بيرو كاستيلانو
يونيو 26 2018

الآثار الكارثية للانتخابات التركية

استيقظت تركيا من جديد يوم الاثنين بعد فوز انتخابي كبير حققه رئيسها رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية. لكن شعور النصر أو الهزيمة كان هذه المرة حاسما.
فمرشح حزب الشعب الجمهوري – وهو حزب المعارضة الرئيسي – محرم إينجه الذي أعاد الحيوية للمعارضة بحملة نشطة، أقر بالهزيمة من خلال رسالة عبر تطبيق واتسآب أرسلها إلى مذيع شبكة فوكس نيوز، مخيبا آمال الملايين الذين صوتوا له.
يقول هاورد آيزنشتات الخبير في الشؤون التركية بمشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط (بوميد) "رهانات هذه الانتخابات كانت كبيرة جدا لدرجة كان من المرجح معها أن يفعل أردوغان كل ما هو ممكن إذا شعر أن طريقه إلى النصر في خطر حقيقي... سيطرة الحزب الحاكم على مفاصل الدولة ووسائل الإعلام تجعل فوز المعارضة شبه مستحيل".
ويعتقد سوات كينيكلي أوغلو، العضو السابق في البرلمان والزميل الكبير بمعهد سياسة التنمية والأمن في ستوكهولم، أن إينجه كانت أمامه فرصة على الرغم من كل الصعوبات. وقال "إينجه خاض حملة رائعة، على الرغم من أن استراتيجيته للتواصل ليلة الانتخابات كانت بشعة". والكاريزما التي يتمتع بها محرم إينجه أعطت المعارضة ثقة بعد أن ظلت مغيبة طويلا وخسرت الكثير. "فقد كان من الممكن أن تدخل إلى جولة ثانية"، لكنها لم تفعل.
وفي فترة فرز نحو 85 بالمئة فقط من صناديق الاقتراع، أعلن أردوغان الذي كان التوتر باديا عليه أنه حقق الفوز "استنادا إلى نتائج غير رسمية"، وهو ما أثار مخاوف المعارضة من حدوث تزوير. وكان ما يزال لدى المعارضة أمل في أن النتيجة من الممكن أن تتغير.
لكن بعد فرز جميع الصناديق، كان واضحا أن فوزه نظيف. وقد خرج الآلاف من مؤيدي أردوغان بالفعل إلى الشوارع للاحتفال. وبحلول الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، خرج أردوغان أخيرا في أنقرة ليلقي "خطاب الشرفة" التقليدي الذي اعتاد عليه عند الفوز.
كان خطاب أردوغان الذي أعقب الانتخابات عدوانيا بالمعايير المعتادة. فقد تخلى عن النبرة التصالحية القريبة من الاعتدال، والتي اتسم بها إعلانه الأول؛ وشن الرئيس السوبر – الذي تأكد فوزه بالولاية الجديدة لتوه – هجوما على المعارضة إلى حد بلغ اتهامه لحزب الشعب الجمهوري بتمثيل أنصار حركة غولن، وهي جماعة دينية متهمة بالتخطيط لمحاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016. 
وقال أردوغان "الإرهابيون فروا إلى الولايات المتحدة. انظروا إلى الأصوات التي أدلى بها الأتراك في الولايات المتحدة؛ لقد ذهبت إلى المعارضة".
وبعدما ذكر أن إعادة انتخابه كانت تصويتا ضد "الإرهاب"، عاد إلى استخدام نبرة تليق أكثر بمنصب الرئيس وطمأن جمهوره بأنه سيكون رئيسا للأتراك جميعا.
وهذا بالضبط ما طالبه به محرم إينجه عندما خرج أخيرا في مؤتمر صحفي بحلول ظهر الاثنين. قال إينجه "دعوتي لأردوغان أن يكون رئيسا للجميع". وكان إقراره بلا قيد أو شرط، حيث قبل بهزيمة ساحقة وتوطيد أركان الرئاسة التنفيذية.
وأكد هاورد آيزنشتات أن "سلطة أردوغان تعززت لبعض الوقت... الدستور الجديد يضع هذه التغييرات بشكل فعال في القانون. عند هذه النقطة، لا أرى أي سبب لأن أتوقع أن نرى أي انفتاح في النظام بكل تأكيد خلال العقد القادم، وربما لفترة أطول من ذلك".
لكن يظل إينجه مستنكرا بشدة "الظروف غير العادلة" للمنافسة الانتخابية وقال إنه كان هناك تزوير "بالطبع" لكن ليس بالشكل الكافي لإحداث فارق العشرة ملايين صوت.
ووفقا لنيكولاس دانفورث كبير المحللين لدى مركز سياسات الحزبين فإن هذا لا يُحدث اختلافا؛ إذا قال إن "الظروف غير العادلة التي جرت فيها الانتخابات، بداية من سيطرة الحكومة على وسائل الإعلام ووصولا إلى سجن أحد المرشحين الرئاسيين، خلقت مناخا لا يمكن أن تحقق فيه النتائج شرعية حقيقية، سواء كان هناك تزوير حقيقي أو لم يكن ذلك التزوير موجودا".
وكانت سيطرة الدولة على الإعلام مؤلمة خلال الحملة. وعلى الرغم من نبرة إينجه التصالحية في كلمته، فقد بدأ المؤتمر الصحفي بطرد صحفيين من مؤسسة الإذاعة والتلفزيون التركية (تي.آر.تي) الحكومية التي لم تبث أبدا أيا من الفعاليات التي نظمها خلال حملته الانتخابية. وفي بلد تصنف الصحافة فيه على أنها "غير حرة"، واجهت المعارضة صعوبات في الوصول إلى جمهور الناخبين واضطرت إلى الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي.
وقال سوات كينيكلي أوغلو إن "الدرس الأول من هذه الانتخابات هو أن وسائل الإعلام الاجتماعي لها أثر محدود على جمهور الناخبين... لا وجه للمقارنة بينها وبين التلفزيون الذي يحظى بالكثير جدا من المشاهدة في تركيا. وأردوغان يفهم هذا جيدا جدا ويتأكد من تصدره جميع المناقشات والأحاديث، بداية من الحلقات التلفزيونية ووصولا إلى الأخبار".
وعلى الرغم من الهيمنة الكاملة على وسائل الإعلام، خسر حزب العدالة والتنمية أكثر من سبعة بالمئة منذ انتخابات نوفمبر 2015، ولم يتمكن أردوغان من الفوز بأكثر من 52.5 بالمئة.
وأشار إينجه إلى أنه حقق نجاحا قائلا "لقد كسرنا حاجز الثلاثين بالمئة النفسي الذي لم نكسره منذ 40 عاما". 
وفي واقع الأمر، فإنه بالكاد يمكن تحميله أو تحميل حزب الشعب الجمهوري المسؤولية عن الخسارة. فبعد هزائم استمرت لسنوات، ترك حزب الشعب الجمهوري أصواتا ذهبت لحزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد (وهذه حقيقة غير عادية في حد ذاتها)، وربما للحزب الصالح القومي أيضا، ومازال يحصل على أكثر من 30 بالمئة من الأصوات. وقال سوات كينيكلي أوغلو "أعتقد أن إينجه أبلى بلاء حسنا، لكن أكشينار وكرم الله أوغلو هما اللذان لم يكونا عل مستوى التوقعات".
وحصل مرشحا الحزب الصالح وحزب السعادة الإسلامي الرئاسيان على 7.3 و0.9 بالمئة من الأصوات بالترتيب، وهو ما يعد فشلا في اجتذاب أصوات ناخبي حزب العدالة والتنمية الناقمين على حزبهم، والذين من المحتمل أن يكونوا قد ولوا وجوههم شطر حزب الحركة القومية اليميني المتطرف، والذي كان نجاحه مفاجأة بكل المقاييس.
