ديسمبر 15 2018

الأزمة الاقتصادية تصيب قطاع العقارات في تركيا بالشلل

تعاني منطقة فيكير تبه في إسطنبول، التي جرى الترويج لها، باعتبارها نموذجاً للتحوُّل الحضاري، أزمة حادة في الوقت الراهن، على إثر ارتفاع نسبة الفوائد على القروض، وارتفاع تكاليف الحفر، وإنشاء الوحدات السكنية؛ مما أدى إلى توقف الكثير من المشروعات في قطاع العقارات هناك.

وصل الحال ببعض الشركات هناك إلى إعلان إفلاسها، وبدأ البعض الآخر يتخلف عن سداد الإيجار للمواطنين، الذين هُدِّمت بيوتهم من أجل تنفيذ المشروع المزعوم. ومن ناحية أخرى، وقع على المواطنين ظلم شديد بعد أن صاروا ملزمين بسداد إيجار المنازل التي انتقلوا إليها، في الوقت الذي لم يتمكنوا فيه من تحصيل إيجار منازلهم من هذه الشركات. توجهنا نحن بدورنا إلى فيكير تبه للوقوف على حقيقة الوضع هناك.

تقع فيكير تبه على حدود منطقة قاضي كوي بإسطنبول، وتتميز بموقعها المركزي؛ لقربها من البحر من ناحية، ولأماكن حيوية مثل أوسكودار من ناحية أخرى. يقوم الكثير من السكان هناك بتأجير منازلهم لطلاب الجامعات؛ لذلك نلاحظ الكثير من لافتات الإيجار في كافة أرجاء المكان هناك. وعندما أصدرت الحكومة الحالية قرار التحول الحضاري لهذه المنطقة، شعر المواطنون في بداية الأمر بسعادة غامرة، ولقي الأمر لديهم قبولاً حسناً.  

بدأ المقاولون على الفور في شراء المنازل والأراضي من سكان فيكير تبه، في مقابل منحهم وحدات سكنية أو محلات، ووعدوهم، بالإضافة إلى هذا، بالحصول على إيجارات طوال فترة إقامة المباني. حاول العديد من المقاولين وشركات الإنشاء إقناع المواطنين في شوارع فيكير تبه، بشتى السبل، بترك منازلهم وأراضيهم من أجل هذا المشروع. ولكن اندس بين هؤلاء عدد آخر من الانتهازيين، الذين أخذوا يطاردون السكان؛ ليشتروا منهم الأراضي والمنازل الموجودة في نطاق مشروع التحول الحضاري؛ ليقوموا بعد ذلك ببيعها بأثمان مرتفعة بعد ذلك. 

تحدثنا حول هذا الموضوع مع رئيس جمعية "فيكير تبه ودوملو بينار للتعليم وشؤون أحياء مرديفانكوي" السيد أرجومانت أوروج الذي قال: 

"قامت البلدية بتقسيم فيكير تبه إلى جزر منفصلة عن بعضها البعض؛ بلغ عددها 61 جزيرة؛ بلغت مساحة أصغرها 4 دُونمات "الدُونم هو وحدة قياس الأراضي الزراعية  في تركيا، ويعادل 1000 متر تقريباً)، وبلغت مساحة أكبرها 35 دُونم. بدأت أولى أعمال الحفر في منطقة فيكير تبه في عام 2011. وعلى الرغم من إلحاح المقاولين وممثلي الشركات على السكان، إلا أنهم لم يتمكنوا من الحصول على توقيعات جميع ساكني هذه المنطقة.

رفض بعض السكان تماماً أن يبيعوا مساكنهم؛ فقامت البلدية بإحالة أمر هؤلاء إلى وزارة البيئة وتخطيط المدن، التي قامت بدورها باستصدار القانون رقم 6306 بشأن إحلال المباني المُعرضة للمخاطر والكوارث الطبيعية. واعتُبِر المواطنون الذين رفضوا التوقيع على بيع مساكنهم، وفق هذا القانون، أناساً انتهازيين يقفون ضد المصلحة العامة.

مارست الدولة ضغوطاً شديدة على هؤلاء المواطنين من قبيل أنها ستلجأ إلى مصادرة هذه المساكن إذا لم يوقعوا. وبهذا الشكل قاموا بهدم ما يقارب  نصف هذه الوحدات السكنية، ولكن مع تردي الوضع الاقتصادي تراجعت نسبة مبيعات هذه الوحدات". 

