الأرمن والإضطهاد بين الواقع والخيال المسرحي

الصرخة التي دوّت في ساحة القرية كانت إلى هذا الحد مؤلمة لدرجة أن الأهالي ظنوا يقينًا أن أحد الأطفال الصغار الذين يلعبون حول عين الماء قد سقط في البئر. 
وعلى إثر ذلك خرجت جماعة من الناس من القهوة في طريقهم لاستكشاف الأمر، وقبل تمكنهم من ذلك جاءت الصرخة الثانية التي أطلقتها السيدة "حافظ نينه" وهي تقول "ها هم قادمون، لوذوا بالفرار. الأرمن وصلوا القرية..".
وقبل أن ينتهي صدى الصوت جاء وغد متوحش من الأرمن يرتدي زيًا أبيضًا، رث الهيئة والمنظر، وغرس حربة بندقيته في بطن السيدة "حافظ نينه" المسنة التي ما لبث أن تكومت على الأرض من وقع الضربة الشديدة.
الكلمات التي خرجت من بين شفتي المرأة المسكينة قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة، لم تمنع ذلك المتوحش من تسديد عدة ضربات لها مرة أخرى، إذا قالت آنذاك: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله".
وبينما كانت تتوالى الضربات والطعنات على جسد السيدة التي فارقت الحياة، كان هذا الرجل المتوحش يطلق الضحكات بصوت عالٍ يدوي في كافة الأرجاء وهو يقول لرفاقه "إضربوا، واقتلوا لا تتروكا أحدًا سليما، اهجموا على المسلمين، واحرقوا المساجد بسرعة، هيا بسرعة أقول لكم.."
وفي تلك الأثناء فإن بعض أفراد العصابة ممن تلقوا التعليمات بالهجوم، قاموا بقتل إمام  البلدة وذلك أمام باب المسجد، ليقوم آخرون بإشعال النيران في المسجد، لتصل ألسنة اللهب من فورها إلى المنارة.
وكان هناك سيدة حامل مقتولة ترقد بمكان قريب من جثمان إمام المسجد، ومقتلها لم يمنع أحد أفراد العصابة من ركل بطنها بقدميه.
وفي تلك الأثناء دوى في المكان وبشكل مفاجئ صوت هائل أثناء ذلك المشهد التمثيلي كان كفيلًا بإيقاف الجميع ممكن كانوا يهرولون هنا وهناك داخل ساحة القرية.  وركز الجميع على قروي من الأرمن.
لقد كان الصوت الصادر صوت سلاح حقيقي دوى داخل المشهد التمثيلي المذكور أعلاه، والذي تم تجسيده في ولاية أرضروم بمناسبة الاحتفال بالذكرى السنوية لحرب الاستقلال التي تصادف الـ29 من شهر أكتوبر من كل عام.
وبعد صدور هذا الصوت رفعت السيدة "حافظ نينه" رأسها قليلًا من على الأرض حيث كانت ملقاة باعتبارها مقتولة داخل المشهد التمثيلي. أما نامق الذي كان يجسد دور الإمام المقتول، وبكر الذي جسد دور المرأة الحامل، فقد نهضا من على الأرض، وهرولا إلى مصدر صوت السلاح حتى وصلا إلى "القاتل المتوحش ذي الزي الأبيض" الذي كان يتلوى من شدة الألم. وبمجرد رؤيته لهما قال لهما: "يا الله لقد أُصبت بسوءٍ أخي نامق".
وعلى إثر ذلك رفع الإمام يديه إلى أعلى وبدأ في الصراخ وهو في شدة الغضب، وقال:
"توقفوا، توقفوا. لقد أصابت رصاصة حقيقة جثمان شرف(الذي جسد دور الشخص الأرمني في المشهد التمثيلي). فلتستدعوا الطبيب محيي الدين، ولتتوقفوا عن التمثيل، ما بالكم تواصلون العمل رغم ما أقول !".
وعلى الفور قامت سيارة الإسعاف التي كانت تقف على مقربة من المكان، بالتوجه مباشرة صوب شرف. وكانت هناك دماء كثيرة على الأرض. وبصعوبة بالغة تم حمل شرف على نقالة سيارة الإسعاف، وقام بحمله عليها كل من نامق الذي جسد دور الإمام، وسليمان الذي جسد دور، حافظ نينه، وبكر الذي جسد دور السدة الحامل، وصاتيلمش الذي جسد دور الأرمني الذي حرق الجامع. 
وصباح اليوم التالي كتبت صحيفة "حرييت" عن الواقعة في صفحتها الأولى، ومن بين ما كتبته حول الحادث:
"شهدت إحدى الاحتفالات بذكرى حرب الاستقلال في ولاية أرضروم حادثًا غريبًا، إذ أنه وأثناء عرض تمثيلي يحاكي أحداثًا وقعت إبان حرب الاستقلال، تأثر أحد المتفرجين وهو محارب قديم، ووضع على إثر ذلك رصاصًا حقيقًا في بندقيته، وأطلق النيران من مقعده على أحد ممثلي العمل المسرحي. وبعد أخذ أقوال هذا المحارب الذي يبلغ من العمر 75 عامًا، تم إطلاق سراحه  على الفور".
ومنذ ذلك اليوم المشؤوم، وأمور شرف لم تسر بالشكل الذي يريد. فهو يعمل في البلدية كعامل على مدار 18 عامًا، وإن كانت مهنته هذه تبدو مهنة لها اعتبارها في منطقة "أشقاله" التابعة لولاية أرضروم، إلا أن ذلك لم يشفع له في الزواج بالفتاة التي أحبها. لأن والدها رفض بشدة أن يزوجها له. 
