الأئمة والإسلام في سينما المخرج التركي "جيلان"

زادت الحكومة التركية من قوتها، وسطوتها، لاسيما خلال السنوات العشر الأخيرة، وحاولت  أن تفرض على كافة مؤسسات الدولة القيام بأعمال تتوازى مع خطابها كحكومة. ولا شك أنه كلما استولى الإسلاميون على السلطة بأيديهم وارتكبوا المظالم، بات الإسلام والدين، والمسلمون هم أكثر ما يتم الحديث بشأنهم، أي أصبحوا مثار نقاش وجدل كبيرين.
وأمام هذه الظروف التي انزلق إليها علم الاجتماع في الدولة، كان من غير المتوقع على الإطلاق أن يقف نوري بلجي جيلان، أحد أهم المخرجين في تاريخ السينما التركية الحديث، موقف المتفرج غير المبالي. فقد قام هذا المخرج في العام 2008 بتصوير فيلم بعنوان "القرود الثلاث". لم يكن الفيلم يتحدث عن الإسلام، ولكنه كان إرهاصًا لمزيد من الأفلام التالية، غير أن "القرود الثلاث" كانت مرجعيته القرآن الكريم. كما لم يكن الفيلم إضافة بسيطة. 
ووضع المخرج من خلال فيلمين آخرين هما "البيات الشتوي"، و"شجرة الكمثرى البرية"، مرآةً عملاقة أمام ملايين البشر ممن يدّعون عدم السماع أو الرؤية أو المعرفة لكل ما يجري حولهم من تطورات وأحداث.
ففي فيلم"بيات شتوي" للمخرج جيلان، كانت هناك شخصيتان تتحدثان حول الدين، هما آيدين بك، والإمام حمدي. أما في فيلمه "شجرة الكمثرى البرية" كان يتحدث حول ذات الموضوع، إمامان إلى جانب المدرس سنان غير المعين الذي له تعليقات بشأن الإسلام.
ونلاحظ في فيلم "بيات شتوي" أن الدين قُدّم للمشاهد بشكل له بُعدان مختلفان. ففي الوقت الذي جسد فيه الإمام حمدي الإسلام أفقيًا بشكل عملي، نجد على الجانب الآخر المثقف حمدي بك يجسده رأسيًا بشكل نظري. 
ولنبدأ من الإمام حمدي الذي يعرّفه المثقف آيدين بك على النحو التالي:
"هو رجل يوتّر الأعصاب ويستفزها بثيابه الرثّة، وجهله  بالأمور. فأنت، كما يقول آيدين بك للإمام حمدي في حوار بينهما، رجل دين قبل أي شيء آخر، ومن ثم يتعين عليك أن تكون نموذجًا لجماعتك. ألا يقتضي ذلك أن تكون مهندماً ومرتباً؟". 
وتابع آيدين قائلًا عن ذات الرجل "رجل ملتوي بدون هيئة.. ألا يتعين أن يكون رجال الدين نماذج للمجتمع، لا سيما في المناطق الريفية؟ وماذا لو كتبت الأسبوع المقبل مقالًا أتناول فيه هذا الأمر؟"
لا شك أن الإسلام الذي جسده الإمام حمدي في الفيلم المذكور، ليس هو ذلك الإسلام الراسخ في مخيلة المثقف آيدين بك. والذي ستتصوره عقولنا بخصوص هذا الاختلاف هو التمييز بين الإسلام الحقيقي، وكذلك الإسلام التاريخي.
نعم، هكذا يفكر آيدين بك الذي لم يجد ضالته في الإسلام الذي يجسده الإمام حمدي. لذلك كتب آيدين بك في مقالته الأسبوعية "ألا يستحق شعب دولة يبلغ عدد المسلمين بها 90 في المئة، رجال دين تم إعدادهم جيدًا، يعرفون كيف يقومون وكيف يجلسون، حسنو المظهر، يمتلكون صورة تمنح الثقة في محيطهم؟"
لكن ثمة خوف تملّك ذلك "المثقف التركي" المنحدر من أصول ريفية، الذي كتب هذا الكلام، من أن يحدث سوء فهم لكلامه. لذلك التفت إلى أخته، وسألها قائلًا: "كيف وجدتِ المقالة ؟". فردت عليه قائلة "جميلة...".  لكن آيدين بك كان متمكنًا، فعاود الرجوع لأخته ثانية وقال لها: "أليس المقال حاداً بشكل كبير ؟ وألا يوجد بداخله ما يمكن أن يُفهم بشكل خاطئ؟". فردت أخته قائلة "لا، فأنت لا تقول شيئاً يمسّ الدين في شيء، كل ما في الأمر أنك استعرضت مسألة لها علاقة بتطبيقه وممارسته عملياً، ومن يقومون بتطبيقه".
ولما اشتدّ وطيس الحوار بين آيدين بك وشقيقته نجلاء بخصوص الشر، صرخت الشقيقة قائلة لأخيها "أنا لست متساهلة سطحية مثلك، وأقول لك علّك تعيد التفكير فيما تكتب. إذ تكتب هنا، وتحل الموضوع على نحو سريع. وعند حديثنا عن الشرور، فكأن هناك أشياءً غير حقيقية نتناولها في حوارنا هذا. مثلا أنت تكتب بخصوص الإسلام ورجال الدين، وتقول في هذا الصدد إن الإسلام دين الثقافة العليا، وتجعل من الرجل (الإمام حمدي) موضوعاً لمقالاتك الأسبوعية. فأي علاقة تربطك بالإسلام ؟ ومتى ذهبت إلى المسجد آخر مرة ؟ وما مدى تطبيقك له كدين لتكتب عنه في المقالات؟ وبالله عليك كم شخصاً سيقرؤون ذلك الذي تكتبه؟ كما أنني في موضوعات مثل الدين، لا أرى للشخص الذي ينظر من الخارج، لوناً ما"
الجملة الأخيرة التي قالتها نجلاء مثيرة للجدل بحق، إذ قالت إنها لا ترى لمن ينظر للإسلام من الخارج، لوناً ما. حسناً، السؤال المهم الآن، من أين تبدأ الحدود الداخلية، والخارجية لهذا الدين؟
وعلى مدار سنوات بات هناك من يقولون "لسنا على استعداد لأن نتعلم ديننا من غير المسلمين!". حسناً، هل يتعين علينا أن نتعلمه من الآئمة الدينيين، ورجال الدين؟.
الإجابة على أسئلة الفيلم يمكن أن نعثر عليها من خلال حالات الجدل المتعلقة بالدين التي تشهدها تركيا بين الحين والآخر. فكما يعلم الجميع أنه عندما يظهر جدل حول صورة الإسلام والمسلمين في البلاد، فإنه سرعان ما تظهر ردة فعل مثيرة، "فهذه هي الحساسية المفرطة في ردة الفعل". فآيدين بك يمدح الإسلام، ويوجه انتقاده فقط لطريقة عيش هذا الدين وتطبيقه، وهي الطريقة التي يجسدها المسلمون ممن هم على شاكلة الإمام حمدي، في حياتهم اليومية.
غير أن آيدين بك وهو يفعل ذلك يتملكه خوف من "حساسية مفرطة" لا تفاجئه على الإطلاق، شأنه في ذلك شأن بقية مثقفي تركيا، ومن ثم فإنه من الأمور الجديرة بالتقدير، وتحسب للمخرج جيلان، استخدام "صنم الحساسية" في فيلمه الذي نحن بصدد الحديث عنه في هذا المقال.
لكن السؤال الآن، ألا توجد مشكلة بادية في الأفق؟ أليس القرآن الكريم كلام الله هو أكثر وأفضل شيء يمكنه أن يقدم لنا الإسلام؟ الجواب: لا يوجد قرآن كريم في أفلام جيلان!
ولنكمل الآن كلامنا بمشهد آخر من فيلم "بيات شتوي". الإمام حمدي في هذا المشهد يأتي برفقة ابن أخيه إلياس، من أجل الاعتذار لآيدين بك. وكان الإسلام هو مرجع الاعتذار، وعلى هذا النحو بدأ الإمام حمدي حديثه:
"اللهم صلِ على النبي محمد صلى الله عليه وسلم. (ويضع يديه على قلبه)، ويقول إن الندامة توبة. إلياس رغم صغر سنّه آمن من قلبه بما قلت، وفكر وتدبّر، وأعطاني الحق، ولهذا السبب جاء معي اليوم إلى هنا، من أجل أن يقبل يديك". لكن الطفل ينهض على قدميه مرغمًا، ويصر الإمام حمدي على أن يقبل يد آيدين بك. إلا أن الطفل أغمى عليه، لينكشف بذلك كذب الإمام.
