اومت كرداش
ديسمبر 09 2017

إضفاء الطابع الاعتيادي على العنف في المجتمع التركي

العنف الذي أنتجه النظام العالمي؛ حاصر الإنسانية بالحروب، والمذابح الجماعية، والهجرات المميتة، واللاجئين، وقتل الأفراد، وقد دخل العنف حياتنا، وعلاقاتنا، وحينا، وشارعنا، ومنزلنا على هيئة موجات.
ولا يدرك المجتمع الحديث أن العنف يستند إلى ما نسميه الحضارة، بيد أن الحضارة يمكن أن توجد بمعيار يتم تنقيته من العنف.
وجيل الألفية بانفصاله عن المجتمع، وعزلته، عندما يلجأ إلى التلفاز، والإنترنت، فهو يستهلك العنف المرئي كما يستهلك أي شيء.
وبالنسبة لهذا الجيل، فهو ينفصل عن الواقع من خلال استهلاك كل شيء، بما في ذلك صور العنف والموت، التي يجعلها تمر من خلال تكنولوجيا العقل. 
إن النظام العالمي الأبوي، الذي يستخدم تكنولوجيا العقل من خلال مجتمع الاستهلاك، ويفصل الناس عن الواقع، ويجعلهم صم ومعوقين ذهنيا، يطبق بطريقة أكثر خطورة على الآخرين، وفي الغالب ضد النساء، من خلال الخطاب الذي يروج للعنف والكراهية في السياسة في تركيا.
أين تقف تركيا في دوامة العنف هذه؟ إن المجتمع الذي يصبح عصريا بسرعة مع كتلة المحافظين، بينما هو تحت سيطرة تكنولوجيا العقل لنظام الاستهلاك العالمي الذي يشجع على الاستهلاك من ناحية، نجده يواجه كل العواقب الشريرة للجشع البشري والأنانية من ناحية أخرى.
ويمكن للشبان أن يقتلوا بوحشية الفتيات الصغيرات، ويمحو جثثهن بمساعدة العائلة، ويمكن للرجال البالغين قتل زوجاتهم، وأحبائهم، ويمكنهم أن يؤذوا الحيوانات.
ويمكن لأصحاب العمل أن يرسلوا الأشخاص الذين يعملون لديهم إلى الموت عن عمد، وقطاع مهم من الناس الذين يتأثرون بالعقول الأنانية التي تستند على أساس المصالح الفردية والسياسية لا يزال يعيش ثقافة الإعدام الغاضبة المتوارثة. 
وتؤدي ممارسات سلطة الدولة والعسكريين والشرطة إلى وقوع ضحايا، ومنع سبل الإنصاف القضائية، وإبعاد القضاء عن هدف تحقيق العدالة.
وقد أثبت ميم كمال أوكي في كتابه، الذي له طابع الدردشة، والمعنون بـ"الرقص والإيقاع مع الآلهة، والرقص والروح الأفريقية"، أن بنية الهوية- الشخصية المغلفة بثقافة العنف للسادة البيض المستعمرين في إفريقيا قد تم اعتمادها باعتبارها "نموذجا يحتذى به" العبيد السابقون، ويقول:
إن فكرة إبقاء عبودية الزنوج حية في ذاكرتهم كل لحظة، ستجعل من الأسهل بالنسبة لنا أن نفهم كيف انتشرت ثقافة العنف في روح الإفريقي، وهكذا، فإن المستعمرين، يعيشون هذه المرة في روح الإفريقي، كمنعطف للقدر، والآن، يمكنك أن تقول أن الإفريقي "يتجرع عدوه"، هذه المتلازمة.
ويعلن أوكي أن الشخص الحي قد كرر تلك التجربة الملعونة للغرب في الواقع، إلى حد أنه انطوي على العثور على هويته وروحه من خلال تسييس الغضب والكراهية.
وفي الواقع فإن هذه النتائج صالحة ليس في أفريقيا فقط، بل أيضا لجميع الضحايا الآخرين.
فالضحايا موجهون عاطفيا وعقليا نحو هذه الظاهرة، وبعد فترة من الوقت يستوعبون روح الشخص الآخر الذي يستخدم العنف، ويتحولون من مظلومين إلى ظالمين من دون وعي.
وكل شخص يعيش في هذا النظام لديه القدرة على أن يكون الجلاد والضحية على حد سواء، والعالم وتركيا جحيم مليئة بالشذوذ.
أما وسائل الإعلام فهي تخلق الوهم بالواقع من خلال تغطية هذه الانحرافات وإخفائها، ويجب علينا أولا أن نتساءل عن هذا الجحيم.
فالنضال بين قيمة العدالة والوضعية العارية ينشأ بين الأخلاق والسياسة، وبين العقل والضمير والطمع، وبين دولة القانون والدولة الاستبدادية، وبتحليل نهائي فإن هذا الصراع هو بين الإنسانية والمنفعة والمصالح السياسية، وكثيرا ما لا تتصرف الدول بقيم العدالة والإنسانية.
وأحيانا يكون هناك صراع وتوتر بين الحياة والأفكار، ومهمة الإنسان هي التوفيق بين الدينامية الحية وبين دينامية الفكرة، وتخفيف حدة هذا التوتر، والقضاء عليه إن أمكن.
ونتيجة لذلك، فإن القواعد التنظيمية للقانون الذي يحاول الإنسان تحقيقها هي الحقيقة والحرية والعدالة، فالقوانين تسير جنبا إلى جنب مع العدالة والحرية، وعندما يتم فصلها عن هذه القيم، تصبح فقط إرادة وقوة خام في صورة القانون.
إنه انعدام القانون، والعنف الذي يقوم على القرارات التي يتم إصدارها بواسطة المراسيم بقانون في ظل نظام حالة الطوارئ اليوم.
ووفقا لبيان وزارة العدل الصادر في يوليه 2017، فقد تبين أن هناك 168 ألف و801 شخصا قد تم التعامل معهم قضائيا بعد محاولة الانقلاب في 15 يوليو، وصدر قرار باعتقال 8 آلاف و69 شخصا خلال سنة، وهناك 50 ألف و504 محتجزا، تم الإفراج عن 48 ألف و371 شخصا بشرط المراقبة القضائية.
وهناك فقدان للحضارة في بلد أصبحت فيه السجون مستودعات بشرية، كما تسارعت وتيرة بناء السجون وقاعات المحاكم الجديدة.
هل من الممكن بناء ديمقراطية تقوم على فلسفة تعددية- أغلبية، وتضمن السلام والحرية ضمانا قانونيا، في ظل هذه التقاليد الثقافية، وفي مناخ العنف هذا؟
وهل ستخضع البيروقراطية العسكرية، والبيروقراطية الأمنية المدنية، والوكالات الاستخباراتية لتغييرات هيكلية من شأنها أن توفر الشفافية، والرقابة الديمقراطية، كما ينبغي أن تكون في الديمقراطية؟
وهل ستخضع الآلية القضائية لتحول هيكلي وعقلي يمكن أن يفي بواجب المحاكمة العادلة؟
وهل هذه التغييرات الهيكلية التي يتعين القيام بها يمكن أن تحدث في نظام تعليمي، من شأنه أن يغير عالمنا العقلي، ويحدث تغييرا في آلية إدراكنا، بحيث يمكن أن تنعكس على الحياة ؟
وبينما تثار جميع هذه الأسئلة والشكوك، فإن اللغة والأسلوب اللذين يحثان على النضال والكفاح، واللذان تستخدمهما العناصر الفاعلة السياسية ووسائل الإعلام، تحملان على اليأس من العيش في سلام.
ما هي النقطة التي وصلنا إليها في نهاية فترة 90 عاما، لم تتمكن فيها الجمهورية من خلق مواطن، ولم يتمكن نقصان الديمقراطية من إخراج الفرد من طي النسيان، وابتعد فيها القضاء عن العدل، بواسطة نظام قانوني زائف؟
فالسياسة المستقطبة والتي لا توجد حلولا، هي مجتمع متعدد الأقطاب، وثقافة تولد التوتر والعنف.
إنها قومية عنصرية مفهرسة للدولة التي تغذى من هذا التوتر، حيث يشارك فيها جزء كبير من المجتمع المتدين.

 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: