ارتفاع مؤشرات الفساد بالتزامن مع ارتفاع مستويات الفقر

احتلت تركيا المرتبة الـ78 بين 180 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2018 الذي نشرته منظمة الشفافية الدولية في الأيام الأخيرة من يناير الماضي.
لن نكون مبالغين إذا قلنا إن مكانة تركيا في مؤشر مدركات الفساد مخجلة للغاية. وأظن أن تطبيق المادة الـ301 من قانون العقوبات التركي المثيرة للجدل، والتي تتعلق بمعاقبة الأشخاص المهينين للهوية والقومية التركية، على أولئاك الذين تسببوا في ظهور هذه النتيجة سيكون خطوة صائبة جدًّا!
تجري منظمة الشفافية الدولية دراسات موضوعية شاملة، ولا تستهدف الإساءة بتركيا بطبيعة الحال، كما يزعم بعض البلهاء عندما تأتي بلادهم في مراتب مؤخرة من القائمة.  
تقوم المنظمة بتصنيف 180 بلدًا وإقليمًا وفقًا لمدركات انتشار الفساد في قطاعها العام، استنادا إلى آراء الخبراء والمسؤولين في مجال أعمال، حسب مقياس يتراوح ما بين 0 و100 نقطة، حيث تمثل النقطة الصفر أكثر البلدان فسادًا؛ في حين تمثل النقطة 100 أكثرها نزاهة. 
وطبقًا لذلك، حصلت تركيا على 40 نقطة، بينما جاءت الدنماركُ ونيوزيلندا وفنلندا وسنغافورة والسويد وسويسرا في صدر القائمة بعد حصولها على أعلى الدرجات في الترتيب، في حين أن كوريا الشمالية واليمن وجنوب السودان وسوريا والصومال أتت في ذيل القائمة. 
إذا ألقيتم نظرة على ترتيب الدول في تقرير المنظمة سترون أن الدول التي تبوأت مراكز متأخرة في مؤشر مدركات الفساد ينخفض فيها دخل الفرد أيضًا بنفس القدر. ذلك أن أكبر عدو للإثراء والتنمية هو مدركات الفساد.
 فكلما زاد الفساد تضاءلت معه الاستثمارات المحلية والأجنبية، الأمر الذي يؤدي إلى الإخفاق في تحقيق الثراء والتنمية. وبما أن الفساد يعني استغلال اللوائح والقوانين لتحقيق مصالح شخصية، فإنه يتمخض عنه في النهاية اقتصادٌ مشوّه يعوق عملية التنمية ويؤدي بالتالي إلى زيادة الفقر.  
أما دول الاتحاد الأوروبي وأوروبا الغربية فتربعت على الصدارة بين أقل البلدان فسادًا، حيث بلغ متوسط نقاطها 66 من أصل 100 نقطة؛ فيما نزل هذا الرقم إلى 38 عند دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى نظرًا لشيوع الفساد فيها.   
هناك علاقة عكسية بين الديمقراطية والفساد؛ فكلما زادت الديمقراطية قلّ الفساد، والعكس صحيح أيضًا. 
تعرف منظمة الشفافية الدولية الديمقراطية وفق توافر المعايير التالية:
1- انتخابات حرة ونزيهة.
2- مؤسسات عامة قوية ومستقلة.
3- الحقوق السياسية، كالمظاهرة والاحتجاج.
4. الحقوق المدنية، مثل الحق في المحاكمة العادلة.
لذا نرى أن أيا من الدول التي تتوافر فيها تلك المعايير الديمقراطية الأربعة لا تتراجع إلى ما دون 50 نقطة في مؤشر مدركات الفساد، وفي مقابل ذلك لا ترتفع جل الأنظمة الأوتوقراطية فوق 50 نقطة في هذا المؤشر. 
وقد حازت تركيا على 40 نقطة في مؤشر الفساد. وهذا يوجب علينا البحث عن المسؤولين عن هذه النتيجة المخجلة ومعاقبتَهم وفق قانون إهانة الهوية التركية! حيث إن هذه الدرجة أكبر إهانة للقومية التركية! 
وبحسب التقرير، فإن ثلثي 180 دولة نالت على أقلّ من 50 نقطة، في حين بلغ متوسط النقاط في العالم 43 نقطة، ما يعني أن تركيا أخذت درجة أقلّ حتى من المتوسط العالمي للأسف الشديد.
منظمة الشفافية الدولية تجري دارساتها منذ عام 1995. ومن المثير للانتباه أن تركيا كانت متقدمة على كل من اليونان وإيطاليا، أي كانت أقلّ فسادًا منهما، في الدراسة الأولى للمنظمة، إلا أنهما أحرزتا نجاحًا ملحوظًا بمرور الوقت وخلّفتا تركيا وراءهما بتحقيق نقاط عالية في مؤشر أقلّ الدول فسادًا، في حين أن تركيا ظلت بعد ذلك التاريخ في خانة الدول التي تشهد تراجعًا مستمرًا في هذا المجال. 
تقدم منظمة الشفافية توصيات إلى البلدان التي نالت على حوالي 40 نقطة في مؤشر مدركات الفساد، مثل تركيا، وتصف قبل كل شيء حكام تلك البلدان بـ"الزعماء الشعبويين الملطخين بالفساد". يمكن تلخيص تلك التوصيات كما يلي: 
1- فتح المجال للمنظمات غير الحكومية واستخدام حرية التعبير إلى أبعد الحدود.
2- تمكين المواطنين بأي طريقة كانت من مراقبة الإنفاقات العامة ومحاسبة المسؤولين عنها.
3- إصلاح النظام القضائي لتحقيق مبدأ المحاكمة العادلة، إلى جانب المؤسسات العامة.
4- رفع كل العقبات التي تمنع من الوصول إلى المعلومات والأخبار.

وإذا أردنا أن ننظر إلى تركيا على ضوء هذه المقترحات الأربعة، فإننا سنرى صورة قاتمة للغاية؛ إذ تتحدث منظمة الشفافية عن ضرورة تفعيل المجتمع المدني، إلا أن عثمان كافالا، إحدى أبرز الشخصيات العاملة في المجال المدني، لا يزال في السجن ولم يتم حتى إعداد مذكرة اتهام منذ أكثر من سنة. وتتحدث عن حرية التعبير، غير أنها باتت تحت الأقدام؛ لأن مئات الأكاديميين يخضعون للمحاكمة بسبب توقيعهم على بيان "السلام الكردي". أما تمكين المواطنين من مراقبة الإنفاقات العامة فإنه حتى البرلمان والجهاز الرقابي للدولة عاجزان عن مراقبتها دعوا عنكم المواطنين. وأما النظام القضائي، فالجميع متفقون على أنه لم يعد يعمل، وباتت كل القرارات بين شفتي رجل واحد. وتدعو الشفافية الدولية إلى رفع الموانع الحائلة دون الوصول إلى الأخبار، لكن لا يزال الدخول إلى موسوعة ويكيبيديا الحرة محظوراً في تركيا. فهل هناك حاجة لمزيد من القول؟
من جانب آخر، تحتل تركيا المرتبة قبل الأخيرة بين 35 بلدًا عضواً في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من حيث انتشار الفساد أيضًا، وهناك دولة وحيدة أسوأ منها وهي المكسيك! والمثير أن تركيا تأتي في المركز الـ34 في اختبارات البرنامج الدولي لتقييم الطلبة التي تجريها المنظمة، وتأتي بعدها في المركز الأخير المكسيك أيضًا، مما يعني أن الفساد يعرقل التنمية الاقتصادية، وهذا يؤدي إلى عدم تخصيص موارد كافية للتعليم. 
أضِفْ أن تركيا ليست في وضع يحسد عليه أيضًا في مؤشر التنمية البشرية الذي ينشره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي سنويًّا، حيث جاءت في المرتبة الـ64 في تقريره الأخير. ونفهم من ذلك أن التراجع في مؤشر الفساد يتسبب في انخفاض الدخل القومي للفرد الواحد، ويؤثر سلبًا على مؤشر التنمية البشرية في آن واحد.
تصِف منظمة الشفافية الدولية الفساد أنه استغلال للموارد العامة من أجل المصالح الشخصية، إلا أن الفساد في تركيا يمارَس تحت الغطاء القانوني من خلال المناقصات والمساعدات العامة وما شاكلها. 
وسط هذا المشهد المخيف في تركيا يجب أن تكون مكافحة الفساد بكل أنواعه على رأس أولوياتنا، لأن تفاقم الفقر بالتناسب مع زيادة الفساد حقيقة واضحة وضوح الشمس. 
يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضًا على هذا الرابط: 

https://ahvalnews.com/tr/yolsuzluk/ne-kadar-yolsuzluk-o-kadar-fakirlik-issizlik
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.
This block is broken or missing. You may be missing content or you might need to enable the original module.