وبحسب ما فهمت من فيلم "بيات شتوي" فإن الإسلام والمسلمين أمران منفصلان عن بعضهما البعض بالنسبة للمخرج جيلان. أي هو يرى أن المسلمين يمثلون الإسلام بشكل خاطئ، ويرتكب الأئمة الذين من المفترض أنهم يعتلون هرم المجتمع نفس الخطأ، ويجب أن يكونوا أمثلة يقاس عليها. كما يرى أنه لا يرغب أحد في تحمل عناء الرجوع إلى الفرقان (أي القرآن الذي يفرق بين الحق والباطل) من أجل الخروج من هذا المأزق، وحري بنا هنا أن نقول إنه يتعين فتح قوسين من أجل الإسلام في السينما الخاصة بالمخرج جيلان. 
أما في فيلم " شجرة الكمثرى البرية" فهناك أب مدرس بالدولة، وابن مدرس أيضاً لكنه غير معين، وإمامان. حسناً، الأب والإبن يمثلان من؟ من وجهة نظري أرى أنهما يمثلان نبي الله يعقوب، ونجله النبي يوسف. والله سبحانه وتعالى يعرّف هذه القصة بقوله "أحسن القصص" والتي تعني "أجمل القصص وأفضلها".
وهذه القصة على النحو التالي: يعقوب نبي، وقد جاءت النبوة كذلك لابنه يوسف، وكان الأب يحب يوسف أكثر من بقية إخوته ما دفعهم للغيرة من أخيهم. فقاموا على إثر ذلك بإلقائه في البئر، وعند عودتهم لأبيهم قالوا "لقد أكله الذئب".
والأب والابن في "شجرة الكمثرى الكبرى" مدرسان، والأب له ولدان آخران، لكنه أكثر تفاهماً مع ابنه المدرس سنان، والفيلم يوجد به بئر أيضاً يشبه بئر يوسف، كما أن هناك مشهداً متعلقاً برؤيا في المنام، وكذلك هنك كوخ أعدّه الأب عند رأس أحد الجبال، وقضى فيه فترة حزنه، وهناك أيضاً مجموعة من الأغنام يقوم الأب برعيها.
الفيلم المذكور يعرض أمامنا تصويراً يتحدث عن نوع من الأديان. ولقد تضمن الفيلم كافة الأشياء، لكن أكثرها كان "بحر العدم"، وهذا ما يعني أنه إن لم يكن هناك إيمان فلا يمكن للنفس أن تسعد بالطمأنينة والسكينة.
والإسلام في هذا الفيلم يتم تناوله في حوارات بين المدرس الأب، والإمامين اللذين بدأ ظهورهما في الفيلم في مشهد كانت شجرة تفاح هي أولى لقطاته. إذ دفعهما توقهما لأكل التفاح إلى دخول حديقة المدرس الأب، والأكل من شجرة التفاح دون استئذان، فلما شاهدهما الرجل قذفهما بالحجارة وقال لهما "هل ستخرجوننا من هذه الدنيا أيضاً؟".
ورغم أن الابن سنان لم يعين إلا أنه لم يقم بالسرقة كما فعل الإمامان في حديقة والده، ولا يمكن أن يسعى لتبرئة أو تطهير نفسه من خلال التستر وراء رداء الدين.
وبذلك يتضح لنا أن سينما المخرج جيلان، لا مكان فيها للإسلام، وإنما التناول بخصوص المسلمين الذين يمثلون الإسلام، ويرى المخرج أن كل إنسان من نافذته مسلم، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن الأئمة ليسوا على نفس الفكر، لكن مسارهم واحد، ومصدر مرتباتهم واحد.
وبالتالي فهل يمكننا من خلال الفيلمين "بيات شتوي"، و"شجرة الكمثرى الكبرى"، استنتاج حقيقة مفادها أن المسلمين لا يمثلون الإسلام بحق؟

نعم يمكننا ذلك.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

 

https://ahvalnews.com/tr/sinema/ceylan-sinemasinda-imamlar-ve-islam &nbsp
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.