الأزمة الاقتصادية في تركيا تطحن المقاهي في ديار بكر

أضحت مقاهي مدينة ديار بكر، كبرى مدن الجنوب الشرقي في تركيا، أحدث ضحايا الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد، والتي أثرت بالسلب على ملاك المقاهي وزبائنها على حد سواء.
لطالما اعتبرت المقاهي رمزا للتحول الاقتصادي في تركيا. وجرت العادة على أن يكون زبائنها المعتادون من العاطلين، حيث يتسامرون ويمارسون الألعاب المسلية.
هناك وجود قوي للمقاهي في ديار بكر، وما يرتبط بذلك من ثقافات، حيث ينتشر في المدينة أكثر من ألف مقهى.
في تركيا، ورغم ارتباط اسم المقاهي بمشروب القهوة، فإن أهم ما تقدمه للزبائن من مشروبات هو الشاي.
غير أن هذه الثقافة آخذة في التغيير، حيث بدأت المقاهي في تقديم الوجبات السريعة.
تمر تركيا بفترة من التراجع الاقتصادي بعد انهيار قيمة عملتها، الليرة. فخلال العام الحالي، فقدت الليرة أكثر من ربع قيمتها أمام الدولار الأميركي، وهو أمر دفع الناس للإحجام عن الإنفاق ودفع تكلفة الأعمال للارتفاع بعد أن قفزت نسبة تضخم أسعار الجملة بنحو 50 بالمئة.
وإذ يكافح ملاك المقاهي لتبقى الثقافة المرتبطة بأعمالهم حية، فإن التراجع الاقتصادي قد جعل من الصعب عليهم الحفاظ على وتيرة أعمالهم. وخلال الأشهر الماضية، طرأ تراجع على هذه الأعمال.
يقول سليم باريج الذي يملك أحد المقاهي "لقد أصيبت السوق بالاضطراب. فبعد أن كنا نبيع 400 كوب من الشاي كل يوم قبل أربعة أشهر فقط، بتنا نعتبر أنفسنا محظوظين لو بعنا 200 كوب فقط. لم يعد حضور الزبائن هو المهم، فلا يزال علينا أن ندفع أجر موظفينا، فهؤلاء أيضا لديهم أسر يعولونها."
يدير باريج مقهاه في ضاحية أوفيس الصاخبة في المدينة الجديدة بديار بكر، ولديه شريك في العمل.
وحسب كلام باريج، فإن أحد أسباب تراجع حضور الزبائن إلى المقهى هو ارتفاع أسعار الشاي المستورد، وهي تكلفة تضاف بالتبعية إلى ما يسدده الزبون.
وبعد أن كان سعر كوب الشاي يقدر بليرة واحدة، اضطرت المقاهي لزيادة أسعاره إلى ليرة ونصف. وتبلغ نسبة تضخم أسعار المستهلكين في تركيا الآن 25.2 بالمئة، وهو أعلى معدل منذ 15 عاما.
وقال باريج لموقع أحوال تركية إن أسعار الشاي المستورد ارتفعت من 35 ليرة للكيلوجرام الواحد إلى ما بين 55 و60 ليرة، والسبب بالأساس هو تراجع قيمة الليرة.
وفي أغسطس الماضي، تراجعت الليرة إلى أدنى مستوياتها بعد أن فقدت 40 بالمئة من قيمتها أمام الدولار لتبلغ 7.22 لكل دولار.
وبعدها تعافت الليرة قليلا في التعاملات لتبلغ قيمتها 5.2 لكل دولار.
وبعد أن ينقضي الشهر، لا يزيد ربح باريج وشريكه على 800 ليرة لكل منهما، وهو نصف متوسط الأجور الرسمي في البلاد والبالغ 1600 ليرة.
وقال باريج "الزبائن الذين اعتادوا الحضور إلينا في المقهى كل ليلة على مدى الأشهر القليلة الماضية لم يعد بمقدورهم الخروج من منازلهم."