حتى أن هناك من يقول إن والد الفتاة كان في بعض الأوقات يقول لأقاربه "ليس عندي فتاة لأزوجها لكافر(في إشارة لشرف على اعتبار أنه كان يجسد أدوار الأرمن في المسرحيات المذكورة)". كان يقول ذلك رغم أن ابنته كانت الفتاة الوحيدة في البلدة التي اقتربت من سن الأربعين ولا تزال بكرًا.
ونظرًا لأن شرف كانت لديه إعاقة في قدمه اليسرى، فكان ذلك سببًا في إطلاق العديد من الألقاب عليه بين مرتادي مقهى البلدة. كما أنه دأب طيلة 18 عامًا على تجسيد شخصية المواطن الأرمني في الاحتفالات السنوية للمدينة التي تقام بمناسبة الذكرى السنوية لحرب الاستقلال. دأب على تمثيل ذلك الدور وأجاده لدرجة أنه أطلق عليه لقب "شرف الكافر". والآن يطلق عليه الأهالي العديد من الألقاب الأخرى مثل "تيمور الأعرج"، و"المحارب الأرمني".
وذات مرة كان هناك مراهقون في القهوة، اقتفوا أثره وأخذوا يتهجمون عليه وهم يقولون "إضرابوا هذا الفاسق"؛ الأمر الذي أحدث جلبة كبيرة في المكان. وعقب هذا الحادث قال صاحب المقهي للمسكين "إياك أن تأتي إلى هنا مرة ثانية. فكلما أتيت كلما وقع شجار أو شيء من هذا القبيل".
ورغم كل هذه المصائب التي تحل برأس شرف، إلا أنه حينما كان يأتي موعد الاحتفالات السنوية بذكرى حرب الاستقلال، كان لا يضيع فرصة تجسيد "الأرمني السيء" ببراعة فائقة. وجدير بالذكر أنه كان قد درس ثلاث سنوات في المرحلة الابتدائية، وخلال أول سنتين منها كان من الأطفال الواعدين في التمثيل، حيث أدى أدوارًا في مسرحيات عدة تم عرضها بالمدرسة. وبينما كان سيؤدي دور البطولة في السنة الثالثة، أخرجه والده من المدرسة دون سابق إنذار.
ولعل أداء دور الأرمني كانت براعة متأصلة في شرف لا يمكن أن يثنيه عنها أي شيء في المجتمع الذي كان ينظر إليه نظرة مختلفة لتجسيده أدوار الأعداء. وما حل بشرف من مصائب أدى إلى حدوث مشكلات وأزمات بين العاملين الآخرين في البلدية التي يعمل بها. إذ أن عمال البلدية كانوا هم من يأخذون على عاتقهم أداء دور الأرمن في الأعمال المسرحية، عند كان يرفض أهالي البلدة أداء تلك الأدوار.
ونظرًا لقلة موارد الإنتاج فإن الزي الأبيض الذي يرتديه عمال البلدية عادة في أيام الشتاء الحالكة أثناء عملهم، كان هو الزي المعتمد لعصابات الأرمن في الأعمال المسرحية. ومن ثم فإن العمال حينما كانوا يتجولون في الشوارع وهم يرتدون ذلك الزي في فصل الشتاء كانوا يتعرضون لكميات كبيرة لا نهاية لها من السباب من قبل الأهالي، وكان هذا الأمر لا يحدث في فصل الصيف لأنهم كانوا لا يرتدون تلك الأزياء صيفًا. وفي نهاية المطاف، وبسبب هذه المتاعب أعلن الجميع ومن بينهم شرف عدم رغبتهم في أداء أدوار الأرمن في الحفلات.
وفي يوم من الأيام كان يتعين على رئيس البلدية البحث عن طريقة للحصول على من يرغبون في أداء تلك الأدوار. وبالفعل هداه تفكيره إلى استخدام مكبرات الصوت بالجامع ليقول لأهالي المنطقة إن البلدية قررت تخصيص 75 ليرة لكل شخص يرغب في تجسيد دور الأرمن بالمسرحيات الاحتفالية.
وفي تلك الليلة التي تم الإعلان فيها عن هذا الأمر، لم يخرج من المنازل سوى عدد قليل من الناس ليلًا. كما أن أضواء المنازل ظلت مشتعلة حتى أوقاتٍ متأخرة من الليل.  كما كانت هناك أحاديث خافتة تتردد في كافة المنازل والبنايات، ظلت متواصلة طيلة الليل.
وبعد صلاة الفجر شوهد زحام غير معتاد أمام مقر البلدية. وبحسب شهود عيانٍ فقد احتشد أكثر من ألفي وخمسمائة شخص عند باب البلدية في صفوف ليكونوا "أرمن". بل وبلغ الأمر إلى وقوع مصادمات بين هؤلاء الأشخاص على أسبقية وأحقية الدور في الصفوف. 
شرف الكافر، لم يسامح رئيس البلدية الذي خصص 75 ليرة لأداء دور الأرمن كثمن لكافة المتاعب التي تعرض لها طيلة 18 عامًا بالتمام والكمال.
والشاهد من هذا الكلام أن ذلك التجمع الذي احتشد فيه قبل أيام آلاف الناس لإحياء الذكرى السنوية لمقتل الصحفي الأرمني، هرانت دينك، وترديدهم عبارة "كلنا أرمن"، لم يكن هو التجمع الأول من نوعه على هذه الأراضي التركية. إذ سبقه في ذلك كما أوضحنا تجمع الناس أمام البلدية في أرضروم ليكونوا أرمن. ويعرف هذا جيدًا أهالي أرضروم الذين عجزوا عن تقدير قيمة المواطن شرف.
لقراءة المقال باللغة التركية على هذا الرابط

https://ahvalnews.com/tr/ermeniler/gavur-seref
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.