هشام النجار
ديسمبر 25 2017

إيران تطمح لاختراق تركيا من البوابة المذهبية

 

الهروب إلى التاريخ تأثيره محصور فقط في جمهور الإسلام السياسي، هؤلاء المولعون بمسكنات أمجاد الماضي كمخدر يخفف لديهم الإحساس بمرارة عجز مداراة الواقع المعاش والتأقلم معه.
التاريخ حدث وانتهى واستدعاؤه غير مبرر، لكونه لا يفيد شيئًا مع الجمهور العربي العريض، وسط التهديدات التي تتعرض لها بلدانهم من قبل الإرهاب والأطماع الإقليمية التوسعية.
لا يصح الفخر بماضي أجداد دافعوا عن مكة والمدينة بينما يحدث تقارب مع إيران التي تقف وراء تهديدات وجودية للمملكة السعودية، فهل يفيد الفخر بفخر الدين باشا، والحوثيون يوجهون صواريخهم للمملكة ويهددون الخليج بدعم إيراني مكشوف؟.
ولا يستقيم الزعم بأنّ العرب هم روح وقلب تركيا كما في تغريدة رجب أردوغان الأخيرة مع واقع التحالف مع جماعات التطرف، ليظهر الرئيس التركي متحالفًا مع الإسلام السياسي السني والشيعي، أي مكونا نكبة العرب الحديثة بداية من العراق مرورًا بسوريا وحتى ليبيا.
إذا نحينا جانبًا الجدل التاريخي الذي يوظفه اللاعبون بمهارة لأغراض معروفة، لاكتشفنا سر التوتر الأخير بين أردوغان وبعض القادة العرب.
الدول الخليجية تتحسّس في هذه المرحلة مسعى أردوغان لتعويض إخفاقاته مع الإسلام السياسي السني، بما يشبه تقاسم النفوذ في الداخل العربي بين طهران وأنقرة.
 
جولة جديدة
رغم المنافسات والصراعات المحمومة، تعتقد إيران أن أسس العلاقات التي تربطها بتركيا أقوى من تلك التي تربطها بالدول العربية؛ باعتبارهما دولتين إقليميتين وازنتين غير عربيتين، تتركز مصالحهما وامتداداتهما في المنطقة العربية.
يبدو أنّ النتائج النهائية للمنافسة والصراع والحرب بالوكالة بين إيران وتركيا قد تأكدت ولم تعد محل نزاع بينهما في كل من العراق وسوريا، والآن تخوضان جولة جديدة في غيرهما من العواصم العربية بمدّ الاختراقات وتوجيه المطامع نحوها.
ترى إيران أن الغلبة لها في الملف السوري وقبله العراقي، وحاجة أردوغان لطهران في الملف الكردي والرغبة في تثبيت مكتسبات التسويات النهائية في سوريا يدفع تركيا للتوافق معها وقبول الهزائم.
مع البحث عن معادلة القوة بالتمدد وبسط النفوذ في المنطقة العربية السنية، على اعتبار أن تركيا أقدر على التمدد في هذا المجال، بالنظر لعدم التقبل الشعبي لإيران الشيعية.
لذلك تمّ ضبط مؤشر شعارات أردوغان الجديد مؤخرًا على نغمة الدفاع عن المقدسات ليس فقط ما يتعلق بالقضية الفلسطينية والقدس، إنما أيضًا بمكة والمدينة.
المعنى واضح لمن يفهم أغراضه من استدعاء ما يُطلق عليه المجد العثماني، حيث يطرح نفسه كخليفة لقطاع عريض من الواهمين العرب، كبابٍ مُفترض للهيمنة على المنطقة بإمساكها من طرفها الإسلامي السني.
أسهمت إيران في إعاقة مشروع فرض عثمانية جديدة تشمل كل المنطقة وليس سوريا فقط، لكونه يشكل خطرًا على المصالح الإيرانية، لكنها لا ترى ما يمنع الآن التوسع التركي نحو أهداف محددة، في سياق التفاهم الضمني على تقاسم النفوذ بالمنطقة العربية.
الآن تحتاج طهران لتركيا أكثر من أي وقت مضى كشريك سني قوي في ظل علاقاتها المتدهورة مع الدول السنية العربية، ومن جهة أزمتها الدولية والتصعيد ضدها من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل.
وينظر العقل الإيراني لأهمية إسناد مهمة قطر السنية الضعيفة والمقاطعة عربيًا بجانب طهران، بقوة سنية أكبر في سياق صراعاتها الموعودة ضد الفضاء العربي والخليجي.
لا تنظر طهران إذاً لهذا التقارب مع تركيا فقط في سياق إكمال سباق النفوذ في الفضاء العربي، إنما هي في وارد تكتيل كيانات سنية بجانبها لجعل مكتسباتها أمرًا واقعًا، ومباشرة التدخل عبر بوابة قطر وتركيا لإفشال المساعي العربية المدعومة دوليًا، الرامية لإلغاء ما فرضته طهران طوال السنوات الماضية من معادلات جديدة بموازين القوى الإقليمية.
 
