Tiny Url
http://tinyurl.com/yy3rrkul
Esra Yalazan
فبراير 09 2019

استذكار سيرة الكاتب بيلكه كاراسو: رحلة الإخلاص للكتابة

لا يعرف مدى متعة تذكّر كاتبٍ بعد وفاته من خلال أعماله ومؤلفاته إلا القارئ الذي لا يفتر عن متابعة الكُتاب الذين يحبهم ولا يملّ من التجول في عالم النشر كطفل لا يتوقف فضوله عند حد. 
هناك نوع آخر من القارئ يولي اهتمامًا كبيرًا بالمزج بين تجربته الشخصية و"العلاقة الخيالية" التي يعقدها مع الكاتب في حديقة ذاكرته، أو بعبارة أخرى، بانعكاس الصور والأصوات وأطلس المشاعر الواردة في نصوص الكاتب على عالمه الخاص، ويحوّل ذلك إلى جزء من رحلته إلى عالم القراءة. 
هذا النوع من القراء لا يكتفون بما يقدمه لهم الكاتب في أعماله من الجو والمعرفة والقصة، بل يتفحّصون بحساسية فائقة عالم المعنى الفائض من الكتاب كما يتفحّص صانعو الساعات القدامى الساعات من حيث جانبها الناظر إلى "الوقت" وليس من حيث جانبها الميكانيكي. 
أعتقد أن قدرة الكاتب على إثارة التصورات والمعاني في أذهان القراء، إلى جانب كلماته اللفظية، وصمتُه لكي يفسح المجال للتفكير في نطاق أوسع، وإشعارُه بالفجوات الموجودة بين كلماته وجمله قد تكون معطىً مهمًّا للتعرف عليه.
 يقول الأديب والكاتب والقاصّ التركي المعروف بيلكه كاراسو في إحدى مقالاته: "ظلمة الكتاب قد تكون منتجة للغاية." لذا فإنني أحب الاطلاع حتى على الصور الظلية للكتاب في ظلمته، إلى جانب الكشف عن الجذور العميقة للقصص التي يخفيها الكاتب تحت التربة ويمتنع عن إظهارها بشكل جلي. أريد أن أعرف أيضًا كيف ومن أين تتغذى تلك الجذور؟
لقد رغبت في العودة إلى اللحظة التي قابلت فيها الأديب كاراسو للمرة الأولى والأخيرة، قبل شروعي في قراءة الكتاب الموسوم بـ"بيلكه كاراسو لا يزال بيننا"، والذي أعيد نشره بعد مرور 21 عامًا مِنْ قِبل الكاتبتين فوسون آكاتلي ومُوجه جورسوي سوكمان.
وكما يعلم من يعرفون كاراسو عن كثب فإنه لم يكن أبدًا كاتبًا مولعًا بالحديث إلى الصحفيين وتسليط الأضواء على نفسه. لذا فوجئت حينما رضي بمقابلتي في وقت كان مرضه قد اشتدّ، ولا أعلم إن كان ذلك يعود إلى عدم اهتمامه باقتراب رحيله من هذه الدنيا أم إلى سبب آخر. لو كان بوسعي لشاطرتكم جزءًا من الكلام الذي دار بيننا، لكن هذا -لسوء الحظ- غير ممكن؛ إذ لم يكن الأرشيف الرقمي دخل بعدُ في حياتنا قبل 25 عامًا لما أجريت هذا الحوار مع كاراسو لمجلة "تيمبو" (Tempo).
كان أديبنا يختار الكلمات بهدوء، ويتكلم بصوت طيب موزون، وترقص أصابعُه الطويلة في الهواء بتناغم فذّ أثناء حديثه، ويداه الناعمتان اللتان كان يداعب بهما قطته التي أَوَتْ إلى حضنه في مشهد  يبدوان فيه وكأنهما كيان واحد.
في إطار الاستعداد للمقابلة كنت أعددت أسئلة تتعلق بشخصية كاراسو وطريقة كتابته وعمله ونظرته إلى الصداقات التي عقدها طيلة حياته وأفكاره عن البيئة الأدبية في تركيا. لكن عندما قابلته أدركت أنه ينبغي عليّ التركيز على قضايا أساسية، بدلاً من هذه الأسئلة الطويلة، مع كاتب قد يطرق الموت بابه في أي لحظة.
يصف أديبنا في مقاله المسمى "لا يمكن بدون كتاب وقطة" حالاته عند الكتابة قائلاً: "لقد غبطت دائمًا ذلك الكاتب الذي إذا أمسك بالقلم انسالت الكلمات منه وتسارعت إلى السطور بصورة تلقائية.. بينما أنا مضطر للعيش مع مقالاتي لمدة طويلة والصراع معها حتى النهاية؛ فقبل كل شيء لا بد أن تلبس المقالة لحمًا وعظمًا، ثم تخضعَ للقصّ والنحت والإضافة من جوانبها المختلفة، وتعادَ كتابتها عدة مرات ثم توضعَ جانبًا، وتختبرَ طرق شتى للتعبير ثم تتركَ لتجربة أخرى.. وعندما يتم العثور على شرايينَ صالحةٍ بعد نجاح التجارب والاختبارات يبنى منها الطريق المؤدي إلى القلب والفؤاد.. وحينما تَظهر في نهاية المطاف المقالة وكأنها قد اكتملت كل عناصرها الضرورية تنطلق مجددًا عملية إعادة التركيبة بمقصّات لا تأخذها الرحمة أبدًا، لتتمخض هذه العمليات في المحطة الأخيرة عن المقالة التي أريدها.. لا أقول إنه يجب أن تكتب المقالة هكذا، وإنما أؤكد أنني لا أستطيع أن أكتب إلا بهذه الطريقة."  
أظن أن الجملة الأخيرة تصف بصورة رائعة الحالة الروحية لأديبنا عند الكتابة.
تقول الكاتبة البريطانية فيرجينيا وولف في مقالها التحليلي المعنون بـ"كيف ينبغي أن يقرأ الكتاب": "لا تولِ اهتماما للكاتب الذي تقرأ له، بل حاول أن تأخذ محله وتتقمص دوره وتصبح زميله في عمله أو المتواطئ معه في جريمته. لكن إنْ وضعت مسافة بينك وبين الكاتب وبدأت تنتقده منذ البداية فإنك ستحرم نفسك من قيمة كبيرة قد تحصل عليها من خلال عملية القراءة."
نعم، يكمن السر في أن تحاول أن تكون مثل الكاتب عندما يكتب ويقرأ، وتسعى إلى أن تفهمه وتحسّه بكل إخلاص، وتقترب منه حتى عندما تغضب منه، بصورة أكثر من محاولة إدراك نصوصه. 
وقد أحسست بهذا الشعور بقوة في مقال مفصل كتبته الأديبة التركية نوردان جولبيلك وصفت فيه أعمال الأديب كارسو بقولها: "إنها نصوص تم حفرها ونحتها وعجنها لمدة طويلة." ثم أضافت قائلة: "عندما ألقيت نظرة على نصوص كاراسو عن كثب لاحظت أن ما بدا لي من صلابة قد لا تتعلق بشخصيته بل يمكن أن تتصل بطبيعة المواد التي استخدمها في تناول القضية أيضا.. مواد صلبة بحيث لا تسيل إلى قوالب الكلمات والجمل دفعة واحدة، وثقيلة وجامعة لدرجة أنه لا يمكن قولها في نفس واحد." 
ثم لفتتْ إلى أن كاراسو لم يتناول في أعماله مشاعر الحب والغضب والشعور بالذنب والخجل والخوف وغيرها التي تتعلق بعمق وأساس حياة الإنسان؛ وكذلك مشاعر الصداقة والقمع والإيمان والبطولة التي تختص بعلاقاته أو مواقفه الأساسية وحسب، بل تناولها بطريقة تعيد لأذهاننا أكثر أشكالها بدائية ومنسيّة، وتُظهر لنا جوانبها الضارية والمدمرة إلى الدرجات القصوى.
تتداخل كتابات ونصوص كاراسو متعددة الطبقات للغاية وتتشابك ما بين  قصة وحكاية ومقالة ويوميات ورسائل. ربما أنه لم يسغ لنفسه أن يحبسها في الصور النمطية الضيقة للكتابة.
لنختتم هذا المقال بما قالته الكاتبة الشاعرة تومريس أويار في وصف كاراسو ليكون تعريفًا مختصرًا لمن لا يعرفه: 
"تعرفت على كاراسو عام 1966، وكان شخصًا لا يلهث وراء الجوائز مثل غيره من الكتاب في تلك الفترة، ولا يحضر الاجتماعات المزدحمة، وكان يستخدم ماله وجنسه وعزته وفقاً للمبادئ الصارمة التي حدّدها بنفسه."
صحيح أن الرحلة إلى عالم أدب كاراسو، الذي تغلب أحيانًا على لغته وقصته وصورِه الوحشيةُ والعنف والغرابة، شاقة ومرهقة، لكن الذي يتمكن من الدخول في عالم كتاباته بأجنحة الحب والفضول فإنه سيحسّ لا محالة بتلك النعومة والليونة والرحابة اللانهائية والخلود.
يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا
الرابط: 
https://ahvalnews.com/tr/kitap/bir-yazari-hatirlamak-bilge-karasu-arami…

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.