بول إيدن
أغسطس 15 2018

إلى أي مدى تقترب العلاقات الأميركية التركية من الانهيار؟

في يوم الجمعة العاشر من أغسطس، صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتيرة المخاطرة في النزاع الدبلوماسي الدائر بين أنقرة وواشنطن، حيث قال في تغريدة على تويتر إنه ضاعف لتوه التعرفات الجمركية على الصلب والألومنيوم "فيما يتعلق بتركيا مع هبوط عملتها، الليرة التركية، سريعا في مقابل الدولار القوي جدا! ستكون النسبة الآن على الألومنيوم 20% وعلى الصلب 50%. علاقاتنا مع تركيا ليست طيبة في الوقت الحالي!".

جاء ذلك بعد قليل من تعهد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن بلاده "لن تخسر الحرب الاقتصادية" وحث الأتراك على "تجاهل الحملات المناهضة لتركيا" وأعلن أن الأميركيين "ربما معهم دولاراتهم، لكننا معنا شعبنا والله".

والليرة التركية حاليا عند مستوى منخفض تاريخي فيما يرجع لأسباب منها أحدث أزمة دبلوماسية مع الولايات المتحدة، والتي تصاعدت سريعا بسبب احتجاز تركيا للقس الأميركي أندرو برانسون، لكنها جاءت أيضا بعد سنوات من الخلافات المحتدمة بين الطرفين. وكثيرا ما يخوض ترامب وأردوغان مواجهات كلامية وشعبوية حادة، ويملكان شخصيتين ديماغوجيتين متشابهتين. ونتيجة لذلك فعندما يكونان في خلاف، قد يكون من الصعب للغاية على أي منهما أن يقدم تنازلات. 

ودفعت العقوبات الأميركية على وزيرين تركيين بسبب استمرار احتجاز برانسون الكثير من الأتراك، وحتى من ينتقدون منهم أردوغان، إلى الالتفاف حول العلم والزعيم في مواجهة الضغط الخارجي على بلدهم. وكثيرا ما ألقت الصحافة اليمينية التركية باللوم على الولايات المتحدة في محاولة الانقلاب في 15 يوليو 2016، وتتحدث بين الحين والآخر عن مؤامرات أميركية لتفكيك الجمهورية التركية كلية، من خلال دعمها لأكراد سوريا في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

قبل يومين فقط من أحدث تدخل لترامب في هذا النزاع قدمت الرابطة التركية للعدالة الاجتماعية والمساعدة- وهي مجموعة من المحامين تضم مؤيدين بارزين لأردوغان- دعوى جنائية في 60 صفحة تحث أنقرة على منع القوات الجوية الأميركية من مواصلة استخدام قاعدة إنجرليك الجوية، بل واعتقال عسكريين أميركيين بها يزعم المحامون أنهم ضالعون في محاولة الانقلاب.

وبرغم أن هذا بالتأكيد مستوى متدن في العلاقات، كما ذُكر هنا من قبل، إلا أنه لا يعني بالضرورة أن العلاقات الأميركية التركية على وشك الانهيار الكامل، ناهيك عن أن تتدهور لتصل إلى نقطة ربما تدخل فيها واشنطن وأنقرة فعليا في حرب ضد بعضهما، مثلما لمح المحلل مايكل روبين إلى أنه قد يكون محتملا.

لم يصل الطرفان بعد إلى نقطة اللاعودة. فمن ناحية، فإن دبلوماسية تويتر التي يعتمد عليها ترامب عرضة للتقلب، وقد ظهر ذلك في أكثر من موقف.

وفيما يتعلق بتركيا، يبدو أن الخلافات الدبلوماسية مع هولندا وألمانيا، التي اشتملت على تصريحات حادة للغاية لا سيما عندما وصف أردوغان البلدين بالنازية، تقترب من نهايتها وتجري حاليا عمليات لتطبيع العلاقات. وأشارت بارجين ينانج الكاتبة بصحيفة حريت في الآونة الأخيرة إلى القضيتين ولمحت إلى أن صيغة مشابهة قد تساعد في رأب الصدع الحالي بين أنقرة وواشنطن. 

وكتبت تقول "برانسون ليس إلا قمة جبل الجليد... ربما نشهد قريبا رحيل برانسون إلى الولايات المتحدة في مقابل تطور إيجابي في قضية بنك خلق. ربما يوقف هذا تدهور الليرة التركية، لكن هل سيذيب أيضا جبل الجليد الذي يحول دون تحسن العلاقات؟".

وتشير قضية بنك خلق إلى حكم في نيويورك على محمد حقان عطا الله المسؤول التنفيذي بالبنك التركي التابع للدولة بالسجن 32 شهرا صدر في مايو بتهم مساعدة إيران في التحايل على العقوبات الأميركية.

وربما لا تزال العودة إلى العلاقات الطبيعية بعيدة بعض الشيء. غير أن ذلك لا يعني أن الانهيار الكامل وشيك، ولا يعني الوصول إلى نقطة اللاعودة. والانهيار الكامل للعلاقات بين تركيا والولايات المتحدة من شأنه أن يشكل أكبر تقويض للوضع الراهن في العلاقات بين واشنطن وحليف إقليمي رئيسي منذ أن أطاحت الثورة الإيرانية بالشاه في عام 1979.

