مارس 10 2019

الأتراك في "طوابير البقاء"، وأردوغان يُنفق بسخاء لتشييد رموز عثمانية

إسطنبول – الاندفاع النهم لتغيير وجه المدن التركية عبر ضخ المزيد من الموارد الضخمة، لا يحظى بموافقة أكثر من نصف سكان البلاد، وفقاً لما يراه المحلل مصطفى سونميز، الذي يؤكد أنّ طموح أردوغان لنشر العمارة الإسلامية في كل مكان يمثل تهديدا للهوية العالمية والتعددية الثقافية لإسطنبول.
وبينما يشكل التباطؤ الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة القضية الأهم بالنسبة لمعظم سكان تركيا حاليا، تتجه البلاد صوب الانتخابات المحلية المقررة في 31 مارس الجاري، في سادس استحقاق انتخابي تشهده تركيا خلال خمس سنوات.
وخلال ما يقارب الشهر هذا العام، وقف الأتراك في طوابير طويلة بالمدن الكبرى لشراء احتياجاتهم من أكشاك تبيع السلع بأسعار مخفضة، وهو ما أطلق عليه تسمية "طوابير البقاء" إشارة للوضع المعيشي المتدهور جدا للأتراك.
وكان هذا مشهدا غير مسبوق في تركيا على مدار 16 عاما في ظل "حقبة رجب طيب أردوغان "، رئيسا للوزراء ثم للجمهورية. ولطالما راهن أردوغان على الاستقرار الاقتصادي فيما حقق من تأييد شعبي ومن جذب لأصوات الناخبين.
وفي ظل معدلات تضخم مرتفعة وتراجع قيمة العملة التركية (الليرة)، ينفق أردوغان بسخاء بالغ قبيل الانتخابات، ويقدم حوافز ضريبية واستثمارية تصل قيمتها إلى مليارات الليرة.
كما يتجسد هذا الكرم في العديد من مشروعات التشييد الطموحة، وبينها مسجد ضخم افتتح في إسطنبول يوم الخميس الماضي.
ويروق المسجد، الذي يعد الأكبر في تركيا، لقاعدة الناخبين القوية التي يتمتع بها الرئيس التركي بين المسلمين الملتزمين في بلاده.
وأقيم مسجد "تشامليجا" فوق تل يحمل نفس الاسم، على الجانب الآسيوي من إسطنبول، وقد استمرت عملية البناء ست سنوات. ويضم المسجد قاعة مؤتمرات ومكتبة ومتحفا ومرآبا يسع نحو 3500 سيارة.
وللمسجد الذي يتسع لنحو 63 ألف مصل، مكانة خاصة لدى مؤيدي الرئيس التركي، الذين يرون فيه "مشروع أردوغان "، حيث إنه من المشروعات الكبيرة التي جاءت بتوجيه من الرئيس شخصيا.
وقال أردوغان عن المسجد قبل شهور: "إنه مشروع رائع... هو الدرع الروحية الجديدة لإسطنبول".
والمسجد هو أحدث مشروعات البناء التي ينظر إليها على أنها تمثل عودة إلى الماضي "العثماني" لتركيا، ويعتبر رمزا لطموحات أردوغان في إعادة صياغة الطبيعة المعمارية والحضرية لتركيا العلمانية.
وبالنسبة لسلاطين الإمبراطورية العثمانية التي امتدت من البلقان إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث حكمت لنحو ستة قرون، فإن إقامة المساجد الكبرى البارزة كان يمثل رمزا للقوة والاستقرار والثراء.
ويقدم "المسجد الأزرق" المقام على تلة أخرى على الجانب الأوروبي من العاصمة العثمانية السابقة، مثالا آخرا رائعا، حيث يقصد ملايين السياح هذا المعلم التاريخي سنويا.
ويرى بولنت باتومان، من جامعة بيلكنت في أنقرة، أن هذا التقليد السلطاني قد تطور إلى طموح سياسي في تركيا الحديثة، حيث يحاول الحكام الإسلاميون المحافظون صياغة هوية وطنية جديدة تستند إلى تفسيرهم للتاريخ والإسلام السني.
ويقول باتومان: "العمارة الإسلامية وسيلة لإظهار أن الأتراك قادرون على فعل ما هو أفضل من الماضي".
ويتردد أن أردوغان اختار أعلى بقعة في المدينة التي يصل عدد سكانها إلى 15 مليون نسمة لمسجد "تشامليجا" ليراه القاصي والداني.
ويرى باتومان أن هذا ليس من قبيل المصادفة، ويقول "هوس إقامة (البناء) الأعلى والأوسع والأكبر يتماشى مع جهود تعزيز الشعور بالفخر الوطني."
وتؤتي هذه السياسة، التي تعضدها الأموال، ثمارها مع القاعدة الشعبية من الناخبين.
واستخدمت العائلات التي لديها أطفال والشباب وكبار السن نفق سيارات وخط حافلات عامة، تزامن افتتاحهما مع افتتاح المسجد، للمشاركة في أداء أول صلاة تقام بالجامع الجديد. وهناك خط قطارات أنفاق منفصل تحت الإنشاء حاليا لتسهيل الوصول إلى " تشامليجا".
ويقول علي عثمان، وهو سائق سيارة أجرة كان ينتظر ركابا خارج المسجد الجديد: "انظر... اكتمال بناء المسجد مبعث فخر."
ويضيف عثمان:" نسمع في نشرات الأخبار أن دولة غنية، مثل ألمانيا، لا تستطيع أن تنجز مشروع مطار خلال عدة أعوام".