كلاير سدر
يونيو 06 2018

الأتراك ينفقون الملايين على جماعات الضغط للاحتراب في واشنطن

في يوم الانتخابات الأميركية في الثامن من نوفمبر عام 2016، نشر الجنرال المتقاعد مايكل فلين مقال رأي غير معتاد على موقع "ذا هيل" تركز حول مزاعم الجرائم والفكر الراديكالي لدى رجل الدين التركي فتح الله غولن، الذي يعيش في بنسلفانيا منذ عام 1999. وعلى الرغم من أن غولن عاش في الولايات المتحدة لنحو 20 عاما، وترأس بشكل مباشر وغير مباشر شبكة من المنظمات غير الحكومية، والمنظمات والمدارس الدينية حول العالم، فإنه أبعد من أن يكون اسما مألوفا في هذا البلد.

في المقابل، نجد أن غولن هو حاليا العدو الأول للشعب في نظر الحكومة التركية، وهو متهم بتوجيه شبكة أنصاره للإطاحة بالحكومة المنتخبة التي يقودها الرئيس رجب طيب أردوغان في الخامس عشر من يوليو عام 2016. وقتل أكثر من 200 شخص في محاولة الانقلاب التي وقعت آنذاك، لكنها قبل أن تفشل التُقط تسجيل مصور لفلين وهو يشجع الانقلابيين معتقدا أنهم جزء من المؤسسة العسكرية العلمانية. 

وبعد أربعة أشهر من ابتهاجه المتسرع بالانقلاب، فإن أقل ما يقال هو أن استنكار فلين الشديد لغولن وتأييده الجديد للحكومة التركية جعل مراقبي المشهد السياسي التركي يشعرون بالاستهجان. وبعدما كان مقال فلين قد تاه في غمرة صخب الانتخابات الرئاسية الأميركية، بدأ المقال يلفت الانتباه بعد ذلك بأيام قليلة. ولاحظ خبراء في الشأن السياسي التركي مثل البروفيسور هاورد إيزنشتات الأستاذ بجامعة سان لورانس أن المقال "بدا كما لو أن شركة علاقات عامة تركية هي التي كتبته".

وتبين أن تقييم إيزنشتات صحيح. فالأشهر التالية كشفت علاقات فلين العميقة بجماعات الضغط، بما في ذلك المنظمات الداعمة للحكومة التركية، واتصالاته بالسفير الروسي لدى واشنطن، والتي أنهت مهمته القصيرة كمستشار ترامب للأمن القومي.

وإلى حد كبير، دفعت سلسلة الفضائح التي تظهر بشكل يومي عن الإدارة الأميركية الحالية قضايا فلين القانونية الحالية إلى السطح، واستمرت حروب الضغط التي لعب فيها دورا علنيا موجزا. وهذا المقال هو الأول في سلسلة من المقالات التي ستغوص في أعماق الحكومة التركية وأنصار غولن وجماعات الضغط التركية الأميركية الأخرى في الولايات المتحدة.

يضخ أتباع الحكومة التركية وأنصار غولن موارد لإيصال رسالتهم إلى هذه الإدارة ولتقويض جهود معارضيهم. والمستهدفون بشكل أساسي بالنسبة للجانبين هم جماعات الضغط سواء كانوا أفرادا، مثل فلين، أو شركات لديها علاقات مباشرة مع الإدارة. وكل من الحكومة التركية وأنصار غولن يفعل كل ما بوسعه من أجل ضمان إيصال رسالتهم إلى الرئيس وإلى كبار مستشاريه.

ونقطة الخلاف الرئيسة بين الجانبين هي حقيقة أن غولن ما زال مقيما بشكل قانوني في الولايات المتحدة على الرغم من حقيقة أنه منذ محاولة الانقلاب الفاشلة، طلبت الحكومة التركية مرارا تسليمه إلى أنقرة. وتقول الحكومة التركية إن حركة غولن منظمة إرهابية. وأسندت أنقرة إلى وكلائها مهمة إقناع الحكومة الأميركية والرأي العام في الولايات المتحدة أيضا بأن غولن والمنظمة التي يديرها أنصاره، خاصة شبكة المدارس ومنظمات الظل المرتبطة بمؤيدي غولن، جزء من شبكة إجرامية.

وبطبيعة الحال فإن مؤيدي غولن ينفون أن يكون بأي حال من الأحوال مجرما أو إرهابيا له نفوذ، ويعتقدون في زور الادعاء بأنه يقف وراء محاولة الانقلاب الفاشلة. ويدفع هؤلاء بأن مهاجمة الحكومة التركية لأنصار غولن في تركيا وفي الخارج جزء من استبداد أردوغان المتزايد وهجومه على المجتمع المدني، وعلى حرية التعبير وحقوق الإنسان.

ومما يضاف إلى تعقيدات أهداف الضغط لدى الحكومة التركية وحركة غولن، حقيقة أنه حتى عام 2013 كان الطرفان شريكين وكانت منظمة غولن نافذة فعلية لسياسة الحكومة التركية ومحاولاتها لإبراز القوة الناعمة. ومن ثم فإن كلا من الطرفين لا يحارب عدوا يعرف نقاط ضعفه ونقاط قوته عن قرب فحسب، وإنما يعمل أيضا كل منهما بجزء فقط من الموارد التي كانت متاحة له في السابق.

وكل من الحكومة التركية وحركة غولن على صلة بشكل رسمي أو غير رسمي بعدد من المنظمات في الولايات المتحدة، والكثير من تلك المنظمات منخرط في الضغط بشكل مباشر و/ أو من الباطن لصالح لشركات أميركية كبرى.

وعملية الدفاع عن الحكومة التركية مزيج معقد من التنظيمات، ومن بينها مجلس الأعمال التركي الأميركي (TAIK) والمجلس الأميركي التركي (ATC)، ومؤسسة توركن، واتحاد الجمعيات التركية الأميركية (ATAA). كما أن السفارة التركية في واشنطن تتفاوض بشكل مباشر على عقود للضغط نيابة عن الحكومة.

والمنظمتان الرئيستان اللتان تدافعان بشكل مباشر عن حركة غولن هما مجموعة واشنطن للدبلوماسية والتحالف من أجل القيم المشتركة. وجميع تلك المنظمات إما عينت، أو سعت لتعيين، جماعات ضغط على صلة بترامب.

وحتى وقت انهيار العلاقات بين الحكومة التركية وحركة غولن، كان مجلس الأعمال التركي الأميركي أحد أدوات النفوذ التركية التي كان الطرفان يستخدمانها بشكل مشترك. وضمنت الحكومة التركية الاحتفاظ بمجلس الأعمال التركي الأميركي خلال انفصال عام 2013 عبر دمجه في مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركي، ومنذ عام 2014، تختار لجنة برلمانية رئيسه. وخلال الفترة بين عامي 2014 و2017، كان من يشغل منصب رئيس مجلس إدارة مجلس الأعمال التركي الأميركي هو إكيم آلبتكين، الذي دفعت شركة الاستشارات المملوكة له – إينوفو بي.في – مبلغا قدره 530 ألف دولار لفلين لإجراء بحث عن غولن.

وفي مقابلة طويلة مع بازفيد، نفى آلبتكين تماما أن يكون عميلا للحكومة التركية وقال أيضا إنه لم يصدر تفويضا مباشرا بإعداد المقال الذي نشره فلين في يوم الانتخابات. لكن عندما أقر فلين في ديسمبر بأنه مذنب فيما يتعلق بكذبه على مكتب التحقيقات الاتحادي بخصوص حديثه مع السفير الروسي بشأن العقوبات، أقر أيضا بأن الحكومة التركية كانت تشرف بشكل مباشر على عمله فيما يتعلق بعمليات الضغط، بما في ذلك مقال الرأي الذي نشره موقع ذا هيل.   

وفي الوقت الذي عين فيه آلبتكين فلين، لم يكن ترامب بالطبع قد انتُخب بعد ولم يكن من المتوقع أن يفوز. لكن في نوفمبر عام 2016، عندما سألت مجلة بوليتيكو روبرت كيلي – الذي كان يدير الجزء الخاص بالضغط في عقد فلين مع إينوفو بي.في – عما إذا كان فلين قد جرى تعيينه بسبب علاقته بترامب، رد قائلا "آمل أن يكون كذلك".

وكما ذكرت لورا بيتيل في تقرير، فإن فلين جذب اهتمام أميركيين أتراك آخرين مناهضين لغولن وأموالهم قبل الانتخابات، ومن بين هؤلاء إبراهيم كورتولوش وخليل موطلو.

وأشارت بيتيل إلى أنه حتى أوائل عام 2017، كان موطلو رئيسا لمؤسسة توركن التي تعد ابنة أردوغان بين مديريها. ووفقا لشبكة سي.إن.إن، كان كورتولوش في السابق مسؤولا في اتحاد الجمعيات التركية الأميركية، وهو منظمة تركية أميركية أخرى تتبنى موقفا مواليا للحكومة ولديها تاريخ يربط بينها وبين الحكومة التركية. وسواء كانوا يعتقدون أنه كانت لدى ترامب فرصة للفوز أم لا، فإن المؤثرين الأتراك المؤيدين للحكومة كانوا يعتقدون بوضوح أن الأمر يستحق الجود بوقتهم وأوموالهم في محاولة لتأسيس روابط مع عضو مجموعة ضغط مقرب من ترامب حتى قبل الانتخابات.

ومنذ انتخاب ترامب، زادت جهود الحكومة التركية وحركة غولن لمد جسور التواصل مع الإدارة زيادة ليست مستَغربة. كما أن رجل أعمال تركي – حُجب اسمه من نصوص وثائق للجنة القضاء التابعة لمجلس الشيوخ بشأن التحقيقات الروسية نُشرت في الآونة الأخيرة – دعا دونالد ترامب الابن إلى رحلة صيد بعد وقت قليل من الانتخابات. وينفي ترامب الابن أي علاقة لهذا الرجل بفلين، لكن توقيت الرحلة وحدة يجعل الشكوك تحوم حولها.

عُقد المؤتمر السنوي المشترك لمجلس الأعمال التركي الأميركي والمجلس الأميركي التركي في فندق ترامب الدولي في ربيع عام 2017، وسيُعقد من جديد هناك في خريف العام الجاري. وجرى استبدال آلبتكين ليحل محله محمد علي يالشينداغ – وهو رجل أعمال تركي أيضا تربطه صلات بترامب – كرئيس لمجلس الأعمال التركي الأميركي. ويالشينداغ هو الرئيس السابق لمجموعة دوغان الإعلامية، التي تملُك برجي ترامب في اسطنبول.

وفي فبراير الماضي، عين مجلس الأعمال التركي الأميركي جماعة الضغط ميركوري. ومن بين موظفي ميركوري الذين يعملون لصالح مجلس الأعمال التركي الأميركي براين لانزا – وهو موظف سابق في حملة ترامب وفريقه الانتقالي. وفي بداية مايو، وقعت ميركوري عقدا أجله ثمانية أشهر مع تركيا بقيمة تتجاوز 100 ألف دولار شهريا.

كما تعاقدت الحكومة التركية بشكل مباشر مع جماعات ضغط على صلة بترامب. وسرت شائعات عن أن الرئيس السابق للجنة الفرعية المعنية بالقوة البحرية بلجنة الخدمات المسلحة بمجلس النواب الأميركي راندي فوربس هو مرشح ترامب لمنصب وزير البحرية، وشوهد في برج ترامب خلال المرحلة الانتقالية. لكن لم تتم الاستعانة بفوربس في نهاية المطاف، وانضم لشركة الضغط العملاقة غرينبيرغ تراوريغ في أغسطس عام 2017. وتمثل غرينبيرغ تراوريغ تركيا منذ عام 2014، وقد وقعت عقدا مدته عشرة أشهر ونصف الشهر مع المجموعة في مارس بقيمة 1.7 مليون دولار. وفي فبراير الماضي، سجل فوربس نفسه عميلا أجنبيا لتركيا، وهو أول تسجيل له من نوعه.

كما أن تركيا من زبائن بريان بالارد، الذي وصفته بوليتيكو في الآونة الأخيرة بأنه "عضو جماعات الضغط الأكثر نفوذا في واشنطن ترامب". ووفقا لما نشرته بوليتيكو، فإن ترامب زبون سابق لدى بالارد وهما يعرفان بعضهما البعض منذ 30 عاما. وكانت أول مرة تعين فيها الحكومة التركية شركة بالارد بارتنرز في مايو 2017 مقابل مبلغ سنوي قدره 1.5 مليون دولار.

ولا توقع الحكومة التركية عقودا جديدة مع جماعات ضغط فحسب، بل إنها ربما أيضا تكون تضغط على جماعات أخرى لكي لا تعمل مع المنظمات المرتبطة بحركة غولن. وفي مايو من العام الماضي، أبلغ رئيس التحالف من أجل القيم المشتركة التابع لغولن، ألب أصلان دوغان، موقع "ذا هيل" بأن الحكومة التركية ضغطت على جماعة ضغط كانت تعمل لصالح منظمته، وهي شركة بورسون مارستلر للعلاقات العامة، لحذف التحالف من قائمة زبائنها. وبدأت بورسون مارستلر بالتالي العمل لصالح الحكومة التركية، حيث وقعت عقدا مدته ثمانية أشهر بقيمة 1.1 مليون دولار معها في مايو 2017.

وشأنها شأن الحكومة التركية، تعين المنظمات المناصرة لغولن أيضا جماعات ضغط وتبني علاقات مع شخصيات في حزب ترامب ومسؤولين في إدارته. ودفعت مجموعة واشنطن للدبلوماسية 99 ألف دولار لشركة غوثام المتخصصة في العلاقات الحكومية عام 2017 لتقديم خدمات ضغط. وبحسب مدونة جوكرـ فإن غوثام قامت بأعمال ضغط لصالح ترامب بداية من عام 2011، وساعدت في الإيهام بوجود حشد كبير من المؤيدين في حفل الإعلان لحملة ترامب.

وأبلغ براد غيرستمان من غوثام موقع "ذا هيل" في مايو الماضي بأن "أنشطة الضغط التي قامت بها شركته لصالح مجموعة مرتبطة بغولن ركزت بشكل أساسي على تعريف إدارة ترامب بالكيفية التي يبسط بها أردوغان نفوذه حول العالم". لكن غوثام ومجموعة واشنطن للدبلوماسية تفرقتا في فبراير من العام الجاري. وردا على سؤال حول تخلي مجموعته عن غوثام، اكتفى بلال اكسيلي من مجموعة واشنطن للدبلوماسية بالقول "بدأنا علاقات مختلفة وأنهيناها وفقا للمسار الطبيعي لتلك العقود". ولم ترد غوثام على طلب من موقع أحوال تركية للتعليق.

ولا تكتفي الحكومة التركية وحركة غولن بتعيين أعضاء جماعات ضغط على صلة بترامب، ولكنهما أيضا تبذلان جهوداً للتأثير على نائب الرئيس مايك بنس على وجه الخصوص.

وسيناقش الجزء التالي من هذه السلسلة جهود الضغط الموجهة لبنس، ولماذا استهدفتها جماعات الضغط التركية وغيرها من الجماعات المناصرة لغولن.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: