إكرام الموتى واجب في ذكرى مذابح الأرمن

نحن مجتمع شرقي يحافظ على عاداته وتقاليده، ومن بين تلك التقاليد المهمة التي نحترمها ونقدسها أن إكرام الميت يكون بدفنه.
ولدى كل دين وطائفة في الأناضول والأحياء القريبة منها تقاليدها الخاصة في إكرام المتوفى ونقله إلى مثواه الأخير، لكن كل تلك التقاليد تتشابه مع بعضها البعض.
وفي جنائز المسلمين، يتم وضع جثمان المتوفى ويصطف المعزون أمامه بقدر ما يتسع المكان لإقامة صلاة الجنازة على روحه. بعد ذلك يكون الدعاء للمتوفى ويؤمِّن الحضور بصوت جهير على الدعاء الذي يدعو به الإمام. 
تكون هذه الطقوس آخر ما يمكن مساعدة المتوفى به؛ فقد يكون الدعاء بأصوات جهيرة وسيلة للتخفيف عن الفقيد في رحلته إلى العالم الآخر. ولربما كنا لم نعط المتوفى اهتماماً كبيراً عندما كان يعيش بيننا، لكن هذا ليس بالأمر المهم.
بعد ذلك يحمل المعزون نعش الميت على أكتافهم، ويتسابقون ليأخذ كلٌ منهم دوره في ثواب حمل المتوفى إلى قبره. وقد يصل الأمر إلى درجة أن البعض قد يضجرون إذا حمل شخص ما النعش لمدة طويلة ولم يفسح المجال لغيره، بل وقد يحاولون إزاحة ذلك الشخص عن الطريق، وربما ينتج عن هذا بعض الشجار البسيط.
ومن لا يتمكن من حمل النعش يمد يده قدر استطاعته، فقط لتلامس أصابعه النعش. وعندما يصل الجمع إلى المقابر، يكون قبر المتوفى قد حُفر بالفعل وصار جاهزاً لاحتضان جسد الفقيد.
وتكفين الميت ووضعه في لحد من تقاليد دفن الميت في الإسلام؛ أما نحن الأرمن، فإننا ندفن أمواتنا في توابيت – وهذا هو الاختلاف الوحيد بين عاداتنا في هذا الشأن. ينزل أقارب المتوفى من الدرجة الأولى إلى القبر، ونناولهم النعش، ثم تبدأ عملية الدفن، وهو واجب لا يمكن للمعزين أن يتركوه لمتعهد الدفن؛ فالجميع يريدون أن يُهيلوا التراب على المكفون أو التابوت، وهكذا يفعلون.
ننظر خلفنا لنرى كم عدد من يصطفون لأخذ دورهم في حمل الجاروف. ومن لا يستطيع الحصول على الجاروف يُلقي حفنة من التراب بيده. بعد ذلك يدعو الداعي للمتوفى وأقاربه الذين ماتوا قبله وسبقوه إلى القبر.
ومن العادات أيضاً الدعاء والصلاة في ذكرى مرور أسبوع على وفاة الفقيد وفي ذكرى الأربعين، وقراءة الفاتحة وآيات القرآن.
لكن الآن هناك الكثير من الجثامين التي لم تُكرم بدفنها بعد وفقاً للأعراف والتقاليد المعروفة، وتنتشر هذه الجثامين على الأراضي التي نعيش عليها في أنحاء تركيا.
أين قبور هؤلاء؟ مليون ونصف المليون شخص، ولا قبور. ما الذي يبقى فعله الآن؟ لم يبق شيء سوى أن نقيم جنازات لهؤلاء، جنازات تليق بهم كما تقول تقاليدنا.
لم يتبق منا نحن الأرمن ما يكفي من الأحياء ليدفنوا كل موتانا، وليس هناك ما يكفي من الرجال ليحملوا النعوش.
لكننا أوكلنا إلى المسلمين مسؤولية إقامة تلك الجنائز في مكاننا. وقد يُنظر إلى جنازة الصحفي الأرمني التركي هرانت دينك في عام 2007 على أنها تجربة. سنقيم جنائزنا وفقاً للعادات والتقاليد المتعارف عليها؛ سنقرأ الفاتحة، ونقيم الصلوات وندعو ونؤمّن في كل أنحاء العالم وبكل اللغات.
ها نحن ذا قد وصلنا إلى الذكرى السنوية ذكرى مذبحة الأرمن.
إن هناك استخدامات للجاروف أكثر شرفاً واحتراماً من أن يُستخدم لنبش الأرض بحثاً عن "الكنوز الأرمنية" المدفونة التي كان يملكها أناسٌ رحلوا عن عالمنا البائس.
المسؤولية ملقاة على عاتقكم يا سكان تركيا، فتصرفوا وفقاً لما تمليه عليكم التقاليد والعادات الطيبة.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/armenian-genocide/proper-burial-duty-april-24
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.