أوليفر رايت
أكتوبر 01 2018

اتفاقية أردوغان في سوتشي تصب في صالح الأسد

حظي الاتفاق الذي أبرمه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في سوتشي بشأن محافظة إدلب السورية باهتمام كبير.
واستقبلت وسائل الإعلام التركية التابعة للحكومة النبأ بسعادة غامرة تعكس الارتياح لمنع هجوم للقوات الحكومية السورية على المحافظة الخاضعة لسيطرة المعارضة.
ودفع ذلك أحد كتاب الأعمدة للقول إن أردوغان، الذي ندرت عنده الأنباء السارة في الآونة الأخيرة، سيُرشح لجائزة نوبل للسلام. وفي المقابل، تساءل كثيرون عما إذا كانت الاتفاقية قد قدمت لإدلب وتركيا شيئا أكثر من مجرد تهدئة مؤقتة.
تخضع إدلب في الوقت الراهن لسيطرة مجموعة من الجماعات المسلحة العنيدة. وتختلف تلك الجماعات فيما بينها باستثناء معارضتها للحكومة السورية وهو ما يفسر سبب استهلاكها للكثير من الوقت في قتال بعضها البعض مثلما تقاتل عدوها المشترك.
وتنشر تركيا في الوقت الراهن قوات على الأرض في ذات المنطقة التي تعاني من الفوضى. 
ونشرت تركيا القوات وفقا لبنود اتفاق أبرمته العام الماضي مع روسيا وإيران لإدارة نحو 12 نقطة أمنية على حدود إدلب مع محافظات سورية أخرى وهو ما يمثل حاجزا يفصل المعارضة عن قوات الحكومة السورية.
ووفقا لبنود اتفاقية سوتشي، تتولى تركيا إقامة منطقة عازلة منزوعة السلاح بعرض 15 إلى 25 كيلومتر على امتداد الحدود الداخلية لإدلب وذلك بحلول منتصف أكتوبر.
وتنفيذ ذلك يستلزم إزالة الأسلحة الثقيلة من المنطقة، وكذلك إبعاد من وصفهم بوتين بمسلحي المعارضة "أصحاب العقول المتطرفة". وفي المقابل، تمنع روسيا الحكومة السورية من شن هجوم على المنطقة كثيفة السكان.
والأمور على ما يرام حتى الآن. فقد تجنبت تركيا بشكل مؤقت احتمال انفجار كارثة إنسانية في إدلب كان من المحتمل أن تدفع مئات الآلاف من اللاجئين ومسلحي المعارضة للفرار باتجاه الحدود التركية.
وبخلاف ذلك، يصعب معرفة إلى أي مدى خدمت الاتفاقية أي طرف بقدر ما خدمت الرئيس السوري بشار الأسد.
ومنذ سنوات، يتبع الأسد وحلفاؤه الروس والإيرانيون ومسلحو حزب الله اللبناني إستراتيجية محاصرة أعدائهم في جيوب متتالية تقل عددا ومساحة. ونجحت الإستراتيجية إلى حد كبير.
ومن السهل معرفة لماذا اختاروا هذه الإستراتيجية. فرغم أنها تركز قوة خصومها في مواقع محددة، إلا أنها تتيح لقوات الحكومة المرهقة قليلة العدد من استرداد المناطق التي يتركها مسلحو المعارضة بأقل تكلفة، وتركز في نفس الوقت قوتها القتالية الرئيسية على عدد أقل من الخصوم وأهداف وبيئات أكثر.
واستفادت الاستراتيجية من مكامن قوة الجيش السوري، وأخفت في الوقت نفسه نقاط ضعفه.
ويبدو أن الاتفاق المبرم في منتجع سوتشي الروسي قد عزز هذه الاستراتيجية. ولذلك لم تكن مفاجئة أن تتقبلها الحكومة السورية.
وبافتراض أن تركيا ستنجز ما عليها في الصفقة، فإن قوات المعارضة ستتركز الآن في منطقة أصغر مساحة داخل إدلب مما يجعلها هدفا أسهل إذا تحركت القوات السورية ضدها.
والاتفاقية غامضة أيضا لأن تركيا ستجد أنه من المستحيل تقريبا الوفاء بشروطها.
وفهم تركيا لعبارة "أصحاب العقول المتطرفة" يختلف على الأرجح عن فهم الروس لها ناهيك عن وجهة نظر الحكومة السورية.
وإن لم تنجح تركيا في إخراج كل مسلحي المعارضة من المنطقة منزوعة السلاح خلال الإطار الزمني القصير، فإن أصابع الاتهام ستُوجه إلى أي جماعات تظل في المنطقة.
ومن المحتمل أن تكون الجماعات التي ستعارض الخروج من المنطقة المقترحة هي تلك التي توصف "بأصحاب العقول المتطرفة".
لذلك فإن اتفاقية سوتشي، ورغم كل الثناء الذي حظيت به في الإعلام التركي، تحمل تركيا مهمة تطهير مساحة من الأرض السورية من قوات المعارضة حتى تكون مهيأة لرجوع قوات الحكومة السورية إليها في تاريخ تختاره هي وبأقل التكاليف.
وإن نشب قتال بعد فترة من الآن بين المعارضة والجيش السوري، فإن الاتفاق سيكون قد وضع جماعات المعارضة، التي حظي بعضها برعاية تركية، في موقع أكثر انكشافا. وهذا يقوض نفوذ تركيا في سوريا.
وبالطبع لا تريد تركيا أن تصل الأمور إلى هذه المرحلة. لكن ليس من الواضح ما يمكن أن تقوم به لتغيير المعادلة.
وإن صحت توقعات الإعلام التركي، فإن أنقرة ستقوم على الأرجح بلفت انتباه دمشق إلى مناطق سورية شرقي نهر الفرات تخضع حاليا لسيطرة الفصائل الكردية المسلحة المدعومة من الولايات المتحدة.
ولطالما اعتبرت تركيا هذه المجموعات أكبر تهديد من سوريا على أمنها القومي.
وربما تأمل أنقرة أن تُقنع الحكومة السورية والقوات المتحالفة معها بأن التهديد الذي تمثله هذه الجماعات الكردية على وحدة الأراضي السورية هو أكبر من التهديد الذي تشكله المعارضة في إدلب ناهيك عن مناطق سورية أخرى احتلها الجيش التركي في عامي 2016 و2018.
فمن الصعب معرفة كيف ستؤدي أحداث سوتشي إلى تغيير الظروف التي دفعت الحكومة السورية إلى جعل استرداد إدلب على رأس أولوياتها مقارنة بمناطق أخرى لا تزال خارجة عن سيطرتها.
لذلك فإن اتفاقية سوتشي تدل على استماتة تركيا من أجل تجنب استقبال موجة جديدة من اللاجئين ومقاتلي المعارضة، ومعظم متشددون، بدرجة أكبر من كونها تقدم طويل الأجل باتجاه تحقيق أهداف تركيا في سوريا.
وكما قال وزير الخارجية التركي السابق يشار ياكيش فإن تركيا وافقت على "القيام بالعمل القذر في إدلب". إنه العمل القذر للحكومة السورية. 
وفي الصراع السوري فإن أي خسارة لتركيا مكسب جديد للحكومة السورية.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: