سبتمبر 11 2018

استثمار تركيا في المتطرّفين يشارف على نهايته في سوريا

بيروت - عملت السلطات التركية على الاستثمار في المتطرّفين والجهاديين الذين انخرطوا في الحرب السورية، عبر تسهيل دخولهم إلى الأراضي السورية، وتأمين جانب من الدعم لهم في سبيل تعزيز نفوذها وتأمين مصالحها في الأزمة السورية، وذلك بحسب ما يشير مراقبون للشأن التركيّ. 

لكن يبدو أن هذا الاستثمار التركي يكاد يشارف على نهايته في سوريا، ولاسيما في ظل أجواء التصعيد في إدلب. 

وبعد سبع سنوات من الحرب الدائرة في سوريا، يجد المقاتلون الأجانب أنفسهم اليوم قاب قوسين من الوصول إلى طريق مسدود في محافظة إدلب، حيث يرجح محللون أن يقاتلوا حتى الرمق الأخير دفاعاً عن معقلهم الأخير بعد أن تقطعت بهم السبل، وأصبحوا يشكلون عبئاً كبيراً على الحكومة التركية، ومن نقاط الخلاف الرئيسة بينها وبين الأطراف الفاعلة في الأزمة السورية. 

وشكلت محافظة إدلب في شمال غرب البلاد منذ العام 2015 وجهة لمجموعات عدة مناوئة لنظام الرئيس بشار الأسد، من الفصائل المعارضة المعتدلة مروراً بالإسلامية فالجهادية المرتبطة بتنظيم القاعدة وصولاً إلى جهاديين أجانب متشددين.

ويقول الباحث في مجموعة الأزمات الدولية سام هيلر لوكالة فرانس برس "هؤلاء أشخاص لا يمكن في الواقع دمجهم في سوريا، تحت أي ظرف، ليس لديهم مكان للذهاب اليه وقد يكونون على استعداد للموت في أي حال".

فشل رؤساء روسيا وإيران وتركيا خلال قمة عقدت في طهران الجمعة الماضية في تجاوز خلافاتهم حول إدلب.
فشل رؤساء روسيا وإيران وتركيا خلال قمة عقدت في طهران الجمعة الماضية في تجاوز خلافاتهم حول إدلب.

عقبة رئيسة

وفشل رؤساء روسيا وإيران وتركيا خلال قمة عقدت في طهران الجمعة الماضية في تجاوز خلافاتهم حول إدلب، إلا أنهم اتفقوا على مواصلة "التعاون" للتوصل إلى حل لتفادي وقوع خسائر في الأرواح.

ولم تفلح جهود الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الرامية لإعلان هدنة، وتجنيب المنطقة ما أسماه "حمام دم" عبر إعطاء المزيد من الوقت للمفاوضات، أمام تعنت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وإصراره على القضاء على الفصائل المتشددة وإعادة سيطرة الحكومة السورية على المحافظة.

ويشكل مصير الجهاديين، وبينهم المقاتلون الأجانب الأكثر تشدداً، وفق محللين، العقبة الرئيسية أمام أي اتفاق حول إدلب.

وتضم المجموعات الأجنبية مقاتلين من أوزبكستان والشيشان ومن الإيغور، وهي أقلية إثنية في الصين، تمرس عناصرها في القتال في حروب عدة قبل أن ينتقلوا إلى سوريا.

وجد المقاتلون " الإيغور" الجهاديون الأكثر تمرساً بالقتال في الساحة السورية موطئاً لانطلاقهم مجدداً منذ العام 2013 بعد مطاردتهم في بلدانهم واستهدافهم  في كل من أفغانستان وباكستان. 

وفي حين انضم الكثيرون منهم إلى تنظيم الدولة الإسلامية، أبقى آخرون على علاقتهم الوطيدة بتنظيم القاعدة والمجموعة المرتبطة به، وهي راهناً هيئة تحرير الشام التي تسيطر على حوالي 60 بالمئة من محافظة إدلب.

ويعد الحزب الإسلامي التركستاني أحد أكبر هذه المجموعات، وينتمي مقاتلوه إلى الإيغور، الأقلية المسلمة التي تواجهها سلطات إقليم شينجيانغ الصينية بالقمع.

واكتسب هؤلاء المقاتلون خبرة في القتال في أفغانستان قبل توجههم إلى سوريا ومساندتهم فصائل إسلامية ومعارضة في طرد قوات النظام من إدلب صيف العام 2015.

ويقول هيلر "اقتحموا آنذاك مخازن الأسلحة وباتوا منذ ذلك الحين من بين الفصائل الأكثر قوة في الشمال".

ويتمركز المقاتلون التركستان الذين يقدر عددهم بين ألف وبضعة آلاف في محيط مدينة جسر الشغور في جنوب غرب إدلب، وهي منطقة استهدفتها الغارات والمدفعية في الأيام الأخيرة.

ويرجح الخبير في شؤون الجهاديين في معهد الجامعة الأوروبية تور هامينغ أن يشكل المقاتلون التركستان رأس الحربة في التصدي للهجوم على إدلب وأن يشكلوا الحليف الرئيسي لهيئة تحرير الشام التي تسيطر على الجزء الأكبر من المحافظة.

ويقول لفرانس برس "ليس بالضرورة جراء عددهم الكبير ولكن لأنهم باتوا يُعرفون بقدراتهم القتالية الجيدة ويحظون باحترام واسع في صفوف الجهاديين والفصائل".

وانطلاقاً من أنه لا يمكن للحزب الاسلامي التركستاني أن ينشط في إقليم شينجيانغ، فإن خسارة إدلب المحتملة ستحرمهم من واحدة من أبرز "ساحات المعارك البديلة".

ومقاتلو الإيغور المتشددون ليسوا الآسيويين الوحيدون في إدلب، إذ انضم مقاتلون من الأوزبك إلى صفوف مجموعات صغيرة قريبة من هيئة تحرير الشام، واكتسب هؤلاء مهاراتهم القتالية إلى جانب حركة طالبان أو تنظيم القاعدة في باكستان وأفغانستان، قبل أن يتوجهوا الى سوريا كامتداد لتنظيم القاعدة آنذاك..

من بين المجموعات المتطرفة، لواء الإمام البخاري الذي غالباً ما تسلط أشرطته الدعائية الضوء على جنود أطفال.
من بين المجموعات المتطرفة، لواء الإمام البخاري الذي غالباً ما تسلط أشرطته الدعائية الضوء على جنود أطفال.

تجنيد الأطفال

ومن بين تلك المجموعات كتيبة التوحيد والجهاد التي يرأسها، وفق أجهزة الأمن الروسية والقيرغيزية، سراج الدين مختاروف (28 عاماً) والمعروف أيضاً باسم أبو صلاح الأوزبكي.

وبين تلك المجموعات، لواء الإمام البخاري الذي غالباً ما تسلط أشرطته الدعائية الضوء على جنود أطفال، وصنفته الولايات المتحدة خلال العام الحالي على قائمة المنظمات الإرهابية.

ومن المعروف أن هاتين المجموعتين تقاتلان في إدلب، إلا أنه لا يتوفر الكثير من المعلومات عنهما.

ولعلّ المقاتلين الأجانب الأكثر شراسة هم الشيشان، المحاربون القدامى الذين خاضوا معارك وحشية ضد روسيا والمرتبطون بهيئة تحرير الشام.

وتشكل جماعتا جند الشام وأجناد القوقاز المجموعتين الشيشانيتين الأبرز في سوريا، لكنهما أبقتا على حيادهما خلال جولات الاقتتال الأخيرة التي خاضتها الفصائل في ما بينها.

ويتوقع محللون أن يعيدهما هجوم قوات النظام الوشيك إلى الساحة مجدداً.

وتقول الباحثة جوانا باراسزكزوك من مؤسسة "آي إتش أس جاينز" والتي تتعقب الجهاديين الأجانب المتحدثين بالروسية في سوريا لفرانس برس "يحبس الجميع أنفاسهم في انتظار معرفة ماذا سيحصل".

وبحسب باراسزكزوك، فإن الكثيرين من الجهاديين الشيشان قدموا إلى سوريا منذ العام 2012 وتزوجوا بسوريات وأسسوا عائلات، ومن المرجح أنهم سيفعلون كل ما بوسعهم لحماية ذلك كله.

ولتحقيق هذا الهدف، ترجح باراسزكزوك أن ينضموا على أرض المعركة الى تحالفات مع مجموعات أكبر كهيئة تحرير الشام ويوفروا القناصة وقوات الصدمة.

وتحرص روسيا على وجه الخصوص، بحسب محللين، على التأكد من عدم عودة أي من المقاتلين الشيشان المعارضين لها إلى الشيشان للقتال إلى جانب المتمردين.

وتقول باراسزكزوك "قتلهم من هذا المنظور سيشكل بمثابة مكافأة نفسية لروسيا".

ودأبت قوات النظام منذ أسابيع وتمهيداً لهجوم وشيك، على استقدام تعزيزات عسكرية إلى إدلب ومحيطها، وصعدت في الأيام الأخيرة وبمشاركة طائرات روسية، ضرباتها الجوية على مناطق عدة في المحافظة وجيوب محاذية.