رصد فيرات فيزنيدار أوغلو تراجعا مفاجئا في عدد الزبائن بمقهاه كريفيم في ضاحية باجلار في ديار بكر، وهي منطقة في وسط المدينة بها عشرات المقاهي.
وقال فيزنيدار أوغلو لموقع أحوال تركية إن المكاسب تراجعت في الفترة الماضية بسبب الزيادة التي طرأت على تكاليف التشغيل.
وأضاف فيزنيدار أوغلو "نحن مستمرون في أعمالنا بالكاد. لدي أطفال في التعليم، وأدفع إيجار منزلي، وهناك زيادة كبيرة في إيجار المقهى وفواتير المياه والكهرباء، وهناك ستة أشخاص يعملون هنا في معظم الأيام. أغلق في نهاية اليوم دون تحقيق أي أرباح."
في بداية سبتمبر الماضي، قررت الجهات المعنية بشؤون الطاقة في تركيا زيادة أسعار الكهرباء بنسبة 14 بالمئة للاستخدامات الصناعية و9 بالمئة للاستخدام المنزلي.
وحدث هذا بعد زيادة مماثلة في الشهر السابق.
وتعهدت تلك الجهات حينها بعدم حدوث أي زيادات حتى نهاية العام.
وقال فيزنيدار أوغلو إن مقهاه لا يزال يقدم كوب الشاي مقابل ليرة واحدة رغم إقدام مقاهي أخرى على زيادة أسعارها إلى ليرة ونصف للكوب.
لكن رغم زيادة أسعار الشاي، فإن فيزنيدار أوغلو واجه مشاكل في الاحتفاظ بزبائنه الذين لم يعدودوا يقبلون على ممارسة ألعاب الورق وغيرها من الأشياء التي تشكل ثقافة المقاهي بشكل عام.
وأضاف فيزنيدار أوغلو "رغم أننا نملك أفضل مقهى في المنطقة، فإنك لن تجد سوى طاولتين فقط تعملان. الزبائن يترددون أيضا في البقاء واللعب لعدم امتلاكهم لأي أموال."
في مقهى فيزنيدار أوغلو 15 طاولة يمكن أن تعمل في وقت واحد لكن الزبائن الآن لا يشغلون بالفعل سوى اثنتين.
يقول الرجل إن ارتفاع معدلات التضخم أقعدت أرباب المعاشات عن القدوم بشكل متصل إلى المقهى، فالأسعار ارتفعت بينما بقيت معاشاتهم على حالها.
وأضاف "في مثل هذه الظروف، لا أجد في جيبي مالا لأنفق تكاليف تعليم أبنائي في المدارس. باختصار، الزبائن لا يملكون أي أموال، ولم يعد هناك زبائن في المقهى."

منظر للناس يتمشون في منطقة سور التاريخية بمدينة ديار بكر في 20 أكتوبر 2018، قبل وصول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان
أتراك يتمشون في منطقة سور التاريخية بمدينة ديار بكر

ومع توقعات بمزيد من التراجع في الظروف الاقتصادية وعدم استقرار في سوق العمل، فإن زبائن المقاهي ممن فقدوا وظائفهم في الفترة الأخيرة لم يعودوا يعرفون متى سيعودون إلى سوق العمل.
على نحو مفاجئ فقد إيكدا شونكور عمله في الصيف حيث كان يعمل في شركة لاستئجار السيارات في مطار ديار بكر.
وقال شونكور الذي تحدث إلى موقع أحوال تركية من مقهى في أوفيس "تعرضت لحادث عمل في 15 يوليو عام 2018، وفي اليوم التالي بينما كنت في المستشفى علمت أن البطاقة التي تسمح لي بدخول المطار قد ألغيت. قالوا لي إن السبب هو وجود تحريات أمنية بخصوصي.
"ورغم اعتراضي على التحقيق الأمني، فإني لم أتسلم بطاقة الدخول الخاصة بي مرة أخرى حتى الآن. هناك بالفعل صعوبة في العثور على عمل، وفجأة تجد نفسك وقد فقدت عملك دون أي تفسير."
وأوضح شونكور إنه احتاج لفترة علاج بعد الحادث استمرت لشهرين لزم خلالهما المنزل. وحين أصبح بمقدوره الخروج، بدأت في التردد على المقهى أكثر وأكثر لزيارة أصدقاء.
وتابع قائلا "خلال العام الماضي كنا نجلس على المقهى لنقضي الوقت، كان الحساب يتراوح عادىة بين 15 و20 ليرة، والآن تجد نفسك بسهولة تدفع ما بين 40 و45 ليرة. قد يبدو هذا مبلغا صغيرا، لكنه كثير بالنسبة لشخص بلا عمل."
هناك زيادة في معدلات البطالة في تركيا مع انكماش الأعمال من أجل خفض التكاليف. وارتفعت نسبة البطالة إلى 11.1 بالمئة في الأشهر الثلاثة وصولا إلى سبتمبر، مقارنة مع 9.6 بالمئة في مايو.
تزيد نسبة البطالة في أوساط الشباب عن ضعف هذا المبلغ أو تكاد، ويتوقع كثير من خبراء الاقتصاد أن يزيد عدد العاطلين خلال الأشهر المقبلة.
وقال شونكور إنه يعاني لسداد ما عليه من ديون منذ فقد عمله.
وأضاف "لست الوحيد في هذه المعاناة، فهناك عشرات مثلي."
وارتفعت الفائدة على القروض الاستهلاكية في تركيا بأكثر من 30 بالمئة سنويا في ظل ارتفاع نسب التضخم.
وتابع قائلا "أرى المستقبل قاتما أمامي بلا أي أمل. لقد وصلنا إلى نقطة نعجز فيها عن الخروج من المنزل. مررت بتجربة البطالة من قبل، لكني الآن لا أجد سبيلا للخروج مما أنا فيه."
زبون آخر للمقاهي فقد عمله على نحو مفاجئ هو كمال أقطاي، الذي كان يعمل في مشروع طريق شمالي بحر مرمرة السريع الذي يمتد بطول 270 كيلومترا ليصل مناطق شمال تركيا.
بعد بداية العمل، قال أقطاي إن العمال وبسبب الطبيعة غير المستقرة للمشروع كانوا يتركون العمل للعديد من الأسباب. وحين حان دوره في ترك المشروع، عاد أقطاي إلى ديار بكر.
وقال أقطاي "وجدت نفسي ذات صباح بلا عمل وأصبحت مطالبا بالعودة إلى المدينة التي جئت منها. الشيء الوحيد الذي يشعرني بالسعادة هو كوني غير متزوج، لأن الأمر كان سيزيد سوءا لو مررت بهذه الظروف ولدي طفل."
وقال أقطاي إنه عجز عن العثور على عمل إلى ديار بكر بسبب المشاكل التي يعاني منها قطاع المقاولات بعد عودته. وأضاف أن المنافسة شرسة في الوظائف المتوفرة.
وتابع قائلا "أنا الآن أبحث عن عمل، لكن من المستحيل تقريبا أن تجد وظفة بسبب الأزمة المستحكمة. حين تتقدم لوظيفة، تجد ألف شخص على الأقل يسعون للحصول عليها. لم يعد لدينا أي أمل."
ولا يزال قطاع الإنشاءات التركي في ركود: فمبيعات الوحدات السكنية في تراجع وثقة الشركات في الصناعة في أدنى مستوياتها في أكثر من عشر سنوات، وذلك وفقا لبيانات حكومية.
ويمضي أقطاي جزءا من وقته في المزرعة برفقة عائلته، كما يقضي بعض الوقت في العمل مع عمله في مقهى.
ويقول أقطاي "ما أحصل عليه من مال يكفي للعيش بالكاد. لا أعرف كيف ستسير الأمور، لكن آلامنا تزداد.. كل يوم."


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkish-economy/economic-crisis-felt-coffee-houses-turkeys-southeast
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.