مارك بنتلي
ديسمبر 08 2017

اقتصاد تركيا.. هل لدى إردوغان خطة؟

مر 15 عاما منذ أن جاءت حكومة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى السلطة للمرة الأولى، ويبدو أن أفكار إدارته للاقتصاد آخذة في النضوب.

في شهر مايو، ومع عودته لزعامة حزبه بعد الفوز بهامش بسيط في استفتاء على توسيع سلطات الرئيس، تعهد إردوغان بإعادة نشاط الإصلاح الاقتصادي. وفي عودة إلى الأيام الأولى لحزبه في الحكومة، قال إردوغان إنه سيتأكد من أن الوزراء سيسعون لتحقيق أهداف نصف سنوية من أجل تنفيذ أهداف البرنامج.

وبعد مرور سبعة أشهر على ذلك، لم ير البرنامج النور بعد.

ومنذ عام 2007، عندما غادر علي باباجان وزارة الخزانة ليتولى منصب وزير الخارجية - وكانت مغادرته متزامنة مع تعيين عبد الله جول رئيسا – فتحت فترة ازدهار الإصلاحات الاقتصادية في تركيا الباب تدريجيا أمام الخطاب الأجوف والشعبوية.

وبدعم من تدفق الأموال على الأسواق الناشئة قبل الأزمة المالية العالمية في عام 2008 وبعدها، تشجعت حكومة إردوغان فأعادت الإصلاحات إلى ما كانت عليه قبل عام 2002، وأهمها ما يتعلق باستقلال البنك المركزي والإنفاق خارج الموازنة والعطاءات التي تطرحها الدولة. وعوضا عن ذلك، حولت إنتباهها إلى السيولة ومشروعات البنية التحتية التي تحقق نموا وأسواق التصدير الجديدة. وفي عام 2011، احتفل إردوغان ووزراء حكومته بنمو اقتصادي تجاوز حتى الذي حققته الصين.

ومن المحتمل أن يعلن مكتب الإحصاءات الحكومي يوم الاثنين أن الاقتصاد حقق نموا في خانة العشرات خلال الربع الثالث، في تكرار للإنجازات التي تحققت عام 2011. ويشيد إردوغان بالفعل بتلك البيانات على أنها دليل دامغ على نجاح الحكومة في الملف الاقتصادي.

لكن تركيا تجد نفسها اليوم في مكان مختلف تماما عما كانت فيه عام 2002، أو - في الواقع - خلال تلك الأيام التي تلت الأزمة المالية العالمية، إذ لا يوجد زخم يدفع ثقة المستثمرين.

على النقيض، بات استقلال البنك المركزي منقوصا في الوقت الذي تحول فيه حالة الطوارئ المفروضة منذ محاولة الانقلاب الفاشلة العام الماضي دون تدفق رأس المال. ويتخوف المستثمرون من تنامي سلوك إردوغان الاستبدادي. كما أن التوترات السياسية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تلطخ سمعة البلاد. النمو الاقتصادي - المهيأ للتباطؤ بشدة - أيضا لا تقوده الثقة في الاقتصاد ولكن برنامج ائتمان ضخم تضمنه الحكومة ومشروعات إنشاء ترعاها الدولة.

في عام 2002، كان برنامج اقتصادي وضعه سلف إردوغان في منصب رئيس الوزراء بولنت أجاويد ووزير الاقتصاد آنذاك مدير البنك الدولي السابق كمال درويش يحقق بالفعل نتائج جيدة. ومع فوز إردوغان في الانتخابات، صار أخيرا لدى تركيا على الأقل حكومة أغلبية تبدوا لديها فكر إصلاحي لضمان تنفيذ البرنامج. وعادت أموال المستثمرين تتدفق على البلاد.

وزير الاقتصاد السابق كمال درويش
وزير الاقتصاد السابق كمال درويش

ومن القطاع المصرفي إلى الميزانية، ومن الخصخصة إلى سياسة البنك المركزي، ستؤسس مجموعة الإجراءات الشاملة لفترة من الاستقلال والنمو سيقتفي أثرها إردوغان وحكومته على نطاق واسع حتى وقوع الأزمة المالية العالمية عام 2008 بفضل الفوز في الانتخابات عام 2002، وإن كان ذلك عن قناعة أقل.

وربما يكون وصول ظافر جاجلايان - المتهم حاليا - إلى منصب وزير التجارة عام 2007 وبعد ذلك إلى منصب وزير الاقتصاد في عام 2011 أبرز ما يبرر بداية تحول تركيا عن الإصلاحات الهيكيلة باتجاه الاقتصاديات الشعبوية التي تتسم بالفساد في بعض الأحيان.

وشرع جاجلايان، الذي يتهمه الادعاء الأمريكي بتلقي رشا بعشرات الملايين من الدولارات للتستر على مخطط للالتفاف على العقوبات المفروضة على إيران، على الفور في منافسة محمد شيمشك - الذي شغل منصب وزير الاقتصاد حتى عام 2009 - في مكانته كأبرز المتحدثين باسم الحكومة في أمور الاقتصاد.

ومع وجود شيمشك في وزارة المالية، أصبح جاجلايان وزيرا للاقتصاد (تولى الخبير الاقتصادي السابق لدى ميريل لينش المنصب في عام 2009 بعد أن تورط سلفه كمال أوناكيتان في فضيحة فساد) وظل في ذلك المنصب حتى أُجبر على الاستقالة بسبب اتهامات باستغلال النفوذ أواخر عام 2013. 

وعلى الرغم من أن باباجان عاد كنائب لرئيس الوزراء لشؤون الاقتصاد في عام 2009، تراجع نفوذه بشدة حتى غادر المنصب في عام 2015 وسط شائعات عن صلات تربطه برجل الدين المقيم في المنفى فتح الله جولن. في الوقت ذاته، كثيرا ما يتحدث شيمشك الذي يشغل الآن منصب نائب رئيس الوزراء لكنه فشل إلى حد كبير في تنفيذ أي إصلاح اقتصادي جاد.

ولا يتوافر سوى القليل من التفاصيل حول برنامج إردوغان الاقتصادي الأخير. لكن شيمشك كشف عن بعض معالم ذلك البرنامج في حديثه خلال مؤتمر مالي في اسطنبول هذا الأسبوع، حيث قال إن الحكومة ستُخضع نظام ضريبة القيمة المضافة لإصلاحات من أجل تعزيز الاستثمار ووضع قيود على اقتراض الشركات من الخارج بهدف تخفيف الضغوط التي تتعرض لها الليرة، صاحبة أسوأ أداء بين العملات الكبرى هذا العام. لكن المستثمرين ليس لديهم علم بشكل أساسي.

ومن غير الواضح ما إذا كانت الإجراءات التي وضع شيمشك خطوطها العريضة مجرد شيئا منفردا، أم إنها ستكون جزءا من حزمة إصلاحات شاملة وعد بها إردوغان في شهر مايو.

إلا أن الموقف في جنوب إفريقيا يجب أن يجعل الحكومة في أنقرة تقف وقفة تأمل. فجنوب إفريقيا، شأنها شأن تركيا بما لديها من عجز في ميزان المعاملات الجارية وعدم استقرار سياسي وفساد، من بين الاقتصادات الناشئة التي يعزف عنها المستثمرون.

في يوليو، أعلنت الحكومة في كيب تاون برنامجها الاقتصادي لكنه لم يأت موافقا لهوى المستثمرين. وعلقت وكالة فيتش على الخطط قائلة إن الكثير من الإجراءات كان قد جرى الإعلان عنها من قبل بالفعل وحذرت من أن إجراءات أخرى، مثل تغيير ملكية المناجم وخطة بقيمة 77 مليار دولار لتشييد أسطول محطات للطاقة النووية، تظهر أن الحكومة تميل إلى الشعبوية.

وفي أكتوبر، قال سيريل رامافوزا نائب رئيس جنوب إفريقيا إن الحكومة بحاجة للخروج ببرنامج اقتصادي جديد، وهو الأمر الذي اجتذب انتباه المستثمرين. أضاف أن البلاد تواجه "إضرابا عن الاستثمار" بسبب عدم الاستقرار السياسي والفساد وضعف النمو الاقتصادي.

وقالت الحكومة في تركيا إن صندوق الثروة السيادي المؤسس حديثا سيلعب دورا محوريا في خططها الاقتصادية. لكن الصندوق، على عكس مؤسسات شبيهة في منطقة الخليج، ليس مدعوما بسيولة نقدية من النفط أو الغاز الطبيعي وتضم أصوله بدلا من ذلك ما تبقى للحكومة في الشركات المملوكة للدولة.

ومن بين تلك الأصول بنك خلق الذي قد تُفرض عليه قريبا غرامات بمليارات الدولارات إذا قضت الجهات التنظيمية في الولايات المتحدة بأنه ضالع في خرق العقوبات المفروضة على إيران. ويحتاج الصندوق الاقتراض من مستثمرين دوليين لكي يعمل على النحو الذي ترجوه الحكومة. وفي ظل وجود بنك خلق ضمن أصوله، من غير الواضح ما إذا سيكون بمقدوره جمع سيولة أم لا.

يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية: