هشام النجار
ديسمبر 04 2017

اتحاد يوسف القرضاوي.. ما حاجة أردوغان لكيان إرهابي؟

رفضت الحكومة التركية الأخذ بتصنيف الرباعي العربي المقاطع لقطر للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ككيان إرهابي، الذي من المحتمل انتقال أعضائه إلى تركيا بهدف رفع الحرج عن قطر.

خسر رجب أردوغان مجددًا قدرًا من وزنه الإقليمي مع فقدانه أدواته التي ظن أنها قادرة على النهوض لمنافسة التيار الإسلامي الشيعي والمرجعية العلمية السنية في كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

وضع الرئيس التركي أمامه أهدافًا عدة من وراء تمسكه بما يُطلق عليه "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين" الذي يرأسه المرجعية الفكرية والفقهية لتنظيم الإخوان يوسف القرضاوي، خاصة بعد إدراج الاثنين (القرضاوي والاتحاد) على قوائم الإرهاب التي أصدرتها كل من الإمارات والسعودية ومصر والبحرين.

وهو يدرك الآن في شكل أوضح أكثر مما مضى مع الانتصارات الرمزية التي حققتها إيران في بعض الملفات الإقليمية مدى حاجته منذ البداية لاستكمال عدة النموذج السني المكافئ، خاصة مع بروز السعودية بثقلها وتحالفاتها العربية والإسلامية ومرجعيتها الدينية للعب هذا الدور.

بجانب المرجعية الممثلة في طبقة آيات الله، تمتع الإسلام السياسي الشيعي بقدرة على التعبئة والتنظيم بحكم ما يتميز به من تراتبية دينية، علاوة على توافر مرجعية سياسية موحدة تتمثل بالولي الفقيه، وهو ما اضطر أردوغان للاستناد إلى مرجعية سنية أنشئت لتمثيل السنة حزبيًا في سياق التخديم على زعامته هو لهذا المجال.

النموذج الإيراني وجد نفسه موحدًا في مواجهة نماذج سنية متصارعة، خاصة مع حماسة أردوغان بالتعاون مع رجل الدين الإخواني يوسف القرضاوي وهيئته الدينية ذات الطبيعة الأممية، للانتصار لهذا الشكل من المرجعيات مقابل المرجعية السعودية التي تشق طريقها نحو التحديث، فضلًا عن النموذج المصري الوسطي الذي يتمتع بمكانة خاصة في العالم الإسلامي.

يرجع نجاح إيران في الأساس لوجود دولة مركز واحدة في المجال الشيعي، وهو ما صنع سيطرة سياسية ومذهبية على مخرجات هذا النموذج الإقليمية التي تشكلت تحت أعين الدولة المركزية والتي تعد بمثابة المحرك والمنظم لمختلف أنشطتها.

أما الإسلام السياسي السني فهو يفتقد للدولة المركزية القائدة ووحدة الأهداف والمصير ويفتقر للتراتبية الدينية، علاوة على أن ما استند إليه الرئيس التركي كان ممثلًا لتنظيم تحكمه الأيديولوجيا المتطرفة، لا لشعوب أو دول.

أعضاء الإتحاد الإخواني هم دعاة تابعون لجماعة الإخوان من كافة دول العالم، وهو ما أفصح عن وظيفته بالنظر لطبيعة بياناته وفتاواه التي صبت جميعها في خانة ترسيخ صورة أردوغان كسلطان وزعيم للأمة الإسلامية والعربية استنادًا لجهود تيار الإخوان في الشام ومصر وليبيا.

المشروع السياسي الذي تم توظيف "الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين" به ذو طبيعة توسعية، وصار موكولًا له مهمة إضفاء الصبغة الدينية وخلق المسوغ الشرعي لمحاولة استقطاع تركيا لمناطق حيوية من بعض الدول العربية دعمًا لجغرافية تركيا الأردوغانية وتعزيز نفوذها الإستراتيجي.

توهم أردوغان أن هذه المرجعية الدينية الإخوانية سوف تسعفه مع توظيف ممارسات الإرهابيين على الأرض لتحقيق أحلامه، معلنًا على الملأ يومًا تطلعه للصلاة في أحد مساجد حلب بعد احتلالها من طرف الإرهابيين تمهيدًا لتسليمها لتركيا.

حصل الإخفاق أولًا بسبب استعصاء جمهور السنة على الائتلاف كطائفة مغلقة على ذاتها في طريق التحول لتبعية دولة مركز وما يتطلبه ذلك من تهميش للروابط الوطنية.

بسبب التحالف مع التنظيمات السنية التكفيرية المسلحة في سياق حاجة تركيا الأردوغانية لقوى ميدانية مناوئة للأنظمة والجيوش والأجهزة الأمنية بالداخل العربي، صارفًا ما كان يؤمل من تحالفات وتآلفات عربية - تركية إلى سياسة دعم عسكرية لأعتى الجماعات المتطرفة والإرهابية.

في هذا المسار اجتهدت هيئة القرضاوي الدينية تلك في منح الصبغة الشرعية لممارسات جماعة الإخوان الصدامية العنيفة ولممارسات وأنشطة التنظيمات المسلحة التكفيرية التي اعتبرتها داعمة للإخوان وللمشروع الأردوغاني الإقليمي.

رئيس الشؤون الدينية التركية محمد غورماز رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يوسف القرضاوي
رئيس الشؤون الدينية التركية محمد غورماز ورئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يوسف القرضاوي

محصلة هذا النشاط العبثي للاتحاد الإخواني الذي رعته الحكومة التركية واحتضنت مؤتمراته هو اضعاف المجال السني العام، عبر انتاج عديد من النسخ الأصولية السنية التي تتصارع فيما بينها من جهة ومع القوى العربية السنية القائمة من جهة أخرى.

لم يقتصر التنافس لزعامة المجال السني على مشاكسة السعودية بوصفها الموازن السني التاريخي مقابل إيران، بل دخلت كل  التنظيمات المتطرفة لحلبة المنافسة والصراع ضد بعضها البعض وضد إتحاد أردوغان والقرضاوي بزعم احتكار تمثيل الإسلام والسنة حصرًا وقسرًا، ليهبط هذا الثنائي بالدولة التركية لمستوى حركات أصولية متطرفة تتوخى العودة بالمجتمعات إلى الماضي وإقامة دولة الخلافة.

نافست داعش خلافة أردوغان التي روج لها القرضاوي، لتطال فوضى التفجيرات العمق التركي وتتأكد كارثية انحراف الدولة الوطنية نحو المسارات الأيديولوجية الأممية.

أدى هذا لثبوت زيف فكرة الخلافة وسقوط ادعاء أن فئة بعينها تحتكر تمثيل الإسلام والمسلمين، وبذلك ترسخ فشل محاولات تمثيل الإسلام السياسي السني من جانب جهات تنظيمية أو سياسية أو دولتية.

لكن تحقق ذلك بتفجير الوضع العربي والتركي على وقع فتاوى القرضاوي المضللة والمحرضة على الإرهاب والاغتيالات والقتال والتفجيرات.

بتكراره تكفير المعارضين السياسيين والحديث عن "رجب الطيب أردوغان سلطان المسلمين الذي لا يستطيع أحد أن يوقفه، والمكلف بحماية الدولة والأمة الإسلامية"، بحسب وصف رئيس الإتحاد الإخواني الذي أوجب على المسلمين نصرة أردوغان والجهاد وراءه.

 لم يتغير يوسف القرضاوي الذي أفتى في السابق لجماعة الإخوان بأن تقيم علاقات تحالف مع الأنظمة العربية الديكتاتورية بغرض "رفع التنظيم قادتها على أكتافه واستخدام الحركة للصراع ضد أعدائها الأيديولوجيين والسياسيين".

الاتحاد الذي أسسه في العام 2004 بتمويل قطري، والذي تزامن مع صعود نجم أردوغان، بمثابة امتداد لوظيفته التبريرية السابقة مع الإخوان، آخذًا بعدًا إقليميًا ودوليًا، ليتحول إلى بوق شرعي لرعاة الجماعة من أنظمة، عبر تطويع الفتوى والأحكام الدينية للمصالح والحسابات السياسية.

لا يتردد القرضاوي حيال تسويغ أي تصرف مهما كان لا أخلاقيا أو إنسانيًا بأسباب من النصوص الدينية، مع الحرص على إضفاء قدسية على شخصيات بعينها، وإن تطلب ذلك تفريغ الإسلام من مضمونه الأخلاقي والقيمي.

يستشعر أردوغان والقرضاوي معًا أنهما يعملان في حلبة واحدة بهدف تعميم تأثير الدين على الوعي الجماهيري وتعظيم التوظيف السياسي له في تركيا والبلاد العربية والمجتمعات الأوربية، استنادًا لنشاطات الإتحاد في الغرب.

أردوغان بعد أن فقد جزءا من ثقة ناخبيه الأتراك وخسر شعبيته نتيجة صلفه واستعلائه، صار اعتماده الأكبر على أسانيد وفتاوى القرضاوي واتحاده المسيسن.

هو بحاجة لمرجعية دينية تغدق عليه من النعوت والأوصاف الدينية الفخمة التي من شأنها مواكبة وضعيته الجديدة بعد أن انقلب بوضوح وسفور على القيم العلمانية للدولة، وتتناسب مع تحديه السلطاني المرصع بأزياء التاريخ وأبهته لعائلات تركيا الثرية بثقافتها العلمانية واستعلائها الطبقي الموروث على سكان الأناضول.

ما أراد أردوغان تسويقه مرارًا عبر القرضاوي واتحاد علمائه للتغطية على العجز في مجاراة أشد المتغيرات السياسية تأثيرًا على المستوى الإقليمي والدولي في تاريخ تركيا الحديثة، سعى لترسيخه في الداخل التركي لإسكات صوت كل من يتندر بالثراء الفاحش لعائلته، بعد أن حرم من سلاح مواجهة خصومه السياسيين بالحديث عن الشرف والزهد والنزاهة.

لا يريد أردوغان أن يسمع أحدًا يذكره بالواقعية في السياسة الخارجية أو بمسار الإصلاح وتعزيز الديمقراطية أو مستقبل الانضمام للاتحاد الأوربي ومستويات علاقات تركيا مع الغرب.

رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يوسف القرضاوي