اتساع الاختلالات الكبرى في الاقتصاد التركي

خلال العد التنازلي للانتخابات المحلية التي تجرى في تركيا يوم 31 مارس، ليست الأمور وردية كما تقول حكومة حزب العدالة والتنمية.
الوضع على وشك أن يتحول بشكل كبير في الأسواق المالية العالمية لأن مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي (البنك المركزي الأميركي) بات حذراً بشأن أسعار الفائدة. ومن ثم، فإن أسعار الفائدة في الأسواق الناشئة ترتفع مرة أخرى. هذا يساعد على بقاء الليرة التركية أقل تقلباً في الوقت الحالي. ومع ذلك، وفي ظل صدور كل بيانات الاقتصاد الكلي من تركيا، أصبح من الأيسر فهم المدى الكامل للانكماش الاقتصادي الذي يحدث الآن، والانكماش المتوقع الذي يمكن أن يستمر في السنوات القادمة.
في الأسبوع الماضي، أظهرت أرقام الناتج الصناعي لشهر ديسمبر انخفاضاً في الإنتاج بنسبة 9.8 في المئة. تشير البيانات إلى نهاية السلسلة التي تجعل من الممكن الآن أن نتوقع تخميناً ذكياً بشأن مستوى انكماش الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأخير من العام الماضي. يجب أن يأتي النمو الاقتصادي بمعدل سلبي يتراوح ما بين 5 و6 في المئة.
بيد أن التفاصيل الدقيقة لبيانات الإنتاج ترسم صورة أكثر قتامة عندما يسعى المرء إلى فهم تداعيات ذلك على الاقتصاد التركي في المستقبل. انخفض إنتاج السلع الوسيطة بنسبة 15 في المئة على أساس سنوي، وانزلق إنتاج السلع المعمرة والسلع الرأسمالية بنسبة 9 في المئة، وكان هناك انكماش سنوي بنسبة 19 في المئة في إنتاج السلع التكنولوجية المتوسطة، وهي الفئة التي تلخص بشكل أفضل إنتاج الصناعات الاقتصادية للشركات الصغيرة والمتوسطة في تركيا. يروي هذا قصة مؤسفة لفترة طويلة من الركود في تركيا.
ارتفع معدل البطالة 200 نقطة أساس إلى 12.3 في المئة وبالتالي لم تكن بيانات البطالة في شهر نوفمبر مفاجئة. ويصل معدل البطالة غير الزراعية إلى 14.3 في المئة، الأمر الذي يبدو مخيفاً عندما يعتقد المرء أنه من المتوقع أن يتفاقم في الأشهر المقبلة.

رسم توضيحي عن الناتج الصناعي التركي
رسم توضيحي عن الناتج الصناعي التركي

عندما تشير الحكومة إلى تطورات الاقتصاد الكلي، فإنها تقدم بفخر وتيرة التحسن في عجز الحساب الجاري في تركيا - حيث تتقلص الواردات بشكل حاد - كمنتج ثانوي لنجاحها في استعادة السيطرة على الاقتصاد. وتدعي أنها تصدت لما يسمى بالهجوم على تركيا وعملتها من قبل القوى الخارجية، التي تشن هجومها لأن الأمة قد سطع نجمها في المنطقة. حسناً، بالطبع، هذا ليس هو الحال.
ربما ليس هناك حاجة إلى قول هذا، لكن تركيا لم تتعرض للهجوم في العام الماضي. وبدلاً من ذلك، اتسعت الاختلالات الكبيرة في الاقتصاد الكلي على نحو غير مستدام، حيث أدت الإجراءات الداعمة للنمو من قبل الحكومة قبل الانتخابات الرئاسية إلى عجز كبير في الحساب الجاري وارتفاع هائل في التضخم. فر المستثمرون من البلاد بأعداد كبيرة لأن هذه السياسات غير المسؤولة تزامنت مع موجة البيع في الأسواق الناشئة التي أثارها برنامج مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي لرفع أسعار الفائدة. أدت الأزمة السياسية مع الولايات المتحدة، التي بلغت ذروتها في شهر أغسطس، إلى تفاقم مخاوف المستثمرين بشأن حالة اقتصاد البلاد.
ويستند تراجع الناتج الصناعي في شهر ديسمبر، والانزلاق الاقتصادي الحاد الذي تشهده تركيا، إلى انخفاض الطلب المحلي. والمستهلكون محاصرون بين المطرقة والسندان في ظل صعود مستويات الديون وارتفاع التضخم وارتفاع أسعار الفائدة وزيادة البطالة. لذا، كان الاقتصاد التركي المنهار هو الذي أدى إلى التراجع الحاد في عجز الحساب الجاري، الذي تقلص الآن إلى 27.6 مليار دولار في ديسمبر، من 58.1 مليار دولار في مايو من العام الماضي.

رسم توضيحي عن معدل البطاقة في تركيا
رسم توضيحي عن معدل البطاقة في تركيا

ومع ذلك، فإن الانكماش في عجز الحساب الجاري بالكاد سيبقي العملة التركية في وضع آمن. بالأحرى، يأتي ذلك مع استمرار فرار المستثمرين الأجانب من البلاد وبسبب حقيقة أن تمويل العجز البالغ 27.6 مليار دولار قد اعتمد على 21 مليار دولار من تدفقات العملة الصعبة التي تأتي من مصادر غير محددة والتي يصنفها البنك المركزي على أنها أخطاء صافية وسهو. يجب أن يبقي هذا الجميع دون نوم أثناء الليل.
في حين أنه فيما يتعلق بموضوع الأخطاء الصافية والسهو، فمن غير المعتاد بالنسبة للبنك المركزي في أي دولة، وهو البنك المركزي التركي في هذه الحالة بالطبع، ألا يعرف مصدر 21 مليار دولار تتدفق على البلاد. من المحتمل جداً أن الضغوط السياسية على البنك المركزي قد تطورت من الإصرار على أسعار فائدة منخفضة إلى إخفاء المعلومات عن الجمهور، إذا كان على المرء أن يبدأ التفكير بطريقة أكثر استيضاحاً.

رسم توضيحي عن الحساب الجاري
رسم توضيحي عن الحساب الجاري

في الوقت الذي تتكشف فيه المصائب المذكورة أعلاه في الاقتصاد التركي - نتيجة لسنوات من سوء الإدارة الاقتصادية - فإن حكومة حزب العدالة والتنمية تقاوم بالطبع قبيل الانتخابات المحلية لدعم الاقتصاد وتعزيز قاعدتها الانتخابية. ويأتي ذلك على حساب تكلفة مالية رهيبة للاقتصاد التركي، الأمر الذي سيجذب انتباه المستثمرين عاجلاً وليس آجلاً.
وبإغفال فائض الميزانية الإجمالي البالغ 5.1 مليار ليرة الذي سُجل في شهر يناير، انخفض الدخل من الضرائب بنسبة 11 في المئة بالقيمة الحقيقية، أي عندما نطرح تأثير التضخم على الإيرادات الحكومية. وقد حفز هذا التراجع انخفاضاً بنسبة 20 في المئة في الضرائب على الاستهلاك. 
لكن الأمر الأكثر إزعاجاً هو أن الإيرادات غير الضريبية قفزت بنسبة لا يمكن تصديقها بلغت 452 في المئة بالقيمة الحقيقية بسبب تدخل الحكومة في قواعد البنك المركزي. وبعبارة أخرى، أقنعت الحكومة صناع السياسة في البنك المركزي بتغيير لوائحهم من أجل تحويل أرباح العام الماضي البالغة 37 مليار ليرة، لتنقل التحويل إلى شهر يناير بدلاً من شهر أبريل، فقط من أجل توفير تمويل شعوبي للانتخابات. كانت أرباح البنك المركزي في معظمها دون تكلفة تقريباً للمؤسسة نفسها - فقد جاءت من الإقراض إلى النظام المالي بسعر فائدة يبلغ 18 في المئة. لذلك، يتم بالفعل تمويل الانتخابات المحلية من خلال القطاع المصرفي التركي، بشكل غير مباشر.
وهكذا أنفقت الحكومة كل ذلك في محاولة لتحفيز الاقتصاد. وبصرف النظر عن أموال البنك المركزي، ارتفع إجمالي نفقات الموازنة في شهر يناير بنسبة 35 في المئة على أساس سنوي بالقيمة الحقيقية.

رسم توضيحي عن حساب الموازنة
حساب الموازنة

بالتالي، لم يكن من المفاجئ أن نقرأ أن وكالة التصنيف الائتماني ستاندرد آند بورز قالت في مراجعة روتينية إنها قد تخفض التصنيف الائتماني الأساسي لتركيا إذا لاحظت زيادة احتمال حدوث أزمة مصرفية منهجية يمكن أن تقوض وضعها المالي. وأكدت الوكالة، في الوقت الحالي، على التصنيف الائتماني السيادي للعملة الأجنبية في تركيا على المدى الطويل عند بي موجب وأبقت التوقعات مستقرة. 
وعلى النقيض من تقدير نمو الناتج المحلي الإجمالي الرسمي لتركيا بنسبة 2.3 في المئة لعام 2019، تتوقع وكالة ستاندرد آند بورز أن ينكمش الاقتصاد بنسبة 0.5 في المئة هذا العام، وقالت إن ثمة شكوكاً كبيرة بشأن التوقعات التي يمكن أن تمهد الطريق لخفض التصنيف الائتماني. وفي إشارة إلى القطاع المصرفي التركي، أصدرت ستاندرد آند بورز بعض التحذيرات الخطيرة بشأن تدهور تصنيف جودة الأصول في النظام المالي، الذي صمد بصلابة على مدى الخمسة عشر عاماً الماضية. وقالت إن السلطات التركية لم تضع أي خطط محددة بشأن كيفية تعاملها مع مشكلات تصنيف جودة أصول البنوك، وحثتها على الخروج بخطة منسقة ومتسقة بدلاً من اتخاذ إجراءات مخصصة لوحظت منذ أزمة العملة في العام الماضي.
شهدت البنوك التركية خروجاً صافياً لرأس المال بلغ 10.5 مليار دولار في عام 2018 لأنها سددت حوالي 6.3 مليار دولار من الديون قصيرة الأجل بالعملات الأجنبية و8.7 مليار دولار من الديون طويلة الأجل بالعملات الأجنبية. وتنشغل الصناعة، التي تعاني الآن من ضغوط نقدية، بإعادة هيكلة ديون الشركات، ولا تحصل على المساعدة من المواطنين الأتراك، الذين ينشغلون بمراكمة الودائع بالعملات الأجنبية لأسباب تتعلق بالسلامة على الرغم من حقيقة أن الليرة التركية تعيش حالة من الاستقرار.
وبالتالي، كمستثمر أو محلل، سيكون من الحكمة أن تصبح على دراية كاملة بالأمراض الحالية في اقتصاد تركيا الآن، حيث أن المشاعر العالمية تفضل أصول السوق الناشئة مرة أخرى. هذه المرة، في ظل عدم توقع أن تسدد الانتخابات في تركيا ضربة قوية لنظام أردوغان القوي، فإن الانتخابات حاسمة من حيث كيفية قيام الحكومة بإثارة اختلالات كبرى أخرى للحفاظ على سيطرتها على البلديات التركية. ومن ثم، من المرجح أن تكون فترة ما بعد الانتخابات معضلة بالنسبة للاقتصاد التركي أكثر من أي وقت مضى، مع الأخذ في الاعتبار الركود المحتمل وتدهور صورة الميزانية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-economy/cracks-turkeys-economy-keep-getting-larger
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.