشاكل".
لا يزال الكثير من حي فيكيرتيب عبارة عن مواقع غير مكتملة وشوارع نصفها مدمرة علاوة على المباني الشاغرة. وقال ياسين بيكطاش رئيس جمعية فيكيرتيب للتحول العمراني إن مدينة من الخيام أقيمت كوسيلة للمقيمين للاحتجاج على تقاعس الحكومة عن اتخاذ إجراء. وقال إن عشرات الآلاف من الناس يتأثرون سلباً بمن فيهم 20 ألفاً ممن يملكون منازل تضررت أو كان من المقرر هدمها وهي الآن عرضة لخطر الانهيار.
وقال أيوب غوبول، وهو من السكان المحليين وقد أخلى منزله، إن موارده المالية قد تقلصت بسبب التعهدات التي لم تنفذها شركات الإنشاءات وبسبب عدم وجود مساعدة حكومية.
وأردف غوبول قائلاً "كنت أملك منزلاً وسيارة قبل ثلاث سنوات. الآن لا أملك منزلاً ولا سيارة.. أنا أقوم بدفع إيجار شقة، لكن المقاول لم يدفع الإيجار في عقاري لمدة عامين".
وقال وكيل عقاري "لا توجد شركات تستطيع بيع هذه الشقق.. تضاعفت أسعار الفائدة تقريباً. حي فيكيرتيب يشبه مقبرة البناء".


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/urban-transformation/istanbul-neighbourhood-turns-urban-renewal-degeneration
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.