الأتراك لا يستطيعون السخرية من حكامهم

أحد الطرق التي يمكن أن نقيس بها مدى حرية التعبير في بلد ما، هي النظر إلى الهجاء السياسي في ذلك البلد. ويكاد لا يكون لدى تركيا أي قناة للهجاء السياسي، حيث تدهورت حرية الإعلام والتعبير نتيجة لزيادة النزعات السلطوية الاستبدادية لدى الرئيس رجب طيب أردوغان. وما زال موقع زيتون (وهو النسخة التركية من ذا أونيون بدون التسجيلات الإخبارية المصورة) ومجلة أويكوسوس الأسبوعية السياسية الساخرة لديهما نشاط في مجال الهجاء السياسي، وإن كانت هناك دعاوى قضائية قد أقيمت ضد الأخيرة.
ويجب أن يكون الهجاء والفكاهة بطبيعتهما فيهما انتقاد، وهما على هذا النحو بالفعل في معظم الحالات؛ والهجاء السياسي غالباً ما يكون في جانب المعارضة، فهو معارض لكل شيء؛ ولكنه، وقبل كل شيء، معارض لأي شخص يكون في السلطة. وليس غريباً أنه في الولايات المتحدة، يسخر كوميديانات من أمثال ستيفن كولبير وجون أوليفر وتريفور نوح في أغلب الأحوال من الرئيس دونالد ترامب، وليس من هيلاري كلينتون. فالحكام الذين تقع على عاتقهم المسؤولية، هم مادة للسخرية المباشرة؛ وفي هذا الإطار تكون السلطة أكثر عرضة للانتقاد من المعارضة.
ويمكن توجيه الهجاء السياسي فقط في بيئة تكون فيها حرية تعبير. ومن المستحيل أن يكون هناك تهويل للمشاكل التي تعاني منها تركيا فيما يتعلق بحرية التعبير والإعلام والإنترنت؛ فوفقا لتصنيف مراسلون بلا حدود لعام 2018، تحتل تركيا المرتبة 157 على مؤشر حرية الصحافة من أصل 180 دولة. ووفقا لتقرير فريدم هاوس في نوفمبر 2016، جرى تصنيف تركيا على أنها "ليست حرة" فيما يتعلق بحرية الإنترنت. واستجواب الناس، بل وحتى إلقاء القبض عليهم في بعض الأحيان، بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي ليس بالأمر الغريب في تركيا؛ فعندما نشر طبيب صوراً تشير إلى شبه بين أردوغان وشخصية غولوم في فيلم سيد الخواتم عام 2016، أحيل إلى المحكمة وصدر حكم ببراءته فقط بعدما استندت المحكمة في قرارها إلى "شهادة خبير" بأن غولوم كان شخصية طيبة! وأخيراً وليس آخراً، أنت لا يمكنك أن تقرأ هذا المقال في تركيا بدون الولوج عبر شبكة خاصة افتراضية لأن موقع أحوال تركية محجوب أيضا إلى جانب آلاف المواقع الإلكترونية الأخرى، بما في ذلك موقع ويكيبيديا.
والهجاء السياسي أمر لا يتساهل أردوغان وحكومته فيه. ورفع أردوغان دعاوى قضائية ثلاث مرات على الأقل خلال الفترة بين عامي 2005 و2018 ضد رسامي كاريكاتير متهما إياهم بإهانته. وبينما أسقطت المحكمة الدعوى التي رفعها عام 2005 لكون الفعل محل الدعوى يقع في نطاق "حرية التعبير الفني"، فإن أحدث قضية انتهت بصدور حكم إدانة، وذلك بعد أن عزز أردوغان سلطته وسيطر على القضاء بشكل أو بآخر. وفي مايو 2018، جرى اعتقال مجموعة من الطلبة من جامعة الشرق الأوسط التقنية – وهي إحدى أبرز جامعات تركيا – بسبب حملهم لافتة كانت تصور أردوغان كحيوان. وأعاد نواب من حزب المعارضة الرئيسي حزب الشعب الجمهوري حينها نشر الرسم ذاته احتجاجا على الاعتقال، وجرى توجيه الاتهام لهم أيضاً.
ويشير عدد الدعاوى القضائية التي أقيمت ضد أشخاص بسبب إهانتهم أردوغان أيضاً إلى السبب في محدودية الهجاء السياسي في تركيا. فوفقاً لوزارة العدل، حتى يونيو 2017 أُحيل ثلاثة آلاف و658 شخصا للقضاء بسبب إهانة أردوغان، بينما أُحيل 46 ألفاً و193 شخصاً في المجمل إلى القضاء لإهانة تركيا أو المؤسسات التركية أو المؤسسات الحكومية التركية.
وفي السنوات القليلة الأخيرة، قمعت شرطة مكافحة الشغب جميع أنواع التظاهرات السياسية المعارضة لأردوغان في تركيا، وكانت الواقعة الأسوأ هي واقعة احتجاجات حديقة غيزي في عام 2013. ومع تزايد صعوبة معارضة أردوغان أو الاحتجاج ضده داخل تركيا، يتحول الناس إلى التعبير عن معارضتهم خارج البلاد، وهو الأمر الذي يخلق مشاهد تكون في بعض الأحيان طريفة، وفي أحيان أخرى مأساوية. فعندما احتجت مجموعة من الناس في عام 2017 ضد أردوغان في واشنطن دي.سي، حاول حراسه الشخصيون التشويش على هتافات المحتجين التي وصفت أردوغان بأنه "إرهابي" من خلال إحداث ضوضاء وجلبة غير مفهومة، وذلك بعد أن منعتهم قوات الأمن الأميركية من مهاجمة المحتجين. وفي أكتوبر 2015، سأل صحفي فنلندي أردوغان خلال مؤتمر صحفي ما إذا كان ديكتاتوراً. سأل أردوغان أولا عن اسم الصحيفة التي ينتمي لها الصحفي ثم قال إنه لو كان ديكتاتوراً، لما استطاع الصحفي أن يسأل هذا السؤال.
وهناك أيضا حالات تحولت فيها المواقف الفكاهية إلى العنف. ففي فبراير عام 2016 في الإكوادور، وفي مايو 2017 في الولايات المتحدة، هاجم حراس أردوغان الشخصيون بعنف المحتجين وأحدثوا بهم إصابات جسدية بالغة، وهو ما تسبب في أزمتين مع البلدين.
ومنذ احتجاجات حديقة غيزي في عام 2013، تحمل إدارة أردوغان والإعلام المؤيد لها جماعات مختلفة من الأعداء في الداخل والخارج مسؤولية جميع أنواع المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها تركيا. وفي بيئة مثل هذه، يعد الانتقاد داخل البلاد "خيانة" ويُصوَّر الانتقاد من الخارج على أنه "محاولات قوى خارجية لإضعاف تركيا" أو ببساطة على أنه "معاداة لأردوغان ولتركيا". وفي أبريل 2016، عندما قرأ الكاتب السياسي الساخر ومقدم البرامج الألماني يان بومرمان قصيدة في التلفزيون الألماني تهين أردوغان، تحرك أردوغان واتهم بومرمان باتهامات استند فيها إلى قانون ألماني يعود إلى القرن التاسع عشر يجرم إهانة الزعماء الأجانب. وجرت تبرئة بومرمان في وقت لاحق، حيث ذكرت المحكمة أن ما قدمه كان هجاء، لكنه مُنع من تلاوة أجزاء معينة من القصيدة.
ومنذ احتجاجات غيزي في عام 2013، خرجت حكومة أردوغان وإعلامه بالكثير من نظريات المؤامرة. ومن الأمور التي تستدعي السخرية من البلاد مثلا أن مستشاراً كبيراً لرئيس الوزراء ادعى أن أردوغان مستهدف بالتحريك الذهني من قوى خارجية، فضلا عن مقارنة الرئيس نفسه للهولنديين بالنازيين والادعاء بأن المسلمين اكتشفوا القارة الأميركية قبل كولومبوس بكثير. لكن نظراً للأسباب التي شرحتها هنا، فإن قنوات السخرية من أردوغان إما غائبة، وإما على الناس الذين يحبون أن يفعلوا ذلك أن يخاطروا مخاطرة واضحة.
***
 قد يبدو هذا لا صلة له بالموضوع، لكن أمراً مشابهاً جداً (فيه تعبيرات شبه متطابقة) حدث في عام 1932 أيضا خلال حقبة الحزب الواحد في عهد أتاتورك. فعندما سأل صحفي أتاتورك ما إذا كان ديكتاتوراً، كان رد أتاتورك المعروف "لو كنت ديكتاتوراً، لما أمكنك أن تسأل هذا السؤال". أيضا في عام 1960، قبل ثلاثة أسابيع من انقلاب السابع والعشرين من مايو 1960، حدث أمرٌ مشابه جداً؛ فعندما تمكن مواطن من الوصول إلى رئيس الوزراء عدنان مندريس خلال تظاهرة منظمة وصاح قائلا "أريد الحرية" رد مندريس قائلا إن لولا الحرية لما كان وصل إلى رئيس الوزراء.
وهذا الاستمرار في الاستبداد والأفكار المعيبة التي لدى حكام تركيا – والتي تتمثل في أنه إذا كان باستطاعتك الشكوى من غياب "س" من الأمور فإن  "س" هذا يكون موجوداً بالفعل – أمر يسترعي الانتباه.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-satire/turks-cannot-make-fun-their-rulers-obvious-reasons