Ergun Babahan
سبتمبر 12 2018

الأتراك مُحاصَرون بين القرآن وخطاب أتاتورك

لم نعد نستطيع استخدام عبارة "محاصر بين المسجد والثكنات" لوصف تركيا لأن المسجد يسيطر الآن على الثكنات أو على الأقل شكلت هذه المساجد تحالفا إسلاميا- قوميا لم يكن متصورا قبل 10 إلى 15 عاما مضت.

تركيا اليوم محاصرة بين نصين، وهما القرآن وخطاب مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك الذي استمر على مدار ستة أيام عام 1927.

الخطاب هو أهم مصدر لفهم توليفة العلمانية ومركزية الدولة والقومية، المعروفة باسم الكمالية التي هيمنت على فكر الحكام قبل وصول الإسلاميين بزعامة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى السلطة في عام 2002.

يعتقد أعضاء كل طرف على جانبي الصدع السياسي الذي يقسم تركيا أن بوسعهم حل مشكلات البلاد بالعودة إلى ما يرونها العصور الذهبية التي تمثلها نصوصهم، وهي القرآن في القرن السابع عشر، وذروة الكمالية في الثلاثينيات من القرن الماضي.

القرآن كتاب يسعى في الأساس إلى حلول لمجتمعات الجزيرة العربية في القرن السابع.

وبعد استقرار القبائل البدوية الرحالة، فسدت قيمها سريعا، واختفت ثقافة مساعدة المحتاجين، وصحب ذلك زيادة سريعة في الفقر وتراكم الثروات عند عدد قليل من الناس.

وكان القرآن هو رد النبي محمد على هذا الفساد. إنه يهدف إلى بناء شعور بالتضامن، وهو نص شامل، ويقترح مد يد العون إلى الفقراء والمحتاجين.

يقترح القرآن قواعد جديدة دون استئصال أعراف قائمة. إن محمدا أقرب إلى إصلاحي منه إلى ثوري؛ فقد اقترح خطوات علاجية للمجتمع دون أن يتجاهل الأعراف القديمة.

ولأنه دين توحيدي، فإن القرآن لم يقصر التضامن على قبيلة أو عرق واحد، فأي شخص يؤمن بالله ويشهد أن محمدا هو رسول الله يمكنه أن يشارك في هذا التضامن.

وانصب خطاب أتاتورك على شعب ينهض من بين حطام إمبراطورية منهارة ليستعيد هويته ومكانته في العالم من خلال مفهوم جديد تماما وهو القومية.

وهذه ثورة إذ أنها تقطع علاقة الشعب بماضيه. لكنها تفسير ناقص ومشوه لهذا التاريخ لأنها تتجاهل مؤسسي هذه الحركة في تركيا، وهم أعضاء جمعية الاتحاد والترقي، وهي حركة ليبرالية وصلت إلى السلطة في العقود الأخيرة للإمبراطورية العثمانية.

وكان الاتحاديون أصحاب كثير من الإجراءات التي طبقتها جمهورية تركيا المعلنة حديثا ومنها التترك وإصلاحات في الأزياء، وتغييرات في الأبجدية واللغة. لكن بالنسبة للعلمانيين الأتراك فإن قصة الجمهورية هي تلك التي سردها أتاتورك في خطابه.

كتب أتاتورك الخطاب في وقت كان يشهد ظهور دول قومية في كل أنحاء العالم. ورأى أتاتورك أن العرب والمسلمين خانوا الأتراك العثمانيين، ولذلك حول الجمهورية الجديدة إلى الغرب واختار علمانية على النمط الفرنسي.

لكن في الوقت الذي أصبحت فيه الحضارة الغربية أكثر ليبرالية وشمولية، تشبثت تركيا بالنظريات الاتحادية القديمة التي هي لب كل متاعبها محليا ودوليا، وهي إنكار أي هوية غير تركية أو مسلمة.

وصلت هذه الأفكار الاتحادية إلى حد إنكار الجمهورية لحقوق الأقليات الكردية في بلد آخر وهو سوريا. 

الاتحاديون المتنكرون في هيئة إسلاميين اليوم يزعمون أن وجود البلاد يعتمد على قمع الأكراد في كل أنحاء المنطقة.

لهذا السبب فإن هؤلاء الذين قتلوا أكرادا في مناطق تركية تسكنها أغلبية كردية، يؤيدون اليوم حقوق الإنسان في محافظة إدلب السورية التي تسيطر عليها المعارضة كوسيلة لتحقيق توازن أمام النفوذ الكردي في شمال سوريا.

يستخدم الاتحاديون اليوم مفردات إسلامية لكن الذين تربوا على الإيمان بالأفكار العلمانية يؤيدون نظريات الاتحاديين أيضا. إنهم يغضون الطرف عن إهمال حقوق الإنسان وحكم القانون من أجل الحفاظ على بقاء النموذج الاتحادي.

إن تركيا بحاجة لطريق جديد. فقد وصلت الرؤية الاتحادية إلى طريق مسدود. فقد فشلت في شكليها العلماني والإسلامي وستنهار تحت حكومة أردوغان الإسلامية- القومية.

وتوجد حاجة لإجماع جديد. فالشيء الوحيد الذي جلبه خطاب الاتحاديين على هذه البلاد هو أزمات اقتصادية كل 10 إلى 15 عاما، وجمهور يفتقر إلى التعليم، وثقافة سلب ونهب، وتهديدات لا نهاية لها بشأن وجودنا.

فعندما لا يشعر الناس بالأزمة، يمكنك استغلالهم بنشر الخوف بينهم. لكن تذكروا أن الناخبين لم يمنحوا أصواتهم لأردوغان من واقع الخوف بل بدافع الأمل.

لقد رغب أبناء الأناضول الأتقياء في ممارسة معتقداتهم بحرية، وأرادوا في نفس الوقت أن يمارسوا حياة الأتراك العلمانيين الحضريين.

لقد أرادوا منزلا وسيارة وعطلة صيفية وتعليما جيدا لأبنائهم.

والآن يخسرون فرصهم في تحقيق هذه الأهداف. لقد أصبحت القصة الاتحادية مستنفدة، وإن لم تخرج البلاد بقصة جديدة، وبتضامن جديد، فإننا لن نجد سوى كلمات جوفاء.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey/caught-between-quran-and-speech