استهداف واشنطن لقادة "الكردستاني" وعلاقته بعدم فتح جبهة ضد إيران

 

دار حديثنا "نبض المنطقة" الذي أجريناه مع فهيم طاش تكين عن سوريا أيضًا وعن خطة اللعب للولايات المتحدة الأميركية التي تعتبر لاعبًا مهمًا في سوريا. ففي حين اتخذت الإدارة الأميركية موقفًا واضحًا ضد هجمات أنقرة على سوريا، وضعت مكافأة مالية للحصول على قادة حزب العمال الكردستاني.
خلفية هذا القرار الأميركي ضد منظمة ليست لها أية هجمات مسلحة ضد الأميركيين أو المدنيين منهم كانت غريبة بالطبع. وقد تحدثنا مع فهيم طاش تكين عن خلفية هذا القرار.
إن قرارات أميركا بشأن المنطقة وما ستؤول إليه خطة ترامب الذي تضعف قوته وشوكته في واشنطن من أهم القضايا المطروحة على أجندة الأحداث اليومية. وإليكم الأسئلة التي طرحناها على فهيم طاش تكين وإجاباتها...
 
ما الذي يعنيه أن تواصل إدارة الولايات المتحدة الأميركية تعاونها مع الأكراد في سوريا من جانب، وتضع مكافأة مالية قدرها 12 مليون دولار من أجل الحصول على معلومات بشأن أماكن قادة حزب العمال الكردستاني من جانب آخر؟
إن هذا القرار غير محيِّرٍ جدًا لسببين. أولهما: أن الولايات المتحدة الأميركية مارست سياسة مزدوجة منذ أن بدأت مساعدة وحدات حماية الشعب الكردية ضد داعش في سوريا. فقد غضت الطرف عن عمليات تركيا العسكرية الموجهة ضد حزب العمال الكردستاني حتى لا تجعل من شراكتها مع وحدات حماية الشعب الكردية مشكلة أو أنها قدمت دعمًا غير مباشر.
إن العودة إلى مفهوم الحرب مع الأكراد عام 2015، وإلقاء عملية السلام معهم في سلة القمامة، وبدء عمليات قصف جبال قنديل، وحتى إقامة نقاط قصف على سنجار يستحيل أن يكون بدون علم الولايات المتحدة الأميركية.
أما السبب الثاني: أدرجت الولايات المتحدة الأميركية حزب العمال الكردستاني ضمن قائمة المنظمات الإرهابية عام 1997، وبعد عامين من ذلك أيضًا ساعدت في عملية القبض على عبد الله أوجلان وإرساله إلى تركيا. ولقد استغل الطرفان فرص التعاون التي أنتجتها الظروف في سوريا وهما على وعي تام بهذه الحقيقة، وإن هذه السياسة المزدوجة لا تزال مستمرة.
وعند النظر إلى الأمر من حيث توقيت الإعلان عن قرار المكافأة يتضح أنه صدر تمامًا أثناء بدء تركيا ضرب شرق الفرات، كوباني، وتل عبيد، وزور مغار. من الواضح أن هذا استمرار لمحاولات استرضاء أنقرة. الولايات المتحدة الأميركية تريد أن تقول لها "افعلي ما تشائين في الداخل وفي أطراف العراق ضد حزب العمال الكردستاني، ولكن لا تنفذي أية عملية عسكرية على مناطق شرق الفرات حتى ينتهي عملي في سوريا."
خلافًا لهذا قد يكون هناك مسألتان أُخريان عرضة للتأويل: أن الولايات المتحدة الأميركية درست الخيارات المناسبة لكي تنفصل وحدات حماية الشعب الكردية عن حزب العمال الكردستاني وتصبح كيانًا وهيكلًا مستقلًا ومختلفاً تمامًا في سوريا، وجست النبض، وأصدرت تعليماتها. ولكنها فهمت أن الكيان الموجود في منطقة الإدارة الكردية شمال سوريا لن يتخلى عن هويته "الإرهابية".
إن هذا القرار بشأن قادة حزب العمال الكردستاني يثير في الذهن هذا التساؤل: "تُرى هل تزيد من ضغوطها على وحدات حماية الشعب الكردية". أما النقطة الثانية فهي أن: "الولايات المتحدة الأميركية لم تستطع الحصول على التعاون الذي انتظرته من الأكراد في منطقتها السياسية الجديدة بحيث تضيق الخناق على إيران في الشرق الأوسط."
فعندما اندلعت الأحداث في سوريا عام 2011، ربما كان استئناف حرب حزب الحياة الحرة الكردي (PJAK) التي كادت تصل إلى وقف إطلاق النار في إيران هي ما أرادته إدارة ترامب. وربما أنهم لم يروا أنه من المنطقي قبول خيارٍ مِنْ شأنه أن يغيظ طهران حليف دمشق قبل أن يتم تأمين مشروع الحكم الذاتي في سوريا.
وقد لُوحظ وجود تناقض مماثل لهذا أيضًا في المشهد السوري. فالفكرة الرئيسة في السياسة الأميركية هي قطع اتصال إيران بسوريا عبر العراق، وانتقالها من هناك برًا إلى لبنان وفلسطين.
لقد كان انتشار وحدات حماية الشعب الكردية حتى حدود الأردن حيث قاعدة طناف في الجنوب على طول الحدود السورية العراقية بعد الرقة ودير الزور شيئًا لطالما رغبت فيه الولايات المتحدة الأميركية. ولكن وحدات حماية الشعب الكردية لم تتطوع لذلك. ونظرًا لأن عبور وحدات حماية الشعب إلى جنوب الفرات كان سببًا لإفساد العلاقة مع روسيا فقد أصبح ذلك محل نقاش في الداخل.
بالإضافة إلى ذلك فإن الولايات المتحدة الأميركية كانت على علم بما يتردد من آراء بشأن "مساوئ الإمبريالية الأميركية"، حتى وإن غلبت الرغبة في الاستفادة من فرص الشراكة مع أميركا على كوادر وحدات حماية الشعب. أي إنه كانت هناك احتياطيات لدى كلا الطرفين تتعلق بمستقبل الشراكة بينهما، ليست معلنة حاليًا، ولكنها موضوعة في الاعتبار.
وإذا ما انتبهنا إلى هاتين النقطتين أيضًا يتبادر إلى العقل هذا السؤال: "تُرى هل استهدفت الولايات المتحدة الأميركية الكوادر التي حملتها المسؤولة لأنها لم تجد التعاون الذي انتظرته من الأكراد في فتح جبهة ضد إيران؟" إننا لا نعرف إجابة هذا. ولكنني وكما قلت ربما يكون هذا الفعل خطوة بسيطة لاسترضاء تركيا.
وبقدر أهمية السيناريوهات المتعلقة بالدور الذي حددته الولايات المتحدة الأميركية للأكراد في سياساتها طويلة المدى في المنطقة، يبدو السيناريو المتعلق بأن الولايات المتحدة الأميركية بعد أن تنهي حربها مع داعش سوف تحقق تقاربًا مع دمشق في موضوعات معينة، وتنهي تعاونها مع وحدات حماية الشعب الكردية دون أن تزعج على نحو أكثر تركيا حليفها المهم في حلف الناتو؛ لأنه يمكن العثور على المدافعين عن كلا الاتجاهين في الإدارة الأميركية.
 
تنشر الولايات المتحدة قواتٍ في سوريا باسم مكافحة داعش، ولكن القسم الأكبر من هذه الوحدات منتشر في المنطقة القريبة من الحدود التركية. فهل تخشى الولايات المتحدة الأميركية من أن تزج تركيا بسوريا في حالة فوضى جديدة، أم أن هناك خطة للعبة أخرى؟
في رأيي أن استراتيجية الانتشار لم تكن وفقًا لخارطة طريقة معدة مسبقًا، وإنما سارت على خطة تسير حسب التطور الطبيعي لسير العمليات العسكرية.
بعد القضاء على داعش تمت إقامة أول قاعدة عسكرية في منطقة تحت كوباني مباشرة. ثم حررت منبج. وكلما اتسعت المنطقة التي تم تطهيرها من داعش كثرت القواعد العسكرية. كما أن الابتعاد قليلًا عن مناطق العمليات العسكرية للجيشين الروسي والسوري ربما كان ينبع من الاتفاق على الحيلولة دون حدوث مصادمات في الجو.
لقد تم اتخاذ مواقف رادعة بهدف منع العمليات العسكرية التركية، ولكنه من الصعب أن نقول إن اختيار المواقع للقواعد العسكرية في المناطق الأخرى، باستثناء منبج، كان يتم تنفيذه لهذا الهدف. أو على الأقل ليست لديًّ أنا شخصيًا بيانات حول هذا.
تحاول أميركا أن تقول لتركيا "لا تطلقي النار، إن تفعلي تصيبيننا نحن." من خلال تكتيك التلويح بالراية. وما فعلوه في عمليات إطلاق النار خلف الحدود كان بمثابة قيام بدوريات على الخطوط الحدودية مع وحدات حماية الشعب الكردية واستعراض للقوة. وكان العامل الرادع هو الموقف الذي اتخذته الولايات المتحدة الأميركية، وليس مدى قرب العساكر من الحدود.
 
على حين كان أردوغان يقف إلى جانب روسيا ضد أميركا من ناحية، كان يسعى من ناحية أخرى إلى إرضاء واشنطن. إلى متى يمكن الحفاظ على هذا التوازن، وماذا يمكن أن تكون نقطة اختراقه؟
هنا يوجد العديد من عوامل التوازن. فالأطراف الثلاثة (الأميركيون والروس والأتراك) يمتلكون علاقات متقاطعة مضطرين لأخذها بعين الاعتبار. وفي مثل هذه الحالات يحدث توازن مرعب. يمكن أن ينكسر أو لا ينكسر على الإطلاق. وما يجعل التقارب التركي الروسي في سوريا غير قابل للشك والنقاش هو استمرار الولايات المتحدة الأميركية في دعم وحدات حماية الشعب الكردية التي أصرت تركيا على اعتبارها منظمة إرهابية.
كما أن صبر روسيا على توجه أنقرة إلى موسكو حينًا وإلى واشنطن حينًا آخر إنما ينبع من أن تركيا بدت منفتحة على استخدام الازدواجية في التعامل. ومن أجل التخلص من هذا الأمر عبر تقليل مخاطر وتكاليف الحرب السورية فإنهم يريدون مواصلة الشراكة التي سنحت لهم مع تركيا. ولكنهم يشعرون بقلق عميق من أن تزج تركيا بطموحاتهم ورغباتهم الشخصية في المسألة.
ونظرًا لأن التقارب التركي الروسي تسبب في خلل داخل حلف الناتو فإن فلاديمير بوتين حالة خاصة وفريدة؛ ولذلك فإن الأطراف المعنية ستضطر إلى إجراء خيارات محددة وواضحة.
وهذا الأمر لا يقتصر على سوريا. ولا سيما أن الاستثمارات الروسية الاستراتيجية الموجودة في تركيا وبيعها صواريخ إس-400 لها سيظل نقاطا فاصلة وهامة في العلاقات ما بين واشنطن وأنقرة. كما أن تغيير تركيا لقواعد اللعبة في سوريا، وعودتها إلى مفهوم ما قبل عام 2014 مع الولايات المتحدة الأميركية كان خطًا أحمر بالنسبة لروسيا.
 
من الواضح أن الانتخابات الأميركية قد آذت ترامب، وربما أنها تسببت له في ذعر. فما هو التأثير الذي يمكن أن تحدثه نتيجة الانتخابات على العلاقات التركية الأميركية؟
في الواقع من الجيد تكرار ذلك. إننا نناقش هذا الأمر بعد كل انتخابات تجرى في الولايات المتحدة الأميركية. إن القضايا الداخلية هي أكثر ما يحدد الاتجاهات في الانتخابات، وليس السياسة الخارجية. ونظرًا لأن وعود المرشحين تكون موجهة إلى الداخل بشكل مكثف فإن جدول أعمال الكونغرس يسير في هذا الإطار. بالإضافة إلى أن السياسة الخارجية تبدو وكأنها مبادرة من الرئيس.
ففي الكونغرس مثلا يكون مجلس الشيوخ هو صاحب الكلمة في مجال السياسة الخارجية أكثر من مجلس النواب. وقد عمل الجمهوريون على تقوية موقفهم في مجلس الشيوخ بإضافة ثلاثة مقاعد. وبطبيعة الحال يستمر الحديث عن الاستمرارية. غير أن هناك وضعًا مختلفًا يتعلق بالأسلوب السياسي لترامب، إذ يعتقد ترامب أنه كسب الانتخابات بموقفه العدواني والهجومي. وعلى الرغم من أن الجمهوريين خسروا الأغلبية في مجلس النواب إلا أنه ما زال يفكر هكذا.
كما يظن أنه حقق نتيجة في كل من تركيا وكوريا الشمالية من خلال مواقفه العدوانية الهجومية. وقد خلق إطلاق سراح القس برانسون قبل الانتخابات القادمة نوعًا من التفاؤل حول انفتاح صفحة جديدة. وقد زادت من هذا التفاؤل إضافة تركيا إلى قائمة الدول المستثناة من العقوبات المفروضة على إيران.
وحتى وإن افترضنا أن ترامب أبدى رغبته في توسعة مجالات العمل مع الرئيس رجب طيب أردوغان فقد يكون من الخادع رفع مستوى التوقعات بحدوث تغيير. وإن أول ملف يخطر ببال الإنسان فيما يتعلق بتغيير الموقف هو ما يدور حول الطائرات طراز إف-35.  ومن المعلوم أن الكونغرس اتخذ قرارًا بتجميد التعاون مع تركيا إلى حين وصول قرار من البنتاغون. وربما يساند ترامب تركيا في القرار المرتقب صدروه.
ولكن قضية "بنك خلق"، وطلب شراء صواريخ إس-400، وسلسلة العقوبات التي ستشتد أكثر ضد إيران؛ كل ذلك يعتبر عناوين تخرج عن المسار.  ربما تكون قدرات ترامب على التدخل في هذه المواضيع محدودة. لا يختلف الأمر كثيرًا سواء أكان الكونغرس الأميركي يسيطر عليه الجمهوريون أو الديمقراطيون، هناك فوبيا من روسيا. فبينما الملف الروسي يزعج ترامب فلا ريب أنه لا يريد أن يلقي نفسه في النار من أجل تركيا. إن ترامب مضطر هذه الفترة إلى إبداء صورة يبدو فيها أكثر انسجامًا في الكونغرس.
 
ما هي التداعيات والنتائج المحتملة بناء على إعداد نيابة نيويورك العامة مذكرة ادعاء جديدة بحق بنك خلق التركي؟
إن الوضع في قضية بنك خلق لا زال مفتوحًا للنقاش. وربما يتجه ترامب خلال التدابير التي ستتخذها إدارته إلى عدم إزعاج تركيا. وإن التوقع الأكثر تفاؤلًا ربما هو استخدام المبادرة في تقليل العقوبة المالية التي ستقررها على تركيا وزارة الخزانة. ولكن تركيا تصر على إسقاط الدعوى.
وعند وضع نظام القضاء الأميركي في الاعتبار يتبين أن هذه الأشياء ليس من قبيل تلك التي تتحقق بمجرد قول "تحققي". علاوة على ذلك لماذا يخطو رئيس متهم بالتدخل في سير العملية القضائية خطوة من أجل تركيا قد تفقده منصبه.
وبعبارة أخرى فإن ترامب لا يستطيع أن يصدر تعليمات إلى النيابة العامة في نيويورك حول مسار ومحتوى القضية. ولا يستطيع المغامرة بالإقدام على هذه الفضيحة في الظروف الراهنة. ثمة شيء آخر وهو أن لائحة الاتهام تأتي في فترة فرضت فيها أشد العقوبات على إيران في تاريخها.
إن إيران تمثل أكثر المواضيع تحديًا في السياسة الخارجية بالنسبة لترامب. أما قضية بنك خلق فهي تتعلق بآلية التفافية تأسست في تركيا من أجل خرق العقوبات المفروضة على إيران. إذن مجال المناورة ضيق جدًا. ربما يتجهون إلى أسلوب إطالة العملية حتى لا يحدث شقاق مع تركيا، ولكنهم لا يستطيعون التعامل وكأنه ليست هناك أية قضية. من المحتمل أن يستخدم ترامب هذه القضايا كوسيلة ضغط لتعزيز وجعل تركيا شريكًا له في سياسته لعزل إيران.
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/bolgenin-nabzi/abd-pkknin-irana-cephe-acmamasindan-sorumlu-tuttugu-yoneticileri-hedef-almis
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.