Hayko Bağdat
يوليو 26 2018

إلى مَن يودّ المجيء لأوروبا

أعتقد أن شيئاً لن يتغير إذا تركت الكتابة لأسبوع أو اثنين في الشأن السياسي التركي. لهذا السبب، وددت في هذه المرة أن أحدثكم عن تجربتي الشخصية، بوصفي أحد الكُتاب الذين تركوا بلدهم منذ عام 2016. أعتقد أن الأمر سيكون مفيداً لكل الذين يتملكهم الفضول لمعرفة المزيد عني، والذين يودون أن يعيشوا المغامرة نفسها، ويفروا إلى أوروبا كذلك.

أود أن أحدثكم عن كافة التفاصيل؛ الظروف والرواتب ومشكلة التعامل بلغة البلدان التي انتقلت إليها، بالإضافة إلى الكثير من الأمور الأخرى، ولكن لا تنسوا أنها تجربة عمرها 18 شهراً فحسب. ولكن أنصحكم إذا أردتم الاستماع إلى تجارب أكبر من ذلك أن تلقوا نظرة على كتاب "كنت سائق تاكسي في فرانكفورت" لأخي أيدن أنجين.

لم يكن الثاني عشر من ديسمبر هو تاريخ خروجي الأول من بلدي. حدث هذا الأمر في 19 يوليو، عندما بدأ أردوغان يمارس ضغطه واستبداده الظالم ضد المعارضة، ومن ثم كانت وجهتي الأولى إلى سلانيك. لماذا سلانيك؟ لأن المطارات كانت تحت سيطرة المتعاطفين مع حزب العدالة والتنمية، ولم يبق أمامي أي سبيل آخر سوى أن أستقل الحافلة أو القطار، لذا لجأت إلى سلانيك التي لا تبعد كثيراً عن إسطنبول بالحافلة. ظللت هناك ما يزيد عن 20 يوماً. كنت على اتصال دائم، خلال هذه الفترة، بصديقي أيدن، وبالكثير من الصحفيين الذين تعرفونهم. لم يكن ينازعني، خلال هذه الفترة، أي فكر آخر سوى فكرة "العودة" مرة أخرى. في تلك الفترة كان اسمي قد وضع على قائمة الأسماء المطلوب القبض عليها، حتى وإن كان الأمر ينطوي على بعض الكوميديا، ولكن هذا ما حدث.

فلم يتعدّ الذين استرجعوا جوازات سفرهم من الصحفيين أصابع اليد الواحدة؛ معظمهم غادر الدولة من الأساس.
فلم يتعدّ الذين استرجعوا جوازات سفرهم من الصحفيين أصابع اليد الواحدة؛ معظمهم غادر الدولة من الأساس.

ومع هذا فقد عدت؛ حيث كانت عائلتي هناك. أضف إلى هذا أنني لم أكن مستعدًا من الناحية النفسية أن أبتعد عن وطني. من أجل هذا كان قراري بالعودة مرة أخرى..

وبالطبع كان "مصادرة جواز سفري" في مطار إسطنبول هو أحد سيناريوهات العودة المعقولة التي أعتقد أنكم ستفكرون فيها أيضاً.

وبعد محاولات - استمرت فترة من الوقت - استطاع المحاميان الخاصان بي، غرابت بايلان وسيلينا أوز أوزون أن يعيدا إليَّ جواز سفري مرة أخرى. أذكر أن وزير الداخلية في تلك الفترة، أفكان آلا، قال حينها "لقد وسعنا من قائمة المطلوبين. دعوهم يأخذون جوازات سفرهم!". بارك الله لأخي وصديقي والمحامي الخاص بي، أفكان بولاج؛ فقد ظل إلى جواري، ولم يتركني في أية مرحلة مررت بها خلال هذه الفترة.

استطعت الحصول على بعض المعلومات الخاصة بمن يودون الذهاب إلى اليونان:

اليونان هي المحطة الأولى لمن يودون الخروج؛ سواء أكان ذلك الخروج بشكل رسمي أم بأية طريقة أخرى. بعد ذلك كن جاهزاً؛ لأنهم سيرسلون بك مباشرة إلى معسكر اللاجئين "إذا لم يكن لديك نقود". وهذا بالطبع لن يتم إلا إذا وافقوا على طلب اللجوء الخاص بك. معسكرات اللاجئين هي أماكن سيئة، ربما تفوق في فظاعتها بعض الأماكن التي نشاهدها في الأفلام. أضف إلى هذا أن التكدس في هذه المعسكرات كان أحد الأسباب المهمة التي عرقلت الحصول على بعض الخدمات مثل الصحة والتعليم. وعلى العكس من ذلك، يستطيع من لديهم الأموال أن يحصلوا على بعض الأوراق مثل تصريح الإقامة، وذلك عندما يقومون بشراء وحدة سكنية بمبلغ 250 ألف يورو (يمكن بهذا المبلغ شراء خمس وحدات سكنية، وربما فيلا في سلانيك). أما إذا أردت الحصول على تأشيرة عمل أو إقامة طالب، أو حتى أن تتقدم بطلب تأسيس شركة هناك، فلا بد من اللجوء إلى محام. وعلى الرغم من كل هذا، فلا تنسوا أن هناك 7000 شخص يموتون على الجهة الأخرى غرقاً في مياه بحر إيجة سنوياً؛ فلا يمضي يوم إلا ويعلنون فيه عن العثور على جثث بعض الأشخاص الذين راحوا ضحية المافيا والمحتالين هناك. لا تسمحوا لأحد أن يستولي على أموالكم.

الشباب الثوري نشيط للغاية في المدينة؛ فهو يقدم مساعدات كبيرة للاجئين الثوريين هناك. وهناك تنتشر مساكن الإيواء في كل مكان. كان هذا خبراً جيداً بالنسبة إليَّ..

وكان الأمر الأكثر أهمية - بالنسبة إليَّ - هو أنني وجدت الحياة رخيصة في تلك المدينة، بالإضافة إلى أنني كنت أشعر بالأمان هناك. كان المناخ ونمط الحياة هو نفسه الموجود عندنا. لا تقل لي "وماذا يفرق إن تشابهت أو اختلفت ؟". فهذا أمر مهم للغاية..

لم أعرف حينها هل أفرح لأنني حصلت على جواز سفري مرة أخرى، أم أحزن لهذا. فلم يتعدّ الذين استرجعوا جوازات سفرهم من الصحفيين أصابع اليد الواحدة؛ معظمهم غادر الدولة من الأساس؛ أي أن إعادة الدولة جوازات سفرهم كان بمثابة رسالة لهم مفادها "أغرب عن وجوهنا حتى لا نقتلك، وتجلب البلاء على رؤوسنا!". وكانت النتيجة أنني تمكنت من الصمود والمقاومة حتى نهاية 2016، ولكن عندما سمعت أحد أفراد الحراسة يقول "الجماعة صارت مصدر إزعاج لنا نحن الشرطة، ولكن لا مانع لو لبينا حاجات زوجاتهم وبناتهم، بينما أزواجهم يقبعون في السجون". حينها قررت الخروج للمرة الثانية في 12 ديسمبر، بوصفي أرمنياً يسارياً، ينتمي إلى المعارضة، قبل أن ينكلوا بعائلتي. من هنا كانت جولتي بين لندن وفيينا. لم أستطع العودة مرة أخرى. أعتقد أنكم إذا قمتم بحساب الدعاوى القضائية المرفوعة ضدي فسيكون المؤبد هو أقل عقوبة سيحكمون بها علي. وهذا يعني أنني لا أستطيع العودة حتى لو كنت أريد هذا..

في الأسبوع القادم سأحدثكم عن قصة مجيئي إلى ألمانيا، وعن جان دوندار، وعن تصريح الإقامة، وعن عائلتي..
 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: