"اضمحلال جماعي" ودروس للمعارضة التركية

استكملت الانتخابات التركية في الشهر الماضي عملية تغيير النظام في البلاد. ولقد كنت أتابع بعناية وسائل إعلام المعارضة منذ ذلك الحين وكان مشهداً مروعاً.
منذ شهور كتبت عن مقاطعة الانتخابات (التي لا يمكن اعتبارها انتخابات بمعنى الكلمة) لأن أردوغان ليس لديه رفاهية خسارة أي انتخابات بسبب جرائمه العديدة، ولأن قوة وولاء مؤيديه تهم ولأن مجرد انتخابات واحدة ليست الحل لسياسة تركيا الاستبدادية.  بالاضافة الى أن ما يسمى "بالجبهة الديمقراطية" مجرد أمل بعيد المنال، ولأن المعارضة لا تملك أي حجج ملموسة سوى معارضة أردوغان ولقد كنت أحذر من مخاطر نشر الأمل الزائف في بديل سياسي.
أود أن أشكر أولئك الذين تحلوا بالود بما يكفي للاتصال والاعتراف بأهدافي عندما حدث أمر لا مفر منه. لكن عند مطالعة وسائل إعلام المعارضة، من الصعب أن نشعر بالتفاؤل بشأن تشخيص وطرق علاج المرض الذي انتشر في كل أوصال تركيا.
لكن يجب أن نختبر الأمر ونشق الطريق مرة أخرى بمحاولة تشخيص المرض أولاً. وبغض النظر عن الاسم والعنوان وتعريف النظام، يبدو أن المحدد الأساسي هو الكتلة الشعبية الهائلة الموالية للنظام، الكتلة الديناميكية، التي يأخذها مفكرو الشمولية في الحسبان.
دون دعم الجماهير والولاء لما كان النظام قادراً على البقاء. والتظاهر بأن دعم ومشاركة الجماهير غير مهم هو الخطأ الأكثر شيوعاً الذي يرتكبه المحللون في تركيا.
لم تظهر الجماهير من فراغ. فلقد ظهرت على السطح عندما عادت للظهور الخلايا السرطانية المدفونة في أعماق المجتمع التركي. كانت النزعات الاستبدادية موجودة دائماً.
ثانياً، عندما تم تحرير الإسلام السني، وهو السائد في الأمة التركية، من الحظر المفروض على المجال العام وعندما جاء الإسلام السياسي إلى السلطة، زاد تمكين الكتلة الورعة أكثر.
تآزر الإسلام السياسي مع جماهيره من خلال ولادة جديدة للإسلام السني التركي والميول الاستبدادية المدفونة في الأعماق.
حتى لو كنا نسمي هذا "السلطوية المنتخبة"، فهناك دائماً جماهير تنتخب الحاكم المستبد بفرح في كل مرة. إلى متى يمكننا تجاهل وجودهم؟
علينا أن نولي اهتماما خاصا بهذه الجماهير الهائلة التي لا يمكن أبدا تجاهلها والتي تغذي نفسها من المعرفة غير المباشرة عن الإسلام السني لتتحول إلى سلفية تتسم بفقد الذاكرة وروح الانتقام والبغض والامتعاض والتفاخر بضيق الأفق.
استمع إلى عالم الاجتماع فرحات كنتل إذ يقول "ليس هناك استمرارية في ذهن المواطنة التركية العادية. لا يوجد شيء يمكن أن تتذكره عندما تعود إلى الحي الذي تسكنه. ولا حتى ذكريات الحنين إلى الماضي. في عالم يتغير باستمرار، لا يجد الناس دون أي ذكريات ملاذاً لأرواحهم، وعندما لا تكون هناك ملاذات، ولا توجد جمعيات لمكان آمن، يقبل الناس منها بسهولة أي نوع من الزمالة، وحتى القومية التي يتم تقديمها لهم والتي أسيء تفسيرها. القومية، فكرة يتم تغذيتهم بها بداية من التعليم الابتدائي على أنها (الوطن) المستقر الوحيد للشعب. لتصبح فكرة الوطن المجرد والوطن والأمة الوهميين الشيء الثابت الوحيد."
هذه الجماهير ليست شيئاً يمكن السيطرة عليه بالانتخابات أو حلو الكلام أو الاعتذار أو حتى محاولة كسب قلوبهم كما قال بعض كتاب الأعمدة في الآونة الأخيرة. لن تتوقف هذه الجماهير عن دعم النظام حتى عندما ينهار الاقتصاد.
هذا شيء مختلف تماماً. ومرة أخرى، في 24 يونيو، تعلمنا كم هو مميت تجاهل هذا الحشد. لقد تعلمنا أن إهانتهم على وسائل التواصل الاجتماعي والسخرية من أفعالهم وكلماتهم وتقويض "قانونهم ونظامهم الجديدين" والإعلان عن "تبخرهم" قريباً والإشارة إلى وضعهم السلبي والمذعن، كل ذلك كان مميتا.
الآن عندما يتعلق الأمر بالعلاج، ثمة دوران تتحدث عنهما المعارضة هذه الأيام وهما دور البرلمان وما يسمى بالجبهة الديمقراطية.
يقولون إن المكان الأساسي لمكافحة المرض هو البرلمان. حسناً، ألا يتمتع هذا البرلمان بسلطة أقل من سلفه الذي لم يعمل قط كرقيب وحسيب على السلطة التنفيذية؟
دعونا نلقي نظرة فاحصة. المهام الأساسية الثلاث للبرلمان وهي صنع القوانين ووضع الميزانية والإشراف على السلطة التنفيذية غير مطروحة على الطاولة.
صلاحيات البرلمان الجديدة تتمثل في النظر في مشاريع القوانين التي سيتم إعدادها من قبل القصر الرئاسي والتصديق عليها. بمعنى آخر، البرلمان سيصدق على القوانين تلقائياً.
وبموجب الدستور الجديد، يقترح رئيس الجمهورية الميزانية الجديدة. وإذا رفض البرلمان مشروع الميزانية، فإن ميزانية السنة السابقة تصبح سارية المفعول.
وفيما يتعلق بسلطات المراجعة المالية، لا يملك البرلمانيون سلطة التدقيق في مجلس الوزراء. ولا يمكنهم مساءلة الحكومة شفهيا. يمكن توجيه الأسئلة المكتوبة فحسب إلى نواب الرئيس والوزراء. لا يمكنهم توجيه الأسئلة المكتوبة أو الشفهية للرئيس. يمكنهم إصدار اقتراح لسؤال، لكن البرلمان لا يملك سلطة توجيه اللوم. لا يمكنه توجيه اللوم للحكومة أو حتى لوزير.
السلطة الوحيدة للبرلمان على الرئيس تتمثل في اتخاذ قرار إجراء انتخابات مبكرة.
ويتطلب التحقيق في جريمة جنائية مزعومة من قبل الرئيس أصوات الأغلبية. ويجب أن يجتمع البرلمان لمناقشة الاقتراح في غضون شهر ويتطلب تصويت ثلاثة أخماس أعضاء البرلمان من خلال عملية اقتراع سرية. ويمثل التحقيق في شأن الرئيس أو نائب الرئيس أو الوزير صعوبة أكبر. ويتطلب الأمر أن يحيل ثلثا مجموع الأعضاء البالغ عددهم 600 شخص هؤلاء الموظفين العموميين إلى المحكمة العليا لمحاكمتهم.
يمكن الموافقة على قرار الدعوة لإجراء انتخابات مبكرة  للبرلمان والرئاسة بتوقيع ثلاثة أخماس النواب أو 360 نائبا. لذا فإن الأمر مزحة بالأحرى.
دعونا نكون صادقين مع أنفسنا، البرلمان يبدأ هيئة تشريعية جديدة لا يكون فيها لأي حزب من الأحزاب أي أهداف سوى حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد. ليس من المبالغة القول إن هذا البرلمان سيكون "كاتب عدل" بدلاً من مجلس تشريعي.
وبقدر ما يهتم حزب الشعوب الديمقراطي، لا نخطئ في أن أعضاءه في البرلمان لا يمكنهم تشكيل كتلة معارضة نشطة داخل البرلمان. وسيقتربون على الأرجح من جمهور الناخبين.
العنوان الآخر للمعارضة إلى القصر والجماهير التي خلفه هو ما يسمى "بالجبهة الديمقراطية". لكن كيف ستكون هذه الجبهة الافتراضية حقيقية؟ فإن "ائتلاف الأمة"، الذي كان ينظر إليه على أنه جبهة ديمقراطية، تفكك على الفور بعد الانتخابات دون حتى الحد الأدنى من الاتفاق. 
لن يفعلوا أي شيء آخر غير القلق بشأن رواتبهم الجيدة، في محاولة للعثور على سلالم اجتماعية جديدة للصعود ومن حين لآخر يتظاهرون بمعارضة تصرفات الحكومة. بالمناسبة، لقد حان الوقت لأن نتوقف عن تسمية تركيا بالديمقراطية لمجرد أنها تجري الانتخابات.
إذن، هذا هو الوضع داخل البرلمان، لكن ما هي "الجبهة الديمقراطية الشعبية" المثالية خارج البرلمان؟
قبل بضعة أيام، دعا تانر أكسام على موقع أحوال تركية كل مكونات الجبهة الديمقراطية المستقبلية إلى مواجهة الواقع.
من ناحية أخرى، من الممكن الالتقاء عند الحد الأدنى من القاسم المشترك مثل "جبهة مناهضة للفاشية" قبل مشروع طموح مثل الجبهة الديمقراطية. في الحالتين، من شبه المؤكد أن ثمة حاجة لإعادة التكيف العقلي لأن تحالفا من هذا القبيل لا يمكن تصوره دون التعاطف مع بعضنا البعض.
ولمَ لا نبدأ بسؤال المكونات الخيالية للجبهة الديمقراطية الافتراضية إذا كانت ترغب في التعلم وقول الحقيقة بشأن القضايا التالية؟
إبادة المواطنين غير المسلمين في الإمبراطورية العثمانية من أجل بناء الأمة ونهب ممتلكاتهم على نطاق واسع، وما تعرضت له العناصر العرقية والدينية المتبقية منذ تشكيل الجمهورية التركية من مذابح واضطهاد وتمييز عنصري، تدهور فهم الإسلام السني وفقدان الذاكرة الناجم عن حظر الأبجدية العربية واللغة العربية، المجازر والاضطهاد والتمييز الذي تقوم به هذه العناصر أو المجتمعات مع بعضها البعض، الأداء المناهض للديمقراطية والغامض لهذه العناصر أو المجتمعات، بما في ذلك تلك التي تدعي أنها ديمقراطية، تدمير الطبيعية والزراعة والثقافة الذي بدأ قبل حزب العدالة والتنمية، والسياسة الخارجية العدوانية القائمة على الشهداء والغزو وكره الأجانب. باختصار، الأعمدة الخرسانية لاضمحلالنا الجماعي.
دون مواجهة هذه القضايا الهائلة في ماضينا وحاضرنا، ستبقى أي "جبهة" ضد الفاشية المطلقة التي نواجهها مكونة من مجتمعات صغيرة غير متصلة وتتسم بالجهل وتخدم نفسها.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey/collective-decay-and-lessons-turkeys-opposition
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.