اتفاقيات الطاقة.. الفائدة الكبرى لروسيا وليس لتركيا

تحول مشروع خط الأنابيب المعروف باسم "ترك-ستريم"، والمقرر أن ينقل الغاز الروسي أسفل مياه البحر الأسود إلى تركيا، إلى حقيقة واقعة.
فلقد زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تركيا قبل أيام حيث قام يرافقه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بتدشين الجزء الذي يمر أسفل المياه من المشروع.
جرى ذلك في مراسم مميزة، مثلما يمكن للمرء أن يتوقع. وقدم بوتين الشكر لمضيفه أردوغان على "الإرادة والشجاعة السياسية" التي ساعدت على إنجاز ما وصفه بأنه "الجزء الأكثر صعوبة من المشروع."
وقال أردوغان "ترك-ستريم مشروع يتناسب مع الأهمية التاريخية للعلاقات الثنائية وللأهمية الجيو سياسية التي تحظى بها أمور الطاقة في منطقتنا."
لا شك أن الرئيس التركي كان محقا تماما في الإشارة إلى أهمية قضايا الطاقة. لكن علينا أن ننتظر لنرى كيف يمكن لخط الأنابيب أن يؤثر على جيران تركيا.
يتولى "ترك-ستريم" نقل الغاز الروسي الذي تنتجه شركة غازبروم إلى تركيا، التي تعد ثاني أكبر زبائنها بعد ألمانيا.
ويتكون المشروع من خطي أنابيب، سعة كل منهما 15.75 مليار متر مكعب. وبحسبة بسيطة، سنجد أن هذا يمثل نحو 35 بالمئة من استهلاك تركيا السنوي من الغاز ونحو نصف ما تستورده تركيا من الغاز الروسي.
النصف الآخر يمر عبر خط الأنابيب "بلو-ستريم"، وهو مشروع آخر أسفل مياه البحر الأسود، بدأ تشغيله في منتصف العقد الماضي.
ويباع الغاز الروسي إلى شركة بوتاش التركية بموجب اتفاقيات طويلة المدة، تشمل 80 بالمئة منها تقريبا بنودا تفرض على المستورد شروطا جزائية في حالة عدم الشراء.
بعبارة أخرى، لقد ساعد مشروع "ترك-ستريم" شركة غازبروم على وضع قدم في سوق مربح. وحتى مع نجاح تركيا في الحصول على المنتج بسعر أقل من سعره بنسبة 10.25 بالمئة مع استرداد نحو مليار دولار هذا العام بعد معارك قضائية استمرت حتى وقت قريب، فإن الشركة التابعة للدولة الروسية تحقق رغم ذلك مكاسب معتبرة.
فمع هذه الاتفاقيات، سيجد منتجون منافسون مثل إيران وأذربيجان صعوبة في دخول السوق التركية، خاصة مع عدم وجود نمو في الطلب.
في العام الماضي، وبسبب الأجواء شديدة البرودة خلال الشتاء، سجلت غازبروم صادرات غير مسبوقة إلى تركيا بواقع 28.6 مليار متر مكعب.
لدى بوتين أسبابه ليشعر بالرضا أيضا. ففي مشروع "ترك-ستريم" انتصار سياسي.
لقد كان الرئيس الروسي نفسه هو من قدم المقترح، ولعله كان أمرا مفاجئا لقيادات شركة غازبروم نفسها، وذلك خلال زيارة قام بها إلى أنقرة في ديسمبر عام 2014.
ولقد كان في مشروع خط الأنابيب هذا لطمة للاتحاد الأوروبي الذي رفض مشروع "ساوث ستريم"، وهو مشروع سابق تمر أنابيبه أسفل المياه بين روسيا ومنطقة البلقان.
كما سيكون مشروع "ترك-ستريم" ولا شك شوكة في حلق الولايات المتحدة، بالنظر للضجة التي أثارتها إدارة الرئيس دونالد ترامب حول مشروع خط أنابيب "نورد-ستريم 2" المتجه إلى ألمانيا.
أخيرا وليس آخرا، فإن مشروعي "نورد-ستريم" و"ترك-ستريم" هما أقل اعتمادا في النقل على أوكرانيا، إذ ينتهي أمد اتفاقها الحالي بنهاية العام المقبل.