وحتى في تلك الآونة المضطربة، حاولت واشنطن الاحتفاظ بالعلاقات من النظام الناشئ بقيادة آية الله روح الله الخميني، وقال الخميني نفسه للأميركيين إنه قد يحافظ على مصالحهم في إيران إذا سحبت واشنطن دعمها للجيش الملكي الإيراني وسحمت للخميني بتولي السيطرة. وقال "سترون أننا لا نضمر أي عداء خاص للأميركيين".

وتقول وثائق أميركية جرى رفع السرية عنها مؤخرا "بعد يومين فقط من مغادرة الشاه طهران، أبلغت الولايات المتحدة مبعوثا للخميني  أنها - من حيث المبدأ - منفتحة على فكرة تغيير الدستور الإيراني، وفعليا إلغاء الملكية".

وبالطبع، تبددت تلك الجهود الرامية لإقامة علاقات عملية بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الوليدة في نهاية الأمر بسبب احتلال السفارة الأميركية في الرابع من نوفمبر 1979، فيما دشن العقود الأربعة الأخيرة من العلاقات العدائية بين البلدين.

لم يدبر الخميني احتلال السفارة الأميركية أو يأمر به، وإنما نفذته مجموعة من الطلبة المتعصبين الذين تصرفوا من تلقاء أنفسهم. واستغل الخميني الحادث ببساطة لمصلحته عندما رأى قوة الدفع التي أثارها. وأي حادث مماثل في تركيا الآن، مثل هجوم على العسكريين الأميركيين المتمركزين في إنجرليك أو مدنيين أميركيين في البلاد، على يد أنصار متعصبين لأردوغان يتصرفون من تلقاء أنفسهم قد يشعل أزمة كبرى إذا أيد أردوغان تصرفاتهم.

وربما يجن جنون هؤلاء المتعصبين بسبب الخطاب التآمري والمناهض للأميركيين الذي ينشر بشكل شبه يومي في الصحافة اليمينية التركية. 

والشراكة بين الولايات المتحدة وباكستان على مدى سنوات هي مثال معاصر يجدر وضعه في الحسبان عند التفكير في مستقبل العلاقات الأميركية التركية. فهناك العديد من الاختلافات الجوهرية في المصالح بين إسلام أباد وواشنطن ولا سيما بخصوص أفغانستان. الولايات المتحدة تدرك أن باكستان تسعى بنشاط لتقويضها ودعمت خصومها لكنها برغم ذلك حافظت على الشراكة شبه العملية مع البلد المضطرب.

وقد فعلت ذلك من منطلق أن وجود مثل هذه الشراكة مع إسلام أباد لهو وضع أفضل من مواجهتها كبلد عدو.

ومثلما قال دانيال ماركي أستاذ الأبحاث بجامعة جون هوبكينز موجزا الوضع "إذا اخترنا من خلال تصرفاتنا التخلي عن بعض المنافع الضيقة للعمل معهم وعاملناهم كخصوم فقد يكون ذلك في نهاية المطاف أعلى تكلفة بالنسبة لنا من الحالة الفوضوية الراهنة".

ولا يسع تركيا أن تنفر منها الولايات المتحدة وأوروبا بشكل كامل وتعتمد كلية على روسيا أو أي بلد آخر. فقد أظهرت العقوبات الروسية على تركيا التي استمرت سبعة أشهر، أن أنقرة لا تستطيع الاعتماد بالكامل على العلاقات الطيبة مع قوة عالمية واحدة في مواجهة الأخرى. كانت روسيا قد فرضت العقوبات ردا على إسقاط تركيا قاذفة روسية فوق حدودها مع سوريا في نوفمبر 2015.

وفي حين أن تركيا تملك ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي وتعد من الناحية الجيوسياسية بلدا شديد الأهمية، إلا أن نفوذها على الولايات المتحدة أقل بكثير مما تملكه الولايات المتحدة من نفوذ عليها. وواشنطن قادرة على الوصول إلى قواعد جوية أخرى في المنطقة يمكنها استخدامها بدلا من إنجرليك، وأثبتت بالفعل أنها تملك خيارات بديلة عندما رفضت تركيا السماح للأميركيين باستخدام القاعدة ذات الأهمية الاستراتيجية لدعم غزو العراق في 2003.

وبشكل أوسع نطاقا، فإن تركيا مندمجة للغاية في الاقتصادات الغربية بدرجة لا يسعها معها تحمل انهيار العلاقات.

ومثلما قال أستاذ تركي لصحيفة فاينانشال تايمز "لا يمكن لتركيا أن تكون بلدا مزدهرا وهي تصارع الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي".

والشيء الأكثر ترجيحا الذي سيكون عليه الحال في المستقبل القريب هو وضع راهن تكون فيه كل من الولايات المتحدة وتركيا أقل اتفاقا بكثير من ذي قبل، لكنهما برغم ذلك تحتفظان بعلاقات عملية. بعبارة أخرى، ربما لا تعودا "صديقتين" لبعض الوقت، لكنهما لن تصبحا بالضرورة عدوين صريحين أيضا.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية أيضا:

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.