وكان أداء الحزب الصالح وحزب السعادة مخيبا للآمال أيضا في الانتخابات البرلمانية، بينما تجاوز حزب الشعوب الديمقراطي بسهولة عتبة العشرة بالمئة. والآن، لكي يحصل حزب العدالة والتنمية على أغلبية، سيكون عليه أن يعتمد على حزب الحركة القومية الذي وعد زعيمه دولت بهجلي بأن يحقق "ضوابط وتوازنات" في السلطات الجديدة التي سيتمتع بها الرئيس.
لكن نيكولاس دانفورث يتشكك في هذا الأمر، إذ يقول إن "بهجلي لا يبدو ذا مصداقية كرقيب على سلطة أردوغان بعد أن كان أول من أسهموا في وضع هذا النظام في حيز التنفيذ، وبعد ذلك في وضع أردوغان في محل المسؤولية عنه". 
وقال هاورد آيزنشتات إنه في الوقت ذاته قد يكون مؤثرا في بعض القضايا البالغة الأهمية. وعلق على هذا قائلا إن "الاعتماد على أصوات بهجلي بكل تأكيد يجعل أي تواصل مع الأكراد من جديد مستحيلا".
وعلى الرغم من وجود حزب الشعوب الديمقراطي في البرلمان، فإن هذا لا يبشر بخير فيما يتعلق بالمصالحة التي هناك حاجة بالغة للتوصل إليها.
ويعتبر سوات كينيكلي أوغلو أن "سياسات الهوية والاستقطاب في تركيا صارت عنصرا هيكليا... أردوغان أحدث حالة من الاستقطاب في البلاد بشكل مؤثر جدا لدرجة يصعب معها كثيرا مغادرة أي طرف لمعسكره، على الرغم من المظالم الحقيقية مثل المشكلات الموجودة في البلاد والفساد الذي تراه قاعدة حزب العدالة والتنمية".
وحتى الآن، وبعدما تحقق حلم أردوغان برئاسة تنفيذية لا رقيب عليها، القليلون فقط يعتقدون أن الخط الذي يتبعه أردوغان سوف يلين.
وقال نيكولاس دانفورث في موجز "بعد انتصاره، سيظل أردوغان كما هو. من السذاجة أن نتوقع غير ذلك... ولو حدث شيء، فلن يكون أكثر من خروجه من هذه الانتخابات مقتنعا بأن نهجه التصادمي صار محصنا في الداخل والخارج". كما أن السياسة الخارجية لن تصبح أقل حدة؛ "وقد يتوقع أيضا أنه آن الأوان لأن تبدأ الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أخيرا في التعامل معه بشروطه. بيد أن رؤية أردوغان وطموحاته يجعلانه من غير المرجح أن يكون ذلك الديكتاتور المتعاون الذي يحبذه الغرب".
وأردف هاورد آيزنشتات قائلا "لكن أحيانا يحدث ما هو غير متوقع... لا أتوقع تغييرا، لكن التغيير غالبا ما يأتي عندما يكون هو آخر ما تتوقعه".
والأكيد هو أن الأتراك مُتعَبون.
في إحدى لجان الاقتراع في أنقرة، سأل أحد المسؤولين امرأة إذا كانت هذه هي المرة الأولى التي تصوت فيها، فردت في هدوء قائلة "هذه هي المرة السادسة التي أصوت فيها".
وقالت المرأة الشابة، وهي طالبة ماجيستير بجامعة الشرق الأوسط الفنية الراقية، لموقع أحوال تركية بعد أن طلبت عدم نشر اسمها "عمري 22 عاما. وقد شهدت خمس انتخابات، واستفتاء، واحتجاجات غيزي (في عام 2013)، وتفجيرين كبيرين، ومحاولة انقلاب فاشلة. أشعر بأنني منهَكة. آمل الآن أن نرتاح قليلا. إلى اللقاء في المرة القادمة".
قد تكون كلمات هذه المرأة الشابة معبرة أكثر من أي شيء آخر عن شعور الأتراك العلمانيين بالآثار البغيضة للانتخابات.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/2018-elections/turkeys-electoral-hangover
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.