في المجمل، وكما خلصت ورقة بحثية للكاتب سليم كورو في تحليل مثير، فإن تقاربا غير مسبوق قد حدث بين روسيا وتركيا خلال العامين الماضيين.
غير أن ما ستجنيه تركيا من مشروع "ترك-ستريم" هو أمر أكثر تعقيدا.
فمن جهة، يبدو أن أردوغان محق فيما قاله. فخط الأنابيب يعزز النفوذ الجيو سياسي لتركيا في المنطقة.
كما أن هذا الربط المباشر مع روسيا ينهي الاعتماد على الغاز الذي يمر عبر أوكرانيا ورومانيا وبلغاريا. والأكثر أهمية هنا أن مشروع "ترك-ستريم"، وما يسمى "ممر الغاز الجنوبي" يحولان تركيا من مستهلك إلى محطة لنقل المنتج.
هنا تتحقق أخيرا رؤية جرى وضعها في أوائل تسعينيات القرن العشرين. فالسياسيون وصناع القرار يتحدثون دائما عن تحويل تركيا في المستقبل إلى مركز للطاقة من خلال موقعها الاستراتيجي في منتصف الطريق بين أوروبا الغربية ودول الشرق الغنية بمصادر الطاقة.
لكن على الجانب الآخر، فإن أسئلة لا تزال عالقة تتعلق بمد مشروع خط الأنابيب "ترك-ستريم" إلى أراضي دول الاتحاد الأوروبي. 
فما إن يكتمل الجزء الأرضي من المشروع، سيكون بوسع خط الأنابيب نقل 15.75 مليار متر مكعب أخرى إلى الحدود التركية مع كل من بلغاريا واليونان.
لكن لنقل الغاز أبعد من ذلك، تحتاج غازبروم إلى الامتثال لقواعد المنافسة المطبقة من قبل الاتحاد الأوروبي التي تقضي بالسماح للمنافسين باستخدام البنية التحتية التي تنوي إنشاءها.
بعبارة أخرى، فإن المسائل الإجرائية التي عرقلت مشروع "ساوث-ستريم" قبل سنوات عديدة لا تزال دون حل. والآن تفتقر روسيا وتركيا لأوراق المساومة التي تجبر الأوروبيين على تقديم تنازلات.
المساومة أمر ممكن التحقيق بكل تأكيد. فاليونان وبلغاريا، ومعهما دول أخرى في المسار، تتطلعان بلهفة لاستضافة مشروع "ترك-ستريم 2".
كما أن المفوضية الأوروبية تحتاج لأن تكون جزءا من الأمر. فمع قرب موعد انتخابات البرلمان الأوروبي، والمقررة في مايو المقبل، حيث سيتولى فريق جديد مهمة القيادة في مؤسسات الاتحاد الأوروبي في بروكسل، فإن أي مفاوضات مع الحكومة الروسية لن تسفر عن نتائج سريعة.
أن تتحول تركيا إلى ممر لعبور للغاز الروسي هو أيضا أمر يتوقف على توصل موسكو وكييف لاتفاق لتجديد تعاقد بينهما.
المشروعان، "ترك-ستريم" و"نورد-ستريم" يوفران لشركة جازبروم بعض الامتيازات. والانتخابات الرئاسية والبرلمانية في أوكرانيا المقررة العام المقبل ربما تأتي بقيادة منفتحة على التعامل مع الروس من خلال طرح اتفاق أفضل من الاتفاق الساري حاليا.
لقد قدم أردوغان لبوتين امتيازات كبيرة على طبق من فضة. ولعله يتطلع لأن يقبض الثمن.
في سوريا على سبيل المثال، ساعدت روسيا على وقف القتال حول إدلب ومنحت الضوء الأخضر للحملة العسكرية التي تقوم بها أنقرة ضد قوات الأكراد السوريين.
لكننا حتى الآن نرى روسيا الطرف المستفيد من اتفاقات الشراكة في مجال الطاقة، وليس تركيا.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/energy/energy-partnership-working-more-russia-and-less-turkey
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.