يناير 19 2019

الأزمة الاقتصادية تلقي بظلالها على قطّاع الأعمال المكتبية

يقول أجدادنا إن "النسيان آفة الذاكرة البشرية"، أي أن "ذاكرة الإنسان مبتلاة بالنسيان!". هذا القول المأثور التركي المعبر، قد استكمله اللاتينيون بقولهم "يطير الكلام وتبقى الكتابة".

والمعلومة القاطعة المتاحة لدينا الآن بخصوص جذور الكتابة تقول "إن أقدم النماذج المكتوبة ترجع إلى عهد السومريين في بلاد الرافدين، إبان الألفية الرابعة قبل الميلاد. وفي عام 1984 تم العثور على لوحين طينيين كانت توجد عليهما، إلى جانب الكتابة، رسومات يعتقد أنها لماعز أو خراف. وبحسب ما استنتجه علماء الآثار من اللوحتين، كان مكتوبًا عليهما "يوجد هنا 10 من الماعز (أو الخراف)".

والكتابة استطاعت أن تنقل لنا وجودها، وتُبْقي عليه حتى يومنا الحاضر، من خلال الرموز (الحروف) واللغات المتعددة. وكان من الواضح أن الكتابة تمتلك خصوصية تتشكل بشخصية الإنسان، إلى جانب كونها شكلًا من أشكال الرموز الاجتماعية. والنصيب الأكبر في هذا كان لوسيلة الكتابة وطريقة استخدامها.

والكتابات الأولى، وإن كنا نطلق عليها اسم "الكتابات المسمارية"، فإننا نعرف أنها في حقيقة الأمر لم تكتب بمسمار، وإنما كتبت بأقلام مصنوعة من نبات القصب (الغاب) بعد تسوية حافته وجعلها مدببة..

عشق القلم

وباكتشاف الإنسان للطبيعة، فإن مغامرة الكتابة شهدت نوعًا من التطور. ولعل استخدام الإنسان لريش الطير في الكتابة، بدلًا من القصب، كان له دور بالغ في تسهيل عملية الكتابة وذيوعها. وتبع ذلك الاستخدام، اختراع الصينيين للحبر في منتصف الألفية الثالثة قبل الميلاد. وبعد اللوحات الطينية بدأت عمليات الكتابة تتطور لتشمل كذلك جلود الحيوانات، ومن بعدها جاءت اختراعات أخرى كانت سببًا في إعطاء وجهة جديدة للكتابة، ومنها أوراق البردي التي تم اكتشافها عام 2000 قبل الميلاد.

ونحن مدينون للغرب، وللتطورات التي حدثت خلال العصور الوسطى، وإبان الثورة الصناعية، لما نتج عنها من ظهور الأقلام الرصاص والجافة وأقلام الحبر، التي باتت جميعها لا غنى عنها في وقتنا الحالي.

وفي خمسينيات القرن الثاني عشر الميلادي، كان الجرافيت يستخدم من أجل تمييز النعاج في بريطانيا، بواسطة رسم بعض العلامات عليها، لكن في عام 1795م تمكن "الكونت نيكولاس جاك" أحد جنود نابليون بونابرت، من خلط مسحوق الجرافيت بالطمي، وتشكيل أعواد تُحرق داخل فرن حراري، تختلف صلابة الأعواد تبعاً لتنوع نسب خلط الجرافيت بالطمي، ونتج عن ذلك ظهور القلم الرصاص الذي نستخدمه اليوم.

وفي العام 1884، وبعد انزعاجه من الأقلام الصلبة التي كان يسيل منها الحبر باستمرار، نجح لويس إديسون ووترمان، من اختراع قلم جديد لديه القدرة على التحكم في حركة الحبر وتدفقه، ليعتبر هو بذلك مخترع قلم الحبر السائل. وبفضل اختراعه هذا عاش اسم هذا الرجل من خلال الماركة المشهورة عالميًا، والتي تحمل اسم "ووترمان".

وفي عام 1938 اخترع المجري لاديسلاو جوزيف بيرو القلم الجاف، وينسب له أيضًا إيجاد القلم من ماركة "Bic"

مغامرة الكتابة شهدت نوعًا من التطور

وبنمو ذلك القطاع، الذي نسميه حاليًا بـ"قطاع الأدوات المكتبية"، وتطوره، زاد واستمر ارتباطنا بالكتابة والرسم، وكذلك بالقلم. حسنًا، كيف لهذا الارتباط أن يشكل شخصيتنا؟

السؤال المذكور أعلاه دار بخلد الكاتب والناقد التركي، فريدون آنداتش؛ فأخذ يبحث له عن إجابة في كتابه المعنون بـ"كتاب القلم" الذي أعده للنشر. ومن قَبْل، حرص هذا الكاتب المعروف عنه عشقه للقلم، على الإجابة عن هذا السؤال بنفسه، وذلك على النحو التالي:

"على ما أعتقد، إن القلم والكتابة أفضل عنصرين يمكنهما التعبير عن شخصية الإنسان. وأنا أيضًا أؤمن بنداء القلم واستدعائه. نعم فهو بإمكانه أن يعطيكم شعورًا بالتملك. لكنه أيضًا يحمل مسؤولية ورعاية وعناية، ويجعل منكم أناسًا متميزين. فإذا كانت لديكم أقلام فعليكم الاعتناء بها وحمايتها؛ إذ إنها كفيلة بتذكيركم بكثير من الأشياء.وأقلامي بالنسبة لي أشبه ما يكون برفقاء الدرب، كما أن القلم يطور من ملكة الفكر عند الإنسان؛ إذ إن المرء سرعان ما يقيم علاقة ذهنية مع القلم بمجرد أن يمسكه بأنامله. ولا ينبغي الاستغراب حيال ذلك. كما أن هذه العلاقة التي تتم إقامتها تكون ذات صلة بشخصية من يمسك بالقلم." 

القلم والكتابة أفضل عنصرين يمكنهما التعبير عن شخصية الإنسان

وعندما يكون هذا هو الحال، يخرج القلم من مجرد كونه وسيلة للكتابة، ويتحول إلى كائن تقام معه علاقة عاطفية، ويتكامل مع الإنسان. وهذا الكلام يتفق معه الكاتب آنداتش الذي عقب عليه قائلًا "نعم بكل تأكيد"، وتابع قائلًا "لقد بات القلم لا يبارحني، وأصبح وكأنه قطعة مني. وفي الحقيقة، أنا لا أحمل قلمًا واحدًا في معظم الأحيان، كما أنني لا أنظر لتشكيلة الأقلام المختارة الموجودة معي، على أنها ضرب من الزينة، بل تراني أكتب بمعظمها بشكل متناوب، لكن بالتأكيد هناك أقلام بينها لم أكتب بها، كما أن هناك أقلامًا لدي لها ذكريات عندي، وأخرى أحببتها على اعتبار أنها مجرد أشياء. وأحيانًا أحملها في مقلمتي التي لا تفارق حقيبتي. وبعض الأقلام الحبر التي أستخدمها بكثافة، يكون معي منها نسختان؛ خشية أن أبقى بدونها إذا حل بأحدها خطب ما. وهذا يعتبر بالنسبة لي، رباطًا عاطفيًا. ولقد أقنعت نفسي بقدرتي على الكتابة الجيدة بواسطة هذه الأقلام. والأكثر من ذلك أريد أن أقول "إن هذه الأقلام نجحت في فعل هذا، وأؤمن كذلك بطواعية القلم لليد، وملاءمته للورق". 

القلم يتكامل مع الإنسان

وعائدية الأقلام للإنسان، تجعل منها أشياءً خالدة، غير أن ما يجعل هذه العائدية أمرًا خاصًا، هو وجود أثر تمت كتابته بتلك الأقلام. وفريدون آنداتش، أديب كتب عدة مؤلفات بالقلم، كرواية "الصيف الأخير في الينبوع الحار"، التي انتهى من كتابتها في هذه الأيام، ويستعد لإعدادها للنشر. وكتب هذه الرواية بيده في 21 دفترًا. ولقد كان للقلم مكانة خاصة لدى هذا الكاتب التركي، يعبر عنها بنفسه بتلك المفردات: "هو آلتي الموسيقية الرئيسة؛ لدرجة أنني أختار الورق الذي سأكتب عليه، كما أختار الدفتر والحبر وفقًا للقلم الذي سأمسكه؛ فالقلم بالنسبة لي النداء الذي ألبيه باستمرار. ويمكنني القول إنه لا يوجد يوم لم أكتب فيه. وإذا استرحت من الكتابة يومًا ما تراني أخط بالقلم رسمًا".

وهناك العديد من الكتاب، مثل آنداتش، قد عارضوا اختراعات الآلة الكاتبة وأجهزة الكمبيوتر، التي قطعت تلك العلاقة، التي كانت تربط بين الإنسان والقلم، رغم أنها سهلت مسألة الكتابة. وأول تلك الأسماء التي تتبادر إلى أذهاننا في هذه النقطة هو الكاتب أورهان باموك الحاصل على جائزة نوبل في الآداب؛ فهو أيضًا يكتب مؤلفاته بخط يده، وبالقلم الحبر. وثمة مقولة له، يوضح لنا من خلالها عشقه للقلم، يقول فيها "أنا أحتفظ بالخراطيش الفارغة لأقلام الحبر الخاصة بي، شأني في ذلك شأن الصياد الذي يحتفظ بفوارغ رصاصاته؛ ذلك أن إفراغ خرطوشة قلم ما أمر يعني بالنسبة لي أنني كتبت كثيرًا، وقطعت شوطًا".

شهدت تركيا نهضة كبيرة في مجال صناعة الأقلام وتوزيعها

وكذلك الشاعر الشهير، حلمي ياووز، كان ممن قالوا إنهم يكتبون مؤلفاتهم بأقلامهم الحبر، وأوضح ذلك الشاعر أنه كان يتمتع بخط جميل بفضل دروس الخط التي كان يتلقاها، وهو في المرحلة الابتدائية، مضيفًا "لا سيما أنني كنت أكتب بقلم حبر...". ويرى كذلك أن جمال الخط المكتوب بالقلم الحبر يضفي روعة على النص.

وهناك أيضًا العديد من الكتاب والأدباء الأتراك الذين حرصوا، كل الحرص، على كتابة مؤلفاتهم بأيديهم. ليس لشيء إلا لعشقهم الكبير للأقلام التي تتلاعب بها أناملهم، ويشعرون معها بعلاقة حب تجعلهم يعزفون عن اختراعات الكتابة الحديثة..

هناك بعض الأقلام فرضت عليها ضرائب بنسبة 8%

وحديثًا شهدت تركيا نهضة كبيرة في مجال صناعة الأقلام وتوزيعها من ماركات عالمية مختلفة، وما تبعها من تقدم في مجالات أخرى كصناعة الأوراق والأحبار. وفي العام 2017 بلغ حجم هذه السوق ما يقدر بـ5 مليار و700 مليون ليرة تركية. وتشكل المنتجات المستوردة في هذه الصناعة بتركيا حوالي 70 إلى 75 في المئة من هذا المبلغ المذكور؛ لذلك فإن قطاع الأدوات الكتابية باختلاف أنواعها يأتي على رأس القطاعات الأكثر تأثرًا من تقلبات أسعار الصرف والأزمة الاقتصادية التي تشهدها تركيا منذ فترة. وكبرى الشركات العاملة في هذا القطاع هي التي تشكل السوق، وتعتبر سببًا في انخفاض نبض الأسعار. ومن بين هذه الشركات شركة تسمى "H.S للأدوات الكتابية" ومقرها مدينة إسطنبول، ويترأسها يليز جليك سومر، وهو أحد أفراد عائلة أخذت على عاتقها منذ عقود مهمة توزيع أشهر الماركات العالمية في الأدوات المكتبية بتركيا. يقول سومر"إن ارتفاع معدلات الضرائب في تركيا خلال 2017، وكذلك الزيادة الكبيرة في أسعار العملات الأجنبية مقابل العملة المحلية "الليرة" شكل ضربة كبيرة للغاية لقطاع الأدوات المكتبية.

وتابع قائلًا "فعلى سبيل المثال، هناك بعض الأقلام فرضت عليها ضرائب بنسبة 8%، وأخرى بنسبة 18%. وهذه نسب مرتفعة للغاية. كما فُرضت ضرائب إضافية في 2017 بلغت 25%؛ فتغيرت على إثرها الأسعار بشكل كبير. وساعد ارتفاع أسعار صرف العملات الأجنبية، في تأجيج هذه الموجة من الزيادات. ونتج عن ذلك انخفاض القوة الشرائية في قطاع الأدوات المكتبية، ولا سيما الأقلام. لذلك يجب أن تكون الضرائب في حدها الأدنى".

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.