الأزمة بين تركيا وأميركا في طريقها للتصعيد

يرى المحلل السياسي نيكولاس دانفورث أن أمام الولايات المتحدة وتركيا فرصة حقيقية لحل الخلاف الكبير بينهما فيما يتعلق باحتجاز أنقرة للقس أندرو برانسون، غير أن الرجل تنبأ في مقابلة مع الصحفية مويرا كوركوران من دورية (نيو أميركا) بأزمة أشد بين البلدين الحليفين بسبب تنامي المشاعر المعادية لأميركا وإيمان تركيا بضرورة صعودها على المسرح العالمي.

الولايات المتحدة فرضت سلسلة من العقوبات على تركيا بسبب احتجازها لبرانسون ومواطنين وموظفين أميركيين آخرين يعتقد كثير من المراقبين أنهم محتجزون على أساس اتهامات جوفاء ويعتبرونهم رهائن دبلوماسيين.

وأثار رفض تركيا تلبية المطالب الأميركية بإطلاق سراح برانسون والآخرين والعقوبات التي فرضتها ردا على العقوبات الأميركية تساؤلات بشأن مستقبل التحالف بينهما المستمر منذ ما يزيد على خمسة وسبعين عاما.

وقال دانفورث "لا أزال متفائلا بوجود حل سريع للأزمة. لكن القلق على العلاقات الأميركية التركية لن يتبدد ما إن تحل الأزمة الحالية. فعلى الأرجح ستنشب أزمة أخرى أشد."

وأضاف "خلال العامين الماضيين، لم يتوقف التراجع في مستوى العلاقات الأميركية التركية. والأزمة الحالية بالتأكيد هي الأصعب منذ أزمة قبرص عام 1974، وربما الأسوأ منذ بداية العلاقات بين البلدين في أعقاب الحرب العالمية الثانية."

ويذكر دانفورث أن جذور الأزمة تعوذ لأبعد من احتجاز مواطنين أميركيين. فالنسبة له، الأمر يتعلق بتفشي مشاعر معادية لأميركا بين الكثير من الأتراك.

وقال إن أعضاء الكونغرس الأميركي إن مضوا في طريق، هو الأرجح، بفرض مزيد من العقوبات على تركيا، فإن هذا من شأنه تأجيج هذه المشاعر وزيادة احتمالات حدوث قطيعة دائمة في العلاقات.

في تقديمها للمقابلة ذكّرت كوركوران بما تشهده تركيا منذ الاستفتاء على دستور جديد في عام 2017 والذي ربحه أردوغان وحزبه الحاكم بفارق بسيط. وتذكر الكاتبة كيف ألغي منصب رئيس الوزراء لتتحول تركيا من ديمقراطية نيابية إلى نظام رئاسي قلّت فيه إلى حد كبير أنظمة الرقابة والمحاسبة.

وفي النظام الجديد، تحول رئيس الجمهورية من منصب شرفي إلى تنفيذي يتولى أيضا قيادة الحكومة ويملك سلطات تتيح له إصدار مراسيم دون الرجوع للبرلمان وإعلان حالة الطوارئ بل وحل البرلمان.

ويعبر دانفورث عن دهشته من وجود اعتقاد قوي لدى من يتصدون للكتابة عن السياسة الخارجية في تركيا بأن بلدهم على شفا لعب دور قيادي قوي في نظام عالمي متغير.

ويقول "يمكنك أن ترى هذا الاعتقاد في كثير من الأشياء. يمكنك أن تراه مثلا في يقين أردوغان بأنه قادر على أن يكون زعيما للعالم الإسلامي وأن يدفع باتجاه توسيع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وفي علاقة الصداقة الناشئة بينه وبين نيكولاس مادورو رئيس فنزويلا وفي رغبته للترويج لعلاقة راسخة مع روسيا وإيران.

"الإيمان بأن تركيا قوة جديدة يرافقه اعتقاد بأن أميركا تعاني من دورها في العالم وتزداد ضعفا وبأن النظام العالمي السابق آخذ في التفكك."

وتابع "أعتقد أن هناك يقينا متجذرا ليس فقط في أوساط الحكومة التركية بل لدى الشعب التركي بأن الولايات المتحدة معادية بالأساس لتركيا، وهو أمر يجعل من الصعب للغاية توفر علاقة ناجحة بين البلدين.

ويفسر دانفورث وجهة نظره مشيرا إلى عمق المشاعر المعادية للولايات المتحدة في تركيا؛ ويقول إن الأمر غير مقتصر على أنصار أردوغان.

ويضيف "لقد قطع أردوغان خطوات كبيرة لاستغلال المشاعر المعادية للولايات المتحدة لتحقيق أغراضه السياسية. وأعتقد أن من المهم القول إن الرئيس التركي، على مستوى معين في قرارة نفسه تسيطر عليه بعض نظريات المؤامرة، بينها على سبيل المثال رفض الولايات المتحدة ترحيل غريمه رجل الدين التركي فتح الله غولن، الذي تتهمه تركيا بتزعم محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة التي جرت في يوليو عام 2016."

ويعتبر دانفورث أن قضية برانسون، القس الأميركي الذي أدار كنيسة صغيرة في تركيا، هي قضية صادمة. ويقول إن الحكومة التركية، لأسباب لم تتضح حتى الآن، قررت أنه متورط بشكل أو بآخر في محاولة الانقلاب.

وتابع بالقول "لا غرابة في أن هذا الأمر تسبب بالتبعية في رد فعل مضاد داخل الولايات المتحدة. وبالتالي تعمق في تركيا الاعتقاد بأن برانسون يلعب دورا محوريا في المخططات الأميركية ضد تركيا.

"لعل أردوغان سعى على الأرجح لإجبار الولايات المتحدة للتخلي عن بعض سياساتها المعادية فاستغل أندرو برانسون كرهينة في محاولة للحصول على تنازلات من الولايات المتحدة."

يعتبر دانفورث أن رفض الولايات المتحدة تقديم جميع التنازلات التي طلبها أردوغان، وقرارها الرد من خلال التهديد بفرض عقوبات، قد تسبب في صنع الأزمة التي نشهدها الآن في العلاقات الأميركية التركية."

يذكّر دانفورث من يتابعون السياسات التركية بأن أردوغان لم ينجح فقط في تحقيق انتصار في الانتخابات الأخيرة، بل انتصر بطريقