فارتين إيستوكيان

الأرمن في تركيا قلقون من احتمال تزوير الانتخابات

للمرة الأولى منذ زمن بعيد، يشعر الشعب التركي بارتباك بشأن الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقررة في 24 يونيو الجاري.
وقد نظم مرشحون رئاسيون وبرلمانيون من مختلف الأطياف تجمعات انتخابية حاشدة في مختلف أنحاء البلاد. 
وكان في صدارة تلك الأحداث الكلمة التي وجهها  المرشح الرئاسي السجين صلاح الدين دميرطاش لأنصاره للمرة الأولى من محبسه وذلك خلال اتصال هاتفي مع زوجته.
وتحتجز السلطات دميرطاش، الرئيس المشترك السابق لحزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد، منذ نوفمبر 2016 بتهمة الضلوع في أنشطة إرهابية.
ويعتمد الشعب التركي بشدة على هذه الانتخابات. وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان دعا في إعلان مفاجئ في أبريل إلى إجراء انتخابات عامة ورئاسية مبكرة، وذلك قبل الموعد الأصلي بنحو عام ونصف.
وجاءت الدعوة للانتخابات بعد عام من طرح تعديلات دستورية للتصويت في استفتاء عام لتغيير النظام السياسي التركي من نظام برلماني إلى رئاسي.
وسيكون الفائز في الانتخابات الرئاسية يوم 24 يونيو أول رئيس يستفيد من صلاحيات تنفيذية كبيرة أقرها الناخبون في الاستفتاء على تعديل الدستور.
لكن الانتخابات تحمل أهمية أيضا لقطاع من الأقليات التركية: وهم الأرمن. 
ومثل الانتخابات العامة التي جرت في عام 2015، طرحت ثلاثة أحزاب مرشحين أرمن في الحملة الحالية للانتخابات البرلمانية.
ماركار أسيان، الذي شغل عضوية البرلمان عن حزب العدالة والتنمية بإسطنبول في الدورة السابقة، سيخوض الانتخابات لدخول المجلس مجددا. 
وقبل أن يصبح نائبا في البرلمان عام 2015، كان أسيان معروفا في أوساط الصحافة ككاتب في صحيفة أغوس الأرمينية وأيضا في صحيفة طرف الليبرالية.
لكن الرجل انتقل منذ عام 2013 للكتابة في صحيفة يني شفق المؤيدة للحكومة.
مرشح أرميني آخر للبرلمان التركي هو جارو بايلان الذي يخوض الانتخابات في ديار بكر عن حزب الشعوب الديمقراطي.
المرشح الأرمني الثالث في الانتخابات البرلمانية التركية هي ألماس جيراجوس وتخوض السباق على مقعد بمدينة اسطنبول عن الحزب الصالح المؤسس حديثا والمنتمي ليمين الوسط.

انتخابات

تحدثنا إلى عدد من الناس لمعرفة كيف ينظر المجتمع الأرميني في إسطنبول إلى الانتخابات المقبلة.
تحدثنا أولا إلى سيفان دغير منجيان وهو مدرس لغة أرمينية بمؤسسة هرانت دينك. وقبل ذلك كان يدرس الأرمينية في مدرسة بانجالتي مختاريان الثانوية بعدما أتم دراسة اللغة والأدب الأرميني في جامعة يريفيان.
دغير منجيان المعروف بين الأرمن في اسطنبول بانتقاداته الصريحة لا يعلق آمالا كبيرة على الانتخابات المقبلة. وقال الرجل "يزداد عندي القلق كل يوم مع اقترابنا من يوم 25 يونيو".
وقال دغير منجيان الذي يرى أن حزب العدالة والتنمية أصبح منهك القوى "حتى الدعاية التي يقدمونها تعرض صورة فوضوية".
وأكد دغير منجيان أنه ينبغي تنظيم الانتخابات الرئاسية بشكل منفصل عن البرلمانية مشيرا إلى الانتخابات البرلمانية في عام 2015 التي أهملت نتائجها وشهدت البلاد انتخابات أخرى في نوفمبر من نفس العام.
وقال "ينبغي أولا أن نتخلص من المفهوم الخاطئ الذي يشير إلى وجود انتخابات واحدة ونركز على نوعين منفصلين من الانتخابات. وأتوقع أن الانتخابات البرلمانية والرئاسية ستشهد نتائج مختلفة".
وأضاف "ربما يشهد النظام الرئاسي الذي جرى تقديمه على أنه خال من المشكلات وحل عاجل عمليات تزوير في أول انتخابات وفق هذا النظام، وسيكون لذلك عواقب خطيرة. وفي هذه الحالة، لا أكف عن التفكير بشأن احتمال حدوث كارثة 7 يونيو (2015) أخرى".
ويرى دغير منجيان أن حزب العدالة والتنمية الموجود في السلطة منذ 16 عاما لن "يتخلى بسهولة عن السلطة حتى رغم أنه يعاني من الإنهاك".
وقال "لا أعتقد أنهم سيعترفون بتعريفهم الخاص للديمقراطية".
وفيما يخص مسألة الوعود التي أعلنت حتى الآن خلال الحملة الانتخابية يقول دغير منجيان إن الرسالة هي "العودة بالبلد المنهك إلى 'الأيام القديمة السعيدة' ". 
وأضاف "بالطبع هذا ليس كافيا في حد ذاته. الوعود لن تعيد البلاد إلى وضعها الأصلي السابق"
وقال "هناك بعض القضايا الرئيسة التي طرأت على ذهني ومنها الديمقراطية، والتعدديه، وحماية البيئة، والموارد الطبيعية، وإعادة بناء ما قد دمر، وتنشيط هدف الانضمام للاتحاد الأوروبي، واستعادة العدالة، وتحقيق الفصل بين السلطات، 
وأشار أيضا إلى "تقوية الحكومات المحلية، والتأكيد على أهمية وضع المرأة في المجتمع، والتهوين من الأدوار التي يؤديها الرجال، والتأكيد على أهمية الفنون والفنانين والأعمال التاريخية، والتأكيد على التكوين النظامي والتركيز على أهمية الكيف وليس الكم، وتوفير التعليم باللغة الأم التي يتحدث بها الشعب التركي ومؤسساته، وانتخاب البطريرك، والكيانات القانونية وغيرها من المشكلات المشابهة".
قد تكون إلماس جيراجوس التي تخوض الانتخابات البرلمانية عن الحزب الصالح المنتمي ليمين الوسط هي أبرز مرشح غير متوقع من الأرمن.
لعبت جيراجوس في السابق دورا نشطا في منظمات تابعة لحزب الحركة القومية. وفي مقابلة لها مع صحيفة "أغوس" اليومية الأرمينية قالت جيراجوس "أذهب إلى الكنيسة وأعرف ربي وأؤيد حزب الحركة القومية". 
وقال دغير منجيان الذي يرى أن فرص جيراجوس في الفوز غير مؤكدة "أمر طيب بالطبع أن نرى مرشحين برلمانيين من مختلف قطاعات الشعب التركي. إن تمثيل الفصائل قليلة العدد أمر حيوي. وحسب علمي يوجد مرشحون أرمن في الانتخابات البرلمانية عن حزب الشعوب الديمقراطية وحزب العدالة والتنمية والحزب الصالح".
وقال دغير منجيان إنه رغم أداء سيلينا دوغان الجيد في آخر مشاركة لها كنائبة بالبرلمان إلا أنها لم تظهر في قوائم المرشحين هذا العام. 
وقال "بالطبع هذا محبط جدا بالنسبة لحزب (الشعب الجمهوري) يتطلع للحكومة.. ربما ضاقت ذرعا من استياء بعض المعارضين لها داخل الحزب لأنها نائبة أرمينية".
وعندما سئل عن النائب الأرميني ماركار أسيان مرشح حزب العدالة والتنمية فقال "إن لعب أرميني في فريق كرة قدم لا تشجعه فإن قلبك يميل إليه سواء قصدت أو لا... لكن عندما تكون القضية هنا هي الديمقراطية وحقوق الإنسان فالناس لا يمكن أن تتفاعل بنفس الطبيعة".
وأوضح "دع الحزب – الذي قلب النظام القضائي رأسا على عقب، الذي ملأ السجون بالصحفيين، الذي كمم حرية الصحافة، الذي دفن رأسه في الرمال عندما تحولت القضية إلى حقوق الإنسان، الذي استبعد البطريرك من الانتخابات وهو زعيم مجتمع يتألف من 70 ألف أرميني لا يزالون باقين في تركيا- دع هذا الحزب الموجود في السلطة أن يطرح عشرة مرشحين إذا أراد. ماذا سيكلفهم هذا؟ بالطبع قلوبنا ستكون في جانب الديمقراطية والحرية...".
وقال إن المرشح الرئاسي صلاح الدين دميرطاش ما زال في السجن انتظارا لمحاكمته وإنه لم يتمكن من تنظيم حملة انتخابية بشكل حر كغيره من المرشحين الرئاسيين.
وأوضح "حتى في هذه المرحلة لا يمكن لمعظم المرشحين البرلمانيين والرئاسيين التحضير للانتخابات بنفس الشروط كغيرهم من المرشحين". 
وتابع "الرئيس والحزب متورطون في إساءة استخدام الأجهزة الحكومية وقد قيدوا قدرة المجلس الأعلى للانتخابات على معاقبتهم بشأن التغييرات الأخيرة التي أجريت على قواعد الانتخابات الأمر الذي أوجد ظروفا غير متساوية لمرشحين آخرين وللصحافة".

سيفان دغير منجيان
سيفان دغير منجيان

يشعر دغير منجيان أيضا بقلق بشأن سلامة صناديق الاقتراع وقال "أعتقد أن مسألة أوراق الاقتراع غير المختومة في الاستفتاء الدستوري (العام الماضي) أو في إعادة الانتخابات في الأول من نوفمبر بعد انتخابات السابع من يونيو (2017) كافية لإلقاء ظلال من الشك على نتائج الانتخابات المقبلة.
"لا يوجد ما يدعو للاعتقاد في أن الانتخابات ستكون متساوية قبل النظر في تأمين صناديق الاقتراع. ماذا يمكن أن يحدث يوم الانتخابات؟ هل من الممكن تأجيل الجولة الثانية (للتصويت) أو الحكم بإلغائها نتيجة حرب سياسية محتملة في عملية قنديل التي يجري الحديث عنها اليوم؟ أعتقد أننا سنرى النتيجة معا".
وقال هراش أرسلانيان الذي يعمل صائغا منذ فترة طويلة في منطقة جراند بازار إن وعود الحكومة والرئيس الحالي "كان ينبغي إنجازها في ظل الحكومة القائمة منذ 16 عاما. كان ينبغي إنجاز بعض الأمور منذ تأسيس الجمهورية الشابة ومنها على سبيل المثال استعادة السلام الاجتماعي ورفع الحالة المعنوية".

نارود أفجي
نارود أفجي

قال أرسلانيان، الذي يرى أن الصلاحيات التنفيذية للرئيس قوية حتى قبل التعديلات الدستورية، إن "المعارضة خاصة الصحافة تبدو وكأن أياديها مغلولة".
وأكبر ما يثير قلق أرسلانيان عضو غرفة اسطنبول للمجوهرات هو نقل صناديق الاقتراع وصحة المظاريف الانتخابية غير المختومة التي كانت قضية شائكة في الاستفتاء الدستوري العام الماضي.  
وفي معرض الحديث عن نزاهة الانتخابات، أشار أرسلانيان إلى انقطاع الكهرباء على مستوى البلاد خلال فرز الأصوات في الانتخابات المحلية عام 2014. وألقى مسؤولون باللوم في انقطاع الكهرباء على سقوط قطة في محول كهربائي.
وقال أرسلانيان "لقد مضى وقت إلقاء اللوم على قطة المحول الكهربي لكنني في بلد مبدع وآمل مع ذلك أن نرى انتخابات نزيهة".
وشددت نارود أفجي التي أكملت دراسة الماجستير في التاريخ بجامعة بيلجي في إسطنبول على أهمية حصول حزب الشعوب الديمقراطي على نسبة العشرة بالمئة في الانتخابات البرلمانية اللازمة لدخول البرلمان.
وقالت "أعتقد أن كثيرا من الأمور ستتغير اعتمادا على مسألة الحد الأدنى لدخول البرلمان – وإن لم يتمكنوا (حزب الشعوب) من الوصول لهذه العتبة فسيذهب ما بين 9 و 12 في المئة من التأييد الذي سيحظى به الحزب إلى (طرف آخر)."
وأضافت "إذا تمكنوا من الوصول لهذه العتبة فسيكون من الممكن إذن تمثيل المزيد من الناس في البرلمان (وليس فقط ناخبي حزب الشعوب الديمقراطي)".
وتؤيد أفجي التوقعات التي تقول إن الرئيس أردوغان سيواجه محرم إينجه مرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض في جولة فاصلة على منصب الرئيس.
وبالعودة بالذاكرة إلى النتائج المثيرة للجدل لاستفتاء أبريل 2017، عبرت أفجي أيضا عن شكوكها بشأن نزاهة الانتخابات المقبلة وعن أن شيئا ما مشابها قد يحدث.
وقالت أفجي إن أسلوب حديث الأحزاب مهم بقدر أهمية الوعود الانتخابية. 
وقالت "الوعود مهمة بالطبع لكن الأهم بالنسبة لي هو اللغة التي يستخدمها السياسيون عندما يعلنون هذه الوعود. والوعود غير كافية لأن لدينا عددا كبيرا للغاية من القضايا التي تحتاج لتحسن".
وأوضحت أنه توجد مشكلات كثيرة للغاية منها البيئة، وحقوق المرأة، وحقوق المثليين وثنائيي الجنس والمتحولين جنسيا، ومقتل العمال "لدرجة أنه إذا صدر وعد بإصلاح هذه المشكلات فإن العمل السابق المبذول من قبل الحزب يحدد صدق الوعود بالنسبة لي".

عطا أوغلو
سيفان عطا أوغلو

ومضت أفجي تؤكد أهمية المرشحين الأرمن المنضوين تحت الأحزاب الثلاثة لكنها أضافت أنه ينبغي أيضا للأحزاب أن تطرح مرشحين من أقليات أخرى وليس الأرمن فقط.
وقالت "تمثيل اليمين مهم جدا بالطبع وإن تصدى النواب وعملوا على حل المشكلات التي يعجز الناس عن إيصالها إلى البرلمان فإن ترشيح عدد كبير من مختلف الأحزاب سيعود بالفائدة".
وأضافت "أعتقد أن من المهم جدا للأرمن واليهود واليونانيين والآشوريين والكلدانيين المشاركة في البرلمان وأن يتم الحديث عن المشكلات المرتبطة بالأقليات غير المسلمة سواء في البرلمان أو داخل الأحزاب".
سيفان عطا أوغلو، وهو محرر معروف لدى الأرمن في تركيا، طرح توقعاته الخاصة بشأن الانتخابات المقبلة خاصة تحالف "الشعب" الذي يضم حزب العدالة والتنمية الحاكم وحزب الحركة القومية اليميني.
وقال عطا أوغلو "إن لم يحدث تلاعب سياسي أو اقتصادي في الأيام الخمسة عشر السابقة للانتخابات فأعتقد أن الانتخابات الرئاسية ستذهب إلى جولة ثانية فاصلة وأن حزب الشعوب الديمقراطي سيتخطى حاجز العشرة بالمئة وأن ينهار تحالف الشعب".
وفي معرض تعليقه على صلاح الدين دميرطاش، قال عطا أوغلو إنه يعتقد أن منع مرشح رئاسي من القيام بحملة انتخابية انتهاك للحقوق.
وقال "بناء على ما رأيت في انتخابات سابقة، أعتقد أن الانتخابات المقبلة لن تكون نزيهة".


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: