جنكيز أكتار
مارس 22 2018

إعلان عفرين التركية على أنقاض عفرين السورية

زف القائد العام للقوات المسلحة التركية البشرى يوم الأحد الماضي في مدينة جناق قلعه، قائلاً "عاد 140.000 شخصٍ إلى ديارهم في جرابلس في سوريا، وسيعود إخواننا من سكان عفرين إلى ديارهم في المدينة كذلك. سنتخذ، تزامنًا مع ذلك، كل ما يلزم؛ كي نجعل المنطقة صالحة للسُكنى". 
من ناحية أخرى، نشرت جريدة نيويورك تايمز صباح أمس خبرًا؛ أكَّدت من خلاله على أن الحكومة التركية شكلت بالفعل مجلساً جديداً لمدينة عفرين، وأن هذا المجلس سينتقل إلى المدينة؛ لممارسة مهامه في أقرب وقت.
وقبل هذا كانت الأخبار تتناقل من داخل الأراضي السورية التي احتلتها القوات المسلحة التركية، ومجاهدو آخر الزمان غير النظاميين الذين يقاتلون إلى جوارها على النحو التالي:
سويلو: لدينا تمركزات في أعزاز، وجرابلس، وفي مدينة المعرة (معرة النعمان).
يبحث حزب العدالة والتنمية عن طبيبٍ متطوع؛ كي يرسله إلى جرابلس!
وزارة الصحة بصدد إنشاء مستشفيات جديدة من أجل سوريا.
تركيا تبعث برسالة إلى الخارج بإقامة قاعدة عسكرية في جرابلس.
قوات الشرطة، التي دربتها تركيا، بدأت في مزاولة عملها في جرابلس.
هيئة البريد تفتتح فرعاً لها في جرابلس.
تركيا تقيم مجمعاً سكنياً يسع 80.000 شخصٍ في مدينة الباب السورية.
ها هي "الخطوات التي ستجعل المنطقة، التي تحدث عنها القائد العام في مدينة جناق قلعه، صالحة للسُكنى" تجري على قدمٍ وساق في المدن السورية الأخرى التي احتلتها تركيا قبل عفرين.
ها هي تركيا تقيم وحدات إدارية جديدة في الأراضي التي احتلتها، تمامًا كما كانت تفعل الدولة العثمانية في الأراضي التي فتحتها.
سينتقل المدنيون، والخدمات الصحية والتعليمية، وخدمات الإعلام، والخدمات الشرطية إلى الأراضي المحتلة بعد استقرار العسكريين هناك. 
سينفذون هذا بشكلٍ ممنهج ومنسق؛ حتى يمكنهم إعادة رسم خريطة المكان بأكمله هناك. سيعيدون كتابة تاريخ تلك الأراضي وثقافتها.                    
تمتلك الدولة خبرة واسعة، ورصيدًا ضخماً في أعمال التخطيط المجتمعي؛ ورثته عن الدولة العثمانية. 
لجأت تركيا في عصر الجمهورية إلى تبني حركاتٍ عملت على تتريك الأعراق المختلفة الأخرى، وتحويلها إلى المذهب السني، منتهجةً في ذلك سياسة المُبادلة، والتوطين الجبري، والاستيعاب، وذلك بعد حركات أخرى مشابهة، استهدفت استئصال المسيحيين من الأناضول في بادئ  الأمر، ثم القضاء على الأكراد والعلويين في أعقاب ذلك.
وفي فترة زمنية قريبة قاموا بتنفيذ حركات "تطهير" في مدن سور، وجيزرا، وسيلوبي، وشيرناق، ثم أتبعوا ذلك بفرض سياسة تتريك جديدة عن طريق تعيين حارس قضائي يتم تعيينه على البلديات التي يرأسها أتباع حزبي الشعوب الديموقراطي، والسلام والديموقراطية.

تُظهر الصورة التي التُقطت في عام 2016 بعد انقضاء العام الأول من فرض حظر التجوال في مدينة سور مدى الدمار الذي حل بالمدينة
تُظهر الصورة التي التُقطت في عام 2016 بعد انقضاء العام الأول من فرض حظر التجوال في مدينة سور مدى الدمار الذي حل بالمدينة

وفي عام 1939 قامت تركيا بأمرٍ من مصطفى كمال أتاتورك بضم لواء الإسكندرونة إليها، وكان تحت الانتداب الفرنسي في ذلك الوقت، الذي قام بتلفيق اسم "هطاي" إلى هذه المنطقة بدلاً من اسم  "أنطاكية" الذي عُرفت به طوال 4000 عام.
ولا يخفى على أحدٍ كذلك الاحتلال التركي لشمال قبرص منذ عشرات السنين.
يصرون على إدراك غايتهم بتنفيذ المخطط لنهايته على أراضٍ مأخوذة من منطقة درع الفرات في شمال سوريا. وإلى جانب الخدمات التي جرى الحديث عنها أعلاه، فمن الوارد أن يقوموا بإجراءاتٍ أخرى؛ من شأنها تجريد المنطقة من العنصر "الكردي السيئ"، وسيسعون، تزامنًا مع ذلك، إلى تكوين "لواءٍ أو محافظة جديدة داخل حدود الدولة" يتم توطين العرب المؤيدين لتركيا بها، جنبًا إلى جانب، مع الأكراد المعارضين لحزب الاتحاد الديموقراطي. 
أما بالنسبة إلى حديثهم المتكرر عن "الملاك الأصليين" في موضوع سوريا، فهو لا يعدو كونه غطاء لصرف النظر عن نيتهم الحقيقية هذه.
ولكن إذا أردنا جوهر هذا الحديث، فأنقرة لن تسمح بأي ظهورٍ رسمي لجماعات جديدة صادقة في تلك الديار.
ولكننا لا نعرف كيف سيجردون هذه المنطقة بأكملها من العنصر "الكردي السيئ" ، وكيف سيكون حال مواطنين، معظمهم من الأكراد، تحت هذا الاحتلال، وأي رد فعل سيبدونه حيال ذلك.
لم تهتم الأغلبية الساحقة من أبناء الشعب التركي، وكافة أحزاب المعارضة، عدا حزب الشعوب الديموقراطي، الذي يقض مضجعه ما حدث، ﺒـ " نشوة النصر" التي يتشدقون بها.
سقطت المعارضة الكردية في وضعٍ استشرت فيه لغة الكراهية التي غذّاها حس انتقامٍ ساحق، لا يعرف للرحمة طريقاً. 
أدين هذه الهمجية، وهذه اللغة المتدنية، بقدر إيماني بحقوق هذه الجماعات. هذه هي لغة "حق النصر" التي يتحدثون عنها.
أصبحت الأمة الحكيمة ضريرة، صمّاء إزاء كل ما يحدث من ظلمٍ، واستضعافٍ، ونهبٍ، وتخريبٍ حدث أثناء صداماتٍ وقعت خلف الحدود باسم الجهاد، والفتح.
عندما يموت جندي تركي فهو شهيد فاتح، أما الجندي الكردي الذي قضى نحبه في المعركة، فهو "جيفة" قذرة. أصبحت الأمة الحكيمة هي التي بحاجة إلى الكفن والجنازة، لا الموتى...
كانت الدولة العثمانية قديمًا تطرد الأعداء من داخل حدودها، أما الآن فتركيا تقوم بطرد "الآخرين"، الذين تطلق عليهم اسم إرهابيين، من الإنسانية نفسها؛ وتضفي غطاءً من الشرعية على أية وسيلة وحشية تختارها عند تعاملها معهم. لهذا السبب كانوا يقتلون، بلا حساب، المدنيين من الشباب الذين يفتقدون إلى الخبرة في عفرين، حسب ما أشارت إليه مصادر مستقلة.
سيعلي هذا الخيال المُميت من قدر الدولة العثمانية التي انهارت، ولم يعد لها وجود. سيعلي من قدر الدولة العثمانية التي ينظر إليها الجميع في الديار التي "يدوسون عليها بالدبابات"  بأنها المعادل الفعلي  للكراهية.
فإذا تحدث أحدهم عن "عظمة الدولة"، فهذا يعني أنهم يقصدون وجود الدولة التركية، ومن قبلها الدولة العثمانية خارج حدودها. إنهم يتحدثون عن ذلك، وكأنه صار حقًا طبيعيًا، ويضفون الشرعية على أي أسلوبٍ ينتهجونه للحفاظ على هذا الحق المزعوم.
وفي الوقت الذي تُتَهم فيه الإمبراطوريات المماثلة باستخدام العنف ضد مستعمراتها، نجد أن الفكر الاستعماري للدولة العثمانية يقف على نفس الدرجة التاريخية لتلك الإمبراطوريات؛ بما ارتكبت من فظائع ترى أنها محقة فيها جميعًا، ومن ثم تضفي الشرعية على أفعالها في تلك البلدان. 
لقد تفشى هذا النوع من الازدواجية في تركيا؛ لدرجة أنه لا يخطر على بالِ أحدٍ أن صفة "استعماري"، التي كنا نصف بها الإمبراطوريات الغربية، أصبحت ملائمةً بشكل أكبر مع الدولة العثمانية، التي أظهرت تشابهًا كبيرًا مع نظرائها الغربيين، بعيدًا عن فكرة الانصهار، والاندماج مع الآخرين.
من يعلم... ربما اشتقت كلمة "استعماري" من الإمبراطورية... حتى كادت تقترن الكلمتان ببعضهما البعض؛ فلا حديثَ عن استعمارٍ إلا ويقترن بالحديث عن الإمبراطورية.
أعتقد أن ما تقوم به تركيا اليوم من فرض منطقة نفوذٍ لها في الشمال السوري، وتكوين الهيئات الإدارية التي تحدثنا عنها سابقًا هو إجراء "إمبريالي" بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

تناقلت وكالات الأنباء العالمية بعض الصور تُظهر أعمال السلب والنهب التي قام بها أنصار الجيش السوري الحر في مركز مدينة عفرين بعد الاستيلاء عليها
تناقلت وكالات الأنباء العالمية بعض الصور تُظهر أعمال السلب والنهب التي قام بها أنصار الجيش السوري الحر في مركز مدينة عفرين بعد الاستيلاء عليها


إن الإجراءات التي اتخذتها تركيا بشأن تنصيب نفسها بديلًا عن الإدارة المركزية للدولة السورية، التي لا تزال تدفع رواتب العاملين في تلك المناطق، وعدم اعترافها بالإدارة اللامركزية في شمال سوريا، هو بحق إجراء إمبريالي بمعناه الدقيق.                                        
إجراء يأتي على البنية الإدارية للأكراد من الجذور؛ كي يرسل رسالة مفادها أن "الأتراك هم فقط المعنيون بكل ما يخص  الدولة السورية".
تحاول تركيا، بهذه الخطوات، العبث في البنية السكانية للمواطنين هناك، وأماكن تمركزهم؛ فنجد أنقرة تعلن عن بناء وحدات سكنية؛ لتكون منطقة على طول حدودها، يسكنها مواطنون تختارهم هي من خلال إجراءاتٍ إمبريالية، لا تختلف عما قامت به البلدان الاستعمارية الأخرى.
خلاصة الأمر، إن الاستعمار التركي، الذي نراه اليوم، لا يختلف عن نظرائه، إلا في كون القائم به من طائفة تتبع المذهب السني، لا يرضيها سوى أن يصبح "العالم بأسره تركياً"، حتى وإن كانت شوكته قد ضعفت عن ذي قبل.
ولهذا السبب، تضع تركيا العلم الأحمر على أرضٍ احتلتها دون مراعاةٍ لأحدٍ؛ سعيدةً بما حققته من نصرٍ لا يمكن لأية دولة أخرى أن تتجرأ على فعل ما فعلته هي على أرضٍ خارج حدودها.

لقراءة المقال باللغة التركية على هذا الرابط