أكرم أوناران
نوفمبر 24 2018

استنزاف جديد لصندوق البطالة

أصبح إجراء "بدل العمل الطارئ"، الذي طالما تحدث عنه رجال الأعمال منذ فترة طويلة، حقيقةً واقعةً الآن. وبصدور القرار، الذي نشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 9 نوفمبر 2018، سيتقاضى العمال في الشركات المتعثرة رواتبهم من صندوق البطالة. وسيحصل هؤلاء على إعانة بمدة ثلاثة أشهر وقد تمتد إلى ستة أشهر.
يتم تفعيل "بدل العمل الطارئ" في أوقات الأزمات الاقتصادية، والكوارث الطبيعية مثل السيول والزلازل، التي أصبح يطلق عليها، بصدور هذا القرار الأخير، اسم "ظروف طارئة ناتجة عن مؤثرات وعوامل خارجية". وبمقتضى هذا القرار، أصبح في إمكان العاملين في الشركات، التي تضررت بسبب تقلب سعر صرف العملات الأجنبية مقابل الليرة التركية خلال الفترة الماضية تقاضي رواتبهم من صندوق البطالة. وبذلك تكون الحكومة الحالية قد أقحمت صندوق البطالة في الأزمة الاقتصادية دون أن تذكر صراحة كلمة "أزمة" من الأساس. 
وقامت الحكومة التركية، في سبيل ذلك، بعمل بعض التعديلات، التي من شأنها تيسير إمكانية الحصول على بدل العمل الطارئ؛ فقاموا على سبيل المثال بإلغاء شرط تقديم "بيان موثق" في القرار الجديد. وأُسندت مهمة فحص الطلبات المقدمة، وقبولها ورفضها إلى المشرفين والمراقبين في العمل، بعد أن كانت مؤسسة العمل التركية هي الجهة الوحيدة المنوط بها القيام بهذه المهمة.
وهذا يعني أن الحكومة التركية الحالية جعلت شروط الاستفادة من بدل العمل الطارئ أكثر مرونة؛ الأمر الذي استقبله عالم المال والأعمال بترحاب كبير؛ ظهر جلياً في التصريحات التي أدلى بها رئيسا الغرفة الصناعية في كل من أنقرة وإسطنبول، وشكرا فيها للحكومة التركية على هذا القرار.
ومن المُنتظر أن تبدأ الشركات التركية، تباعاً خلال الأيام المقبلة، في تقديم طلبات للاستفادة من هذا القرار، وصرف رواتب العاملين بها من صندوق البطالة.
وعلى الرغم مما أثير حول تطبيق نظام بدل العمل الطارئ من نقاشات في المجتمع التركي؛ لكون البدل الذي سيحصل عليه العاملون سيكون من صندوق البطالة، إلا أنه كان أداة مهمة لدعم هؤلاء العاملين، في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية ؛ حتى لا يفقدوا وظائفهم، وتفقد الشركات بالتالي كوادر مؤهلة.  
ساعد تطبيق هذا النظام، أثناء الأزمة الاقتصادية في عام 2009 ، على بقاء مئات الآلاف من الموظفين والعمال في وظائفهم.
ومع هذا، فلم يضع هذا القرار حدوداً قاطعة لعبارة "الظروف الطارئة التي تنتج عن مؤثرات خارجية".  كان من الممكن أن يستمر بدل العمل الطارئ، وأن تدعم الدولة الشركات إذا طُلب منها ذلك. ولكن في هذه الحالة سيظهر من يحاولون البحث عن باب لاستغلال بدل العمل الطارئ بعيداً عن هدفه الأصلي. 
وعلى الرغم من قيام صندوق البطالة  بدفع مليارات الليرات في كثير من المجالات البعيدة عن مسؤولياته الأساسية، إلا أنه لا يزال قوياً متماسكاً؛ حيث بلغ حجم الأموال المتراكمة في الصندوق مع نهاية شهر أكتوبر 125.5 مليار ليرة تركية.  وكان هذا نتيجة التخطيط الجيد لنظام صندوق البطالة، الذي ظهر للحياة في بداية الأمر، أثناء تولي بولنت أجاويد رئاسة الوزراء.
ومع هذا، فإن شهية الحكومات لاستخدام الأموال المتراكمة في الصندوق تجعل من الضروري وضع حدود واضحة للمجالات، التي تنفق فيها موارد الصندوق؛ لأن موارد صندوق البطالة أصبحت تستنزف في مجالات أخرى بعيدة عن هدفه الأساسي؛ إذ تحول الأمر من الإنفاق على مشروع جنوب شرق الأناضول إلى تمويل الدورات المهنية، ومن المشروعات الموسمية إلى تشجيع أرباب العمل، بل إن الأمر قد تخطى ذلك إلى تمويل مصروفات الدولة نفسها. ومن الملاحظ أن نسبة الإنفاق من الصندوق على تحفيز الشركات قد زادت بشكل كبير خلال هذا العام أيضاً.
دعونا نلقي نظرة أكثر قرباً على معدلات إنفاق صندوق البطالة خلال السنوات الثلاث الماضية؛ حتى يمكن أن نفهم هذا الأمر بشكل أكثر وضوحاً. 
يشير البيان الصادر عن مؤسسة العمل التركية في شهر سبتمبر 2018 أن الصندوق قد أنفق مبالغ مالية بلغت  4.5 مليار ليرة تركية، تحت بند رواتب البطالة، بالإضافة إلى 4.9 مليار ليرة أخرى، لتمويل دورات التأهيل المهني، و1.5 مليار من أجل برامج  التدريب على رأس العمل، و910 مليون ليرة من أجل تحفيز أرباب الأعمال. وهذا يعني أن حجم إنفاق الصندوق، بعيداً عن رواتب البطالة، قد بلغ 7.3 مليار ليرة.
وعندما نقارن الوضع الحالي بالوضع في عام 2017، نجد أن الصندوق قد أنفق مبالغ مالية تقدر ڊ 4.8.% مليار ليرة تركية لصالح بند رواتب البطالة، بالإضافة إلى 3.7 مليار ليرة أخرى من أجل برامج التأهيل المهني، و1.9 مليار من أجل برامج  التدريب على رأس العمل، و2.5 مليار ليرة لتحفيز أرباب الأعمال. وهذا يعني أن حجم إنفاق الصندوق، بعيداً عن رواتب البطالة، قد بلغ 8.1 مليار ليرة.
ونلمس مدى التباين في الأرقام كذلك عندما نقارن ذلك بالوضع الحالي في عام 2018، حيث أنفق الصندوق مبالغ مالية تقدر ڊ 4.1.% مليار ليرة تركية، تحت بند رواتب البطالة، بالإضافة إلى 3.1 مليار ليرة أخرى من أجل دورات التأهيل المهني، و1.3 مليار من أجل برامج  التدريب على رأس العمل. وهذا يعني أن حجم إنفاق الصندوق في الفترة بين يناير- سبتمبر قد بلغ 7.1 ليرة تركية. أي أن إجمالي الإنفاق خارج راتب البطالة كان 11.5 مليار ليرة تركية.
كما هو معروف فإن المهمة الأساسية لصندوق البطالة هي توفير إعانات مالية لأي شخص يفقد عمله. وعندما نتفحص البيانات ذات الصلة، ندرك أن الأموال، التي دفعت لتمويل أمور أخرى خارج راتب البطالة، قد تخطت ما تم دفعه في رواتب البطالة نفسها.
أما المجال الأكثر لفتاً للانتباه من الاثنين السابقين فهو قيام الصندوق بتحويل مليارات الليرات سنوياً إلى أصحاب الأعمال بدافع تشجيع القوة العاملة ودعمها في تركيا. وتؤكد بيانات مؤسسة العمل التركية أن المبالغ التحفيزية، التي يدفعها الصندوق في هذا الاتجاه، قد زادت إلى الضعف خلال الفترة الماضية؛ حيث بلغ إجمالي ما تم تحويله لأصحاب الأعمال خلال الشهور التسعة الأولى من هذا العام 7.1 مليار ليرة تركية، بعد أن كان 910 مليون ليرة فقط خلال عام 2016؛ مما يدل على مدى الزيادة، التي حدثت خلال السنوات الثلاث الأخيرة؛ لتصل إلى هذا الرقم.   
وفي حين كان صندوق البطالة يتعامل بسخاء مع أصحاب الأعمال، وجدناه، على النقيض من ذلك تماماً، شديد البخل في تعامله مع العاملين؛ فلم تستفد من موارد الصندوق سوى فئة صغيرة للغاية، بسبب الشروط التعجيزية التي يضعها على العامل للحصول على تلك الرواتب؛ يأتي على رأس هذه الشروط ألا يكون العامل قد فقد عمله برغبة منه، أو نتيجة لتقصير، أو لوقوع خلل ما. وأن يكون قد سدد أقساطاً تأمينية لا تقل عن 600 يوماً، ويشترط أن يكون قد سدد اﻟ 120 يوماً الأخيرة بلا انقطاع. لهذا السبب، لم يتمكن، حتى أكتوبر الماضي، سوى 476 ألف عامل من الحصول على راتب صندوق البطالة من إجمالي 3 مليون و351 ألف عامل عاطلين عن العمل. وهذا يعني أن واحداً فقط من بين سبعة عاطلين عن العمل هو الذي يستطيع الحصول على راتب صندوق البطالة.  
خلاصة القول، إننا عندما نجمع الأموال المدفوعة من صندوق البطالة لتمويل برامج التدريب والبرامج التحفيزية معاً يتبيَّن لنا أن صندوق البطالة قام بالفعل بتحويل مبالغ قدرها 15.2 مليار ليرة تركية لأصحاب الأعمال خلال السنوات الثلاث الأخيرة فقط. وهذا يعني أن المخصصات التحفيزية، التي دفعت لأصحاب الأعمال، قد تخطت بكثير الرواتب المدفوعة للعاطلين عن العمل. لهذا السبب، يمكن القول إن صندوق البطالة كان يكرس موارده لتمويل أصحاب الأعمال، وليس للعاطلين عن العمل.
وهم الآن يضيفون بنداً جديداً أطلقوا عليه اسم بدل العمل الطارئ؛ الأمر الذي يثير علامات الاستفهام هنا حول إبهام القرار وغموضه؛ مما قد يثير الشكوك حول احتمال تحويل هذه المخصصات أيضاً لدعم أصحاب الأعمال، ولو بشكل مستتر. 
والمؤكد أنه لو استمرت القرارات على نفس القدر من العشوائية، فسيأتي يوم، أحسبه صار قريباً، ستنهار فيه موارد صندوق البطالة، ويفقد الملايين مؤسسة مهمة كانت تكفلهم.

لقراءة المقال باللغة التركية على هذا الرابط

https://ahvalnews.com/tr/issizlik-fonu/issizlik-fonunda-yeni-bir-karadelik-mi-aciliyor
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.