تحذير مبكر
التغريدة التي أعاد نشرها وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد بشأن رأي قطاع كبير من العرب في الماضي العثماني بالداخل العربي، ليس هدفها التشويه بقدر ما رغب في التنبيه إلى مخاطر ما سيقدم عليه أردوغان في المراحل المقبلة بصحبة إيران وقطر.
إذا كان أردوغان تضاءل حلمه مع فشل الإسلام السياسي في أن يجعل الشرق الأوسط بأكمله صورة لما يريده هو مُلغيًا الآخرين بمن فيهم إيران، فلا أقل في هذه المرحلة المتأخرة من أن ينتهز حاجة أطراف دولية وإقليمية نافذة لخدماته ليحظى بجزء من الكعكة، وليخرج ولو بربع انتصار يشاغل به خصومه بالداخل.
لا تقلق طهران من علاقة حزب العدالة والتنمية مع الإخوان والتنظيمات الجهادية، فهي أولًا وأخيرًا صورة أخرى من نظرية الإسلام السياسي الذي تتبناه، ونظرية الولي الفقيه تعادلها نظرية الحاكمية لدى هذا التيار.
الدول العربية لم تقبل التفاوض مع إيران على حقوق الشيعة العرب على أراضيها، وهي ذاتها التي رفضت ضغوط واختراقات أردوغان عبر ملف الإخوان، لذا تشعر الدولتان الإقليميتان بأنّ مصلحتهما واحدة وإن كانتا متنافستين؛ إيران لتثبيت مكاسبها، وأردوغان لفك عزلته الداخلية والخارجية.
الضرر واقع على النظام العربي بالنظر إلى أنّ أفق تلك الممارسات هو التفتيت، وانتهاك سيادة الدول ونشر الاضطرابات والفوضى والإرهاب من منطلقات مذهبية.
في واقع الأمر نجد أن بقايا طموحات أردوغان الشخصية تنعكس سلبًا أيضًا على المصالح التركية، ليس فقط من جهة الإضرار بالعلاقات التاريخية بين تركيا والدول العربية، بل لأن إيران سوف تعتبر تركيا عراقًا جديدة بالنسبة لها في وجه العرب.
 
قنص إيراني جديد
كانت بعض دول الخليج العربي تقاربت من أنقرة في مرحلة من مراحل الصراع أملًا في الاستفادة من وضعها الإستراتيجي كموازن إقليمي سني لإيقاف تمدد إيران، وبعد أن كانت تركيا في وارد الشراكة المتوازنة في حلف سني يحفظ لها مكانتها ودورها الإقليمي كقوة وازنة معتبرة، مع الحفاظ على ثوابت التحالفات الدولية، ها هي صارت قنصًا إيرانيًا مضافًا لما بيد طهران من أوراق.
ويسود الاستسهال الفكري والسياسي، عبر تخدير مكونات الإسلام السياسي العربي بمزاعم تجعلهم يعيشون في وهم العودة إلى الماضي، ونقله كما كان إلى واقع اليوم في صورة أردوغان الذي يراهنون عليه لإنفاذ مهمة مستحيلة بحجم مصادرة قرار مصر.
تمكن العراق في مراحل مختلفة من تاريخه من احتواء الطموحات الإيرانية في الخليج وبعض المناطق العربية، لكن الاحتلال الأميركي وحل الجيش حولاه من حاجز إلى بوابة لمرور التمدد الإيراني، وهكذا تنظر طهران لتركيا المرتبكة الآن.
إذا كانت تركيا الأردوغانية شغوفة بالتوظيف الأيديولوجي ومغرمة باللعب بالإخوان والإسلام المسلح، فهل فكر أردوغان للحظة في شغف إيران بالتوظيف المذهبي، وانعكاس ذلك على الداخل التركي من جهة حساسية العلاقة بين السنة والعلويين الأتراك؟.
إيران بلا شك تعتبر تركيا وهي على هذا الحال، غنيمة طائفية لجعلها بوابة مذهبية أخرى لإحكام سيطرتها على المنطقة عبر اللعب بالورقة المذهبية التي تجيدها.
ليس على مستوى الحرب العلوية السنية في الداخل التركي، لكن طهران يهمها خلق واقع لصالحها تضغط من خلاله على الحليف اللدود، وتبصر جيدًا أوضاع أقليات تركيا التي بدأت تتساءل عن مصيرها بعد هذه الفوضى التي تضرب الشرق الأوسط وسوف ترتد حتمًا إلى الداخل التركي.