جان تيومان
يناير 07 2019

الأتراك سيواصلون شد الحزام ولو اتفق أردوغان مع النقد الدولي

لقد كشفت البيانات الصادرة مؤخرا أن واردات تركيا شهدت انكماشًا بنسبة 21.3% في شهر نوفمبر الماضي، بينما تقلص العجز في التجارة الخارجية بنسبة 90% في الشهر نفسه. ومن المتوقع أن يستمر فائض الحساب الجاري للشهر الرابع أيضًا بعد أن بدأ اعتبارًا من أغسطس المنصرم.  
ووفقًا للأرقام الأولية، ستتواصل زيادة رصيد الحساب الجاري في الشهر الأخير من عام 2018 كذلك، في حين يرتقب أن يكون عجز الحساب الجاري السنوي أقل من 25 مليار دولار. وهذا الرقم يمثل أقل عجز شهده الحساب الجاري لتركيا منذ عام 2005.
وقد احتل التقلص المشهود في الواردات من الإلكترونيات بنسبة 41%، ومن السيارات بنسبة 49%، الصدارةَ في التقلص الذي سجله إجمالي الواردات في شهر نوفمبر، وذلك على الرغم من الخطوات التي اتخذتها الحكومة في هذين القطاعين. 
وكانت حكومة حزب العدالة والتنمية اتخذت سلسلة من التدابير، كخفض الضريبة المفروضة على مبيعات السيارات والسلع البيضاء بنسبة كبيرة، من أجل منع مزيدٍ من الانخفاض في مبيعات السيارات والإلكترونيات خلال شهر نوفمبر. بالإضافة إلى أنها اتجهت إلى زيادة عدد أقساط بطاقات الائتمان في مبيعات معدات تكنولوجيا المعلومات والأجهزة الرقمية، كالهواتف المحمولة مثلاً، في مسعىً لزيادة المبيعات. 
ومع أن هذه التدابير كانت خطوات مالية اتخذتها الحكومة بهدف التخفيف عن آلام العودة إلى السياسة النقدية التقليدية لمتمثلة في "الفائدة العالية وانخفاض سعر الصرف"، والتي تنفذ منذ مطلع سبتمبر الماضي، لكن المعطيات الراهنة تشير إلى أن تشديد السياسة النقدية في مقابل الخطوات المالية المخفِّفة لم يستطع أن يجري تأثيراته الإيجابية على الطلب والنمو.  
في الواقع، تعتبر الإحصاءات والمعطيات الخاصة بشهر نوفمبر ملخصًا لقصة الاقتصاد التركي المتغيرة. وإن أردنا تجسيد هذه القصة المتغيرة على نحو أكثر جلاءً فيمكن أن نقدم لكم توقعات وتنبؤات مجلة "ذي إيكونوميست" الرائدة في إعداد التقارير المالية العالمية. فقد خفضت المجلة توقعاتها الخاصة بنمو الاقتصاد التركي لعام 2019 من 4.8% إلى 1%. 
وإن كنتم ترون ذي إيكونوميست متشائمة فيمكن أن تجدوا توقعات صندوق النقد الدولي بنمو تركيا كارثية، حيث تنخفض توقعاته إلى 0.4%. بل هناك أسوأ من ذلك، فعلى سبيل المثال، تتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية انكماشًا بنسبة 0.4%، فيما تنزل هذه النسبة إلى 2% عند وكالة موديز.
ولا شك أن الفرملة الحادة لاقتصادٍ يتمتع بإمكانيات نمو متوسطة الأجل بنسبة 5% سترمي بعض الركاب من النافذة! وهذا يعني أننا سنسمع إعلانات الإفلاس وطلبات تسوية الإفلاس والعطالة وما ماثلها من المفاهيم أكثر مما نسمعه اليوم.   
وما يجعل الأمر أكثر إثارة للاهتمام أنه لا توجد توقعات متفائلة للغاية بشأن التضخم والعجز في الحساب الجاري على الرغم من هذا القدر من التباطؤ. ولكن لا بد أن يتضاءل عجز الحساب الجاري والتضخم بصورة تلقائية توازيًا مع تضاؤل الطلب. إلا أن هذه القاعدة لا تنطبق على تركيا؛ إذ ترجح التوقعات أن يصل عجز الحساب الجاري إلى حوالي 25 مليار دولار، وهو الرقم الذي يمثل 3% من الدخل القومي للبلاد، وأن تتراوح نسبة التضخم ما بين 17 و20%. 
 هذه الأرقام قد جعلت الحياة الاقتصادية في تركيا تتعرف على مصطلحي "الركود التضخمي"، الذي يصف التضخم المرتفع في حالة الركود، و"التضخم السلبي"، الذي يصف التضخم المرتفع في حالة الانكماش الاقتصادي. 
ويرى الخبراء الاقتصاديون أن انتهاء التخفيضات الضريبية المؤقتة في العام الجديد، بعد دخولها حيز التنفيذ في نوفمبر، له تأثير ملحوظ على التوقعات باستمرار ارتفاع معدل التضخم، على الرغم من الركود أو الانكماش. 
بالإضافة إلى ذلك، فإن انعكاس مضاعفة الزيادة في أسعار المنتجين على أسعار التجزئة بشكل تدريجي، والتضخم في التكاليف، بالتناسب مع زيادة أسعار الفائدة، يعتبر من العوامل التي تحدّ من التفاؤل في الاقتصاد التركي.
ومع أن هدف التضخم الرسمي للحكومة يبلغ 15.9٪، إلا أنه يبدو من الآن أن تحقيق هذا الرقم صعب للغاية. فعلى سبيل المثال تتوقع وكالة موديز أن تبلغ نسبة التضخم في تركيا 19% في نهاية 2019.
وما تشير إليه هذه الحقائق في نهاية المطاف هو تفاقم البطالة في البلاد.
وكانت تركيا تتوقع وفق برنامجها الاقتصادي الجديد الذي أعلنت عنه في سبتمبر أن تبقى نسبة البطالة عند حدود 10.9% في العام الماضي (2018)، وترتفع إلى 11.3% في العام الجاري (2019). غير أن معدل البطالة ارتفع إلى 11.4% في نهاية سبتمبر الفائت، حيث لم تكن بدأت بعدُ مرحلة الانكماش الاقتصادي بشكل كامل. وهذا المعدل كان الأعلى في شهور سبتمبر خلال تسع سنوات ماضية. وإذا وضعنا في الحسبان أن حوالي 600 ألف عضو جديد ينضمّون لسوق العمل سنويًّا بسبب النمو السكاني فقط، فإنه من الممكن رياضيًّا أن يصل معدل البطالة في تركيا إلى 15%. 
ويظل سؤال "متى يمكن أن يتحول هذا المشهد السلبي في المؤشرات الاقتصادية الرئيسية في الاتجاه الإيجابي المعاكس؟" من بين أكثر القضايا الفضولية في تركيا مع حلول العام الجديد. في الواقع، أن جواب هذا السؤال بسيط ويعرفه الجميع. فالسبب الرئيسي الذي يقف وراء الأزمة الاقتصادية في تركيا هو هروب رأس المال الأجنبي، الذي يعد الأساس الأبرز لاستمرار النمو الاقتصادي. 
أما تراجع الاستثمار الأجنبي في تركيا فنتجت عن عديد من العوامل، يأتي على رأسها إحجام البنك المركزي الأمريكي عن سياسته النقدية التوسعية، وابتعادُ الحزب الحاكم في تركيا عن النهج الديمقراطي والمسار القانوني بالتوازي مع ظهور ممارسات فساد ورشوة، أكبرها في عام 2013. 
لقد عادت تركيا، في مجال الاستثمارات الرأسمالية طويلة الأجل خاصة، إلى الأيام القاحلة في التسعينات من القرن الماضي، واستسلمت مرة أخرى للأموال الساخنة التي تؤدي بالضرورة إلى التقلبات. وإن أردنا أن نجسّد الوضع بالأرقام، فإن صافي الاستثمار الأجنبي المباشر في تركيا اعتبارًا من الأشهر العشرة الأولى من العام السابق بقي عند حدود 6 مليارات دولار فقط. ويعود ثلثا هذا المبلغ إلى الاستثمارات العقارية، والبقية إلى توجه الشركات صاحبة الاستثمارات السابقة إلى زيادة رأس مالها. بمعنى أنه لا يوجد مستثمرون أجانب جدد يأتون إلى تركيا لفتح مصنع أو شركة. بينما كانت تركيا جذبت استثمارات مباشرة طويلة الأجل بقيمة 20 مليار دولار سنويا في بداية عام 2010. فضلاً عن أن القسم الأعظم منها كانت الاستثمارات الأجنبية المباشرة الجديدة التي تخلق مجالات وفرص عمل جديدة. 
فيما يتعلق برأس المال الأجنبي، ليست الاستثمارات المباشرة طويلة الأجل هي الوحيدة التي لم تصل إلى المستوى المطلوب، بل الاستثمارات المعتمدة على الأموال الساخنة هي الأخرى لم تحقق المستوى المطلوب، وذلك على الرغم من الفوائد العالية الممنوحة والرخص الكبير في السلع والأصول من العملة التركية. ومما يدل على ذلك أن الحكومة بادرت إلى تمويل ثلثي عجز الحساب الجاري الذي بلغ 27.1 مليار دولار في الفترة من يناير إلى أكتوبر (2018)، وذلك بأموالٍ مجهولةِ المصدر. ولذلك فقد وصل تأثير بند "السهو والخطأ"، الذي يشير إلى الأموال مجهولة المصدر، على ميزان العملات الأجنبية في البلاد إلى مستويات مرتفعة للغاية لأول مرة، وهو الأمر الذي يثير في الوقت ذاته شبهات ومخاوف حول عمليات تبييض أموال سوداء.   
يشكل نقص العملات الأجنبية مصدرًا دائمًا للتوتر والضغط لتركيا التي تحتاج للعثور على ما يقرب من 150 مليار دولار دينًا خارجيًّا خلال العام المقبل، إذا أضفنا إلى ذلك حاجتها إلى سدّ العجز في الحساب الجاري. 
هذه الأرقام الضخمة تدل على أنه لا يمكن حلّ المشكلة ببضعة مليارات دولار قد يوفرها فائض الحساب الجاري شهريا. علاوة على ذلك، فإن استمرار فائض الحساب رغم الانكماش الاقتصاي يثير شبهات حول إمكانية استمراره لفترة طويلة.  
خلاصة القول: تركيا بحاجة إلى مصدر خارجي كبير يخفف عبئها في سدّ الديون الخارجية لكي تتمكن من العودة مجددًا إلى مرحلة النموّ الاقتصادي. إذ يعتقد محللون اقتصاديون أنه بهذه الطريقة فقط يمكن إعادة زيادة الائتمان المصرفي بعد الانكماش الذي يشهده منذ فترة طويلة وتدوير عجلات الاقتصاد في البلاد مرة أخرى.
ولهذا السبب تتداول على ألسنة الناس والصحف من حين إلى آخر أقاويل تزعم توصُّل الحكومة التركية إلى اتفاق سري مع صندوق النقد الدولي، وأنه سيتم الإعلان عن ذلك رسمياً بعد الانتخابات المحلية في عام 2019.
فعلى سبيل المثال، أشار التقرير السنوي الصادر عن بنك الاستثمار الهولندي في 18 ديسمبر المنصرم إلى تزايد الأقاويل عن توصل تركيا إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض بعد الانتخابات المحلية.
بغضّ النظر عن صحة أو كذب هذه الشائعات، فإن هذا الاحتمال يظل أملاً يساعد على حيوية ونشاط الأسواق المالية في تركيا رغم كل شيء. غير أن الاتفاق مع صندوق النقد الدولي بالنسبة للرئيس أردوغان، الذي غير النظام بحسب رغبته ومزاجه الشخصي، ليس خيارا سهلا، سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية. وذلك لأن الفساد والرشوة تحولا إلى نموذج إدارة وعمل في تركيا منذ زمن طويل، بعد أن دمر أردوغان كل الأنظمة القائمة فيها، بما فيها قوانين السوق الحرة، في سبيل ترسيخ أركان نظامه الشخصي. كما كان هذا النموذجُ القوةَ الدافعة لنمو اقتصادي مزيفٍ قام على استخدام الموارد العامة بطريقة سخية وغير قانونية.
لقد استطاع نظام أردوغان تحقيق مستويات رفيعة في النمو لسنوات طويلة من خلال ضخّ أموال الدولة، دون اتباع أي قاعدة، لاستثمارات البنية التحتية المشبوهة التي أطلق عليها "مشاريع جنونية".  
ولذلك فإن نجاح التوافق بين قواعد الشفافية والرقابة التي يفرضها صندوق النقد الدولي ونظام أردوغان القائم منذ سنوات على عدم الاعتراف بأي قاعدة ونظام، وما إذا كان اتفاقًا محتملاً بين الطرفين سيسفر عن نتائج إيجابية أم لا، يبقى موضوعًا مفتوحًا للنقاش. وقد تتسبت تلك القواعد في تراجع معدل النموّ إلى مستويات أدنى على المدى القصير وتحدث فوضى سياسية في البلاد. 
وإن تحقق عكس ذلك، أي إن تمكن أردوغان من نقل موارد صندوق النقد الدولي إلى تركيا بالطريقة التي يريدها، دون اتباعٍ لقواعد ومعايير الصندوق، فإن ذلك لن يؤدي إلا إلى إهدار موارد الصندوق الثمينة التي ترغب كثير من البلدان بالحصول عليها في هذه الأيام. 
ولهذا السبب، فإن الذين يرون صندوق النقد الدولي حلاً أخيرًا لتحقيق سيناريو العودة إلى النمو الاقتصادي في تركيا قد يتعرضون لخيبة أمل كبيرة.  
وإن دلت هذه المعطيات على شيء فإنما تدل على أن المواطنين الأتراك سيواصلون «شد الحزام والتقشف» في عام 2019 أيضًا، سواء نجح نظام أردوغان في الاتفاق مع صندوق النقد الدولي أم فشل. 

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضًا:

https://ahvalnews.com/tr/ekonomik-kriz/2019da-ekonomi-son-umut-imf-ama-anlasma-zor
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.