تأثر المقاولون وأصحاب الشركات كثيراً بالوضع الاقتصادي الصعب في تركيا؛ فبدأ بعض منهم يتخلف عن سداد الإيجار للمواطنين، وتقدمت أعداد أخرى من الشركات بالتماس للحيلولة دون إعلان إفلاسها. يقول أوروج إن قطاع الإنشاءات كان من أكثر القطاعات التي تأثرت بالأزمة الاقتصادية، أو على حد قوله "يتبوأ قطاع الإنشاءات في تركيا قمة القطاعات ربحيةً في الدولة. ولكن لا بد للشركات حتى تتحقق الفائدة أن تبيع الوحدات التي قامت بتشييدها، فإذا لم تفلح في ذلك فلا طائل من وراء عملها. وهذا ما حدث، على وجه التحديد، عندما ألمت بتركيا الأزمة الاقتصادية الراهنة؛ إذ لم تستطع الشركات بيع هذه الوحدات، بعد كل ما تكبدته في مراحل التشييد، وهو ما جعل شركات التشييد والبناء نادمة عن الدخول في بعض المشروعات، وعلى رأسها مشروع فيكير تبه. ووصل الحال ببعض هذه الشركات أنها لم تعد تريد ربحاً؛ بل فقط تريد من يأتي ويشتري هذه الوحدات السكنية؛ لإنقاذ وضعها المالي. وهو ما دفع المقاولين الآخرين إلى التلكؤ في إتمام الوحدات التي حصلوا عليها في هذا المشروع".

أعلنت شركات تركية إفلاسها

يقول أوروج إن هناك مجموعة من الشركات مثل شركة إيماي للإنشاءات، وشركة نوح أوغلو للإنشاءات، وشركة جيلان للإنشاءات، أعلنت إفلاسها تأثراً بالأزمة الاقتصادية. أما الشركات الأخرى، فهي تكافح حتى لا تتعرض لنفس المصير. وقد لاحظتُ بنفسي حجم الأعمال المتوقفة بنطاق المشروع أثناء تجولي في فيكير تبه.   

ولم يختلف الحال كثيراً بالنسبة للشركات الأجنبية؛ إذ أوقفت، هي الأخرى، عملها، أو على حد قول أوروج "جاء إلى المكان أحد أفراد عائلة أمير قطر. ودخل في شراكة مع إحدى الشركات العاملة في المشروع، ولكنه توقف، هو الآخر، عن مواصلة العمل. لا أعرف السبب؛ فارتفاع الدولار يصب في مصلحة رجل الأعمال القطري؛ لأن أمواله عبارة عن دولارات. المشكلة في الليرة التركية وليست في الدولار".

يرى أوروج أنه من الضروري أن تقوم الدولة بإنشاء محاكم تختص بمسألة التحول الحضاري هذه، وأن تضطلع هذه المحاكم بدور فاعل في تنظيم العلاقة بين المواطن والشركة، وتقف حائلاً أمام وقوع أية مخالفات أو محاولات للاحتيال على المواطنين".

يلخص أوروج السبيل لتحقيق هذا الأمر على النحو التالي:

"هل تمتلك كل الشركات العاملة في هذا المجال شهادة كفاءة تؤهلها لمزاولة هذه المهنة؟ لا بد للدولة أيضاً أن تتحرى عن الوضع المالي لمثل هذه الشركات، وأن تتخذ كافة التدابير اللازمة لمنع حدوث أية محاولة للاحتيال على المواطنين. من هنا يتعين عليها أن تنشئ محاكم تختص بالتحول الحضاري، أسوة بمحاكم العمل. آن الأوان أن تُظهر الدولة بعضاً من الاهتمام بالمواطن. أنت الآن وقَّعت طواعية، وتركت أرضك. لديك مائة متر مربع، وتطمح في شقة مساحتها 250 متر مربع. هذه هي النسبة التي تمنحها الدولة. وخلف هذا كله يوجد مقاول يمكنه أن يأتي في نهاية العمل، ويقول لك "خفضنا المساحة المخصصة لك"؛ لقد أصبحت 150 متراً فقط. من سيتصدى له في هذه الحالة؟  المواطن يقول للمقاول في بادئ الأمر "أعطني مُخطط المشروع لأطلعه على أحد المعماريين المتخصصين ليخبرني عن رأيه"، ولكن المقاول يرفض هذا الطلب. لا بد أن تضرب الدولة على يد هؤلاء".

يحدثنا أوروج أيضاً عن ارتفاع نسبة الفائدة التي تحصلها البنوك على القروض، ويقول:

"ليس أمام أصحاب الشركات حل آخر سوى بيع الوحدات السكنية الموجودة في المباني التي شيدتها؛ حتى تعطي المواطنين أموالهم، ولكنها لم تجد المشتري. كان المواطنون يلجأون إلى الاقتراض من البنوك لشراء وحدات سكنية. أما الآن، وقد ارتفعت نسبة الفائدة على القروض، بشكل كبير للغاية، فقد تغير الوضع. أصبح هناك مقاولون ممن تحدثت عنهم، وهم من خارج فيكير تبه، يقولون 'لماذا أعمل في تشييد المباني؟ لو أنني استثمرت نقودي في مجال آخر مقابل الحصول على فائدة مرتفعة لكان أفضل بالنسبة إلي'"

أضف إلى هذا أن التركيبة الديموغرافية في فيكير تبه قد اختلت أيضاً؛ لأن سكان المكان الأصليين من الأتراك هجروا مساكنهم وأراضيهم، وحل محلهم سكان جُدد من بلدان مثل أفغانستان وأوزباكستان. 

حدَّثنا رئيس جمعية التحول الحضاري في فيكير تبه ياسين بيكتاش عن الظلم الذي تعرض له سكان هذه المنطقة بقوله "انتهوا من 22 جزيرة من أصل 61 جزيرة في المكان، ولا يزال العمل مستمراً في أربع جزر أخرى؛ تركت شركتان العمل فيها بالفعل، وتواجه الشركتان الآخريان مصاعب كبيرة في تنفيذ عملها. أما الجزر المتبقية، فلم تبدأ أي من الشركات عملها في أي منها إلى الآن. لقد تعرَّض المواطنون لظلم كبير، وقد قمنا بكثير من الفعاليات للحديث عن هذا الظلم. توقفت الشركات عن سداد الإيجار لخمسة آلاف مواطن، بالإضافة إلى ما يقرب من 20 ألفاً آخرين لهم وحدات سكنية في فيكير تبه، ولكنهم تركوها؛ أي أنها صارت عرضة للانهيار. أضف إلى هذا أن الحالة الصحية للمواطنين في فيكير تبه بدأت تتأثر، هي الأخرى، بعد أن تحولت المنطقة كلها إلى موقع بناء ضخم".

تحدث إلينا كذلك أحد البقالين، ويدعى ذهني، عما تعرَّض له المواطنون من ظلم، قائلاً:

"هجر السكان المكان، ولم أعد أبيع بضاعتي، لذا أتعرض كل شهر لخسائر فادحة. أخرجوا المواطنين من بيوتهم، وتركوها خاوية على عروشها، وها هم يماطلون منذ خمس سنوات. من ناحية أخرى، قامت بعض الشركات ببيع وحداتها السكنية الموجودة في مكان آخر، وأعلنت إفلاسها. أصدقك القول؛ الجميع في فيكير تبه يتعرض للظلم". 

رئيس جمعية التحول الحضاري في فيكير تبه

أما يوسف غوبول، ويعمل سمساراً للعقارات، فتحدث عن حالة الركود التي سادت سوق العقارات بقوله:

"لم تستطع أي من الشركات بيع أية وحدات سكنية، كما ارتفعت نسبة الفائدة بمقدار الضعف تقريباً. وصل سعر قطعة الأرض قبل ثلاث سنوات 11 ألف ليرة، أما الآن فسعرها لا يتعدى 6 آلاف، ولا يوجد مشتري. تحولت فيكير تبه إلى ما يشبه مقبرة كبيرة من المباني المهجورة. لقد اعتاد الفقير في هذا البلد على هذه المعاناة، وفيكير تبه مجرد مثال على هذا. نحن نتعرض للظلم يا أخي".

يوسف غوبول

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/kentsel-donusum/kriz-fikirtepeyi-felc-etti&nbsp
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.