دنيز أوز
أبريل 08 2019

إعادة فرز الأصوات في تركيا تنسف نزاهة الانتخابات

أجريت الانتخابات المحلية في تركيا ليلة يوم الأحد من الأسبوع الماضي، ولكن بسبب الطعون المستمرة من حزب العدالة والتنمية الحاكم، لم يتم فرز الأصوات رسميا في مناطق وبلديات رئيسية بالبلاد.

لقد أظهرت عمليات الفرز الأولية للأصوات فوز أكرم إمام أوغلو مرشح حزب الشعب الجمهوري، حزب المعارضة الرئيسي، لمنصب رئيس بلدية إسطنبول على منافسه من حزب العدالة والتنمية بن علي يلدريم بفارق يزيد على 27 ألف صوت.

غير أن الحزب الحاكم يرفض حتى الآن قبول نتيجة الفرز، وطالب بإعادة فرز جميع الأصوات الباطلة التي أدلي بها في المدينة وعددها 319 ألفا و558 صوتا.

ورفضت المجالس الانتخابية في مناطق من بينها حي بك أوغلو في وسط المدينة الطعون، واصفة إياها بأنها لا أساس لها وتفتقر إلى الأدلة. بيد أن مناطق أخرى في أنحاء المدينة بدأت عمليات إعادة الفرز، وبحلول مساء يوم الخميس اتخذ القرار بفرزها جميعا.

واتخذ حزب الشعب الجمهوري إجراء قانونيا لوقف عمليات فرز الأصوات في أول سبع مناطق بدأت الفرز، مستندا إلى قواعد الانتخابات المحلية، وجرى تجميد عمليات الفرز مؤقتا. ولكن في الثاني من شهر أبريل، عقد المجلس الأعلى للانتخابات اجتماعا استثنائيا، وقضى بمواصلة عمليات الفرز.

يتناقض ذلك تناقضا صارخا مع ما حدث في 2014، حين خسر مرشح حزب الشعب الجمهوري لرئاسة بلدية أنقرة في انتخابات ثار حولها جدل شديد أمام منافسه من حزب العدالة والتنمية ورئيس البلدية الحالي مليح غوكجك. وعلى الرغم من أن الفارق كان بنفس الضآلة تقريبا، رفض المجلس الأعلى للانتخابات طعنه واصفا إياه بأنه لا أساس له، ولم تكن هناك أي إعادة لفرز الأصوات.

ولم تكن انتخابات 2014 وتلك التي أجريت الأسبوع الماضي هما المرتين الوحيدتين اللتين يتخذ فيهما المجلس المشرف على الانتخابات الخاضع لإدارة الدولة قرارات مثيرة للجدل بتوجيه من رئيسه الحالي سعدي غوفن.

فقد سبق وأن أصدر المجلس الأعلى للانتخابات تحت رئاسة غوفن مرتين قرارات بإلغاء شرط وجود الختم الأمني على أوراق الاقتراع كي يتم احتسابها ضمن الأصوات الصحيحة.

كانت المرة الأولى في شهر أبريل من العام 2017، حين أدلى الأتراك بأصواتهم في استفتاء على تعديلات دستورية للانتقال إلى نظام الرئاسة التنفيذية الذي يمنح الرئيس – رجب طيب أردوغان – صلاحيات واسعة. واعتبر الكثيرون هذه بمثابة نقطة اللاعودة قبل أن تدخل البلاد في نظام حكم الفرد الواحد تحت رئاسة أردوغان.

وبينما يجري فرز الأصوات، أعلن المجلس الأعلى للانتخابات فجأة أنه سيقبل أوراق الاقتراع غير المختومة. وجاءت النتيجة لصالح أردوغان بفارق ضئيل، إذ صوت 51.41 في المئة بالموافقة على التعديلات الدستورية مقابل 48.59 في المئة صوتوا برفضها.

أما المرة الثانية فقد جاء في الفترة السابقة للانتخابات الرئاسية والبرلمانية العام الماضي، عندما أضفى المجلس الأعلى للانتخابات الصبغة الرسمية على قبول أوراق الاقتراع غير المختومة.

وفي حين خفف المجلس الأعلى للانتخابات التدابير الاحتياطية الأمنية في أنحاء البلاد، تذرع المجلس بالمخاوف الأمنية في نقل صناديق الاقتراع بالمنطقة الجنوبية الشرقية التي تقطنها أغلبية كردية، والتي يتمتع فيها حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد بأكبر كتلة من الأصوات. ويقدر الحزب أن هذه الخطوة أثرت على 270 ألف ناخب.

الناس ينتظرون أمام مبنى المجلس الأعلى للانتخابات المحاط بالحواجز ويخضع لحراسة رجال الشرطة في الثاني من أبريل 2019 في إسطنبول
الناس ينتظرون أمام مبنى المجلس الأعلى للانتخابات المحاط بالحواجز ويخضع لحراسة رجال الشرطة في الثاني من أبريل 2019 في إسطنبول

ثمة خطوة أخرى تهدف على ما يبدو إلى تقليص عدد الأصوات التي تحصل عليها المعارضة اتخذت قبل الانتخابات المحلية التي أجريت في الحادي والثلاثين من مارس. ففي ظل آلاف الأشخاص القابعين في السجون بتهم سياسية، قضى المجلس الأعلى للانتخابات بأن الأشخاص المسجونين في أماكن بعيدة عن دوائرهم الانتخابية لن يسمح لهم بالتصويت من السجون المحتجزين فيها.

ولم يكتف المجلس الأعلى للانتخابات بذلك، بل اتخذ خطوة أخرى مثيرة للجدل، إذ قضى بطباعة 365 ورقة انتخاب لكل صندوق اقتراع، وهو ما يعني وجود فائض يبلغ 13 مليون ورقة اقتراع زائدة عن تلك التي طبعت للناخبين المسجلين البالغ عددهم 57 مليون ناخب.

ومدد حزب العدالة والتنمية فترة ولاية المجلس الأعلى للانتخابات لمدة عام في مشروع قانون شامل يتناول عدة قضايا مختلفة في شهر ديسمبر الماضي، ليسمح له بالإشراف على الانتخابات المحلية في الحادي والثلاثين من مارس، على الرغم من أن الدستور ينص على أنه لا يجوز إجراء الانتخابات خلال عام من تمديد ولاية المجلس الانتخابي.

ومن ثم، ليس من المفاجئ أن يعتبر الكثيرون المجلس الأعلى للانتخابات مجلسا متحيزا تحت رئاسة سعدي غوفن، ذلك الرجل الذي تولى منصبه بعدما عينه حزب العدالة والتنمية في عدة مناصب كبرى من بينها نائب وكيل وزارة العدل.

وفي تصريحات مثيرة للدهشة عقب توقف وكالة أنباء الأناضول التي تديرها الدولة عن تقديم المعطيات الخاصة بتطورات التصويت لمدة 13 ساعة، قال غوفن إن الوكالة لم تتلق أرقامها من المجلس الأعلى للانتخابات وإن مرشح المعارضة متقدم في إسطنبول، في خطوة وصفها عمر فاروق آغا أوغلو الرئيس السابق لجمعية القضاة والمدعين العامين بأنها خطوة اضطرارية.

وأضاف آغا أوغلو: "في حين كان من المفترض أن تكشف المجالس الانتخابية والمجلس الأعلى للانتخابات عن النتائج، إلا أنها كانت تأتي دائما من وكالة أنباء الأناضول. هذه المرة كانت هناك سيطرة أكبر قليلا على صناديق الاقتراع، وحين كشفوا (المراقبون) عن أرقام مناقضة لما ورد في تقارير وكالة أنباء الأناضول، وجد المجلس الأعلى للانتخابات نفسه مضطرا للتدخل، شاء أم أبى".

وتابع: "كان ينبغي لسعدي غوفن أن يدلي بتصريحاته قبل ذلك بكثير، لكنه لم يفعل. ونتيجة لذلك، سمح بالتأثير على انطباع الرأي العام. فقد أضاف ذلك بعدا جديدا تبدو فيه وكالة الأناضول كما لو أنها تعلن نتائج الانتخابات".

وأشار إلى أن ذلك يتعارض مع جوهر مهمة المجلس الأعلى للانتخابات المتمثل في ضمان نزاهة الانتخابات وعدم تدخل الحكومة فيها، "إذ يتضح من بيانات المجلس الأعلى للانتخابات مدى بعدنا عن حكم الدستور والقانون وإدارة الانتخابات بشكل عار من النزاهة".

ويقول أوغوز كان سالجي نائب زعيم حزب الشعب الجمهوري وعضو البرلمان النائب عن إسطنبول إنه بالنسبة لعمليات إعادة فرز الأصوات الجارية حاليا، فإن قرار المضي قدما في إعادة الفرز بدون موافقة المجالس الانتخابية المحلية هو أمر غير مبرر تماما.

وأضاف: "دائما ما تسعى المجالس (الانتخابية) إلى تبرير إعادة الفرز... لكن هذه المرة استطاعوا أن يتخذوا قرارتهم ويأمرون بعمليات الفرز بدون أي مسوغ لذلك".

 أعضاء حزب الشعب الجمهوري يحرسون الأصوات في أحد مراكز المجالس الانتخابية في إسطنبول
أعضاء حزب الشعب الجمهوري يحرسون الأصوات في أحد مراكز المجالس الانتخابية في إسطنبول

وأشار نائب آخر عن حزب الشعب الجمهوري، وهو محمود تانال، إلى أن قانون الانتخابات يشترط أن تكون جميع الطعون في عمليات الفرز الأولية مدعومة بأدلة ملموسة.

وقال: "إذا لم يقدم أي من ممثلي الأحزاب طعنا في الأصوات غير المؤهلة حين تجمع المجالس الانتخابية تقارير التصويت الرسمية، وإذا وقعوا على التقارير، فحينئذ لا يكون بإمكانهم تقديم طلب للطعن في عملية الفرز في وقت لاحق".

وأضاف: "تستند الطعون التي تطالب بإعادة فرز الأصوات في الوقت الحالي إلى حجج نظرية. لا يوجد أي مبرر ملموس، ولم تقدم أي أدلة".

ومع ذلك، استغل حزب العدالة والتنمية احتكاره للسلطة في المطالبة بإعادة فرز الأصوات، على الرغم من الرفض المبدئي من بعض المجالس الانتخابية المحلية، وفقا لما قاله سيزغين تانري كولو، النائب عن حزب الشعب الجمهوري في إسطنبول.

وأضاف: "لقد أظهر المجلس الأعلى للانتخابات للبلد بأكمله أنه فقد موضوعيته في الانتخابات السابقة أيضا، وقراره الذي يصب في صالح الحزب الحاكم هذه المرة لم يسفر إلا عن تعزيز هذا الرأي".

في الوقت نفسه، رفض المجلس الأعلى للانتخابات رفضا قاطعا طلبات حزب الشعوب الديمقراطي لإعادة فرز الأصوات في المحافظات الواقعة في شرق تركيا الذي تقطنه أغلبية كردية، حيثما حقق حزب العدالة والتنمية بعض الانتصارات المهمة على حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك حي ملازغرد في محافظة موش، حيث فاز الحزب الحاكم على حزب الشعوب الديمقراطي بفارق ثلاثة أصوات فقط. وفي منطقة تطوان بمحافظة وان، رفض المجلس الأعلى للانتخابات أيضا طعن حزب الشعوب الديمقراطي، على الرغم من أن إعادة فرز الأصوات الباطلة البالغ عددها ثلاثة آلاف صوت كانت من الممكن أن تغير النتيجة بسهولة.

وفي المحافظات التي خسر فيها حزب العدالة والتنمية، بما في ذلك سيرت في جنوب شرق تركيا، تمضي عمليات إعادة فرز الأصوات قدما دون أي اعتراضات من المجلس الانتخابي.


 
يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/local-elections/controversial-recounts-endanger-turkish-electoral-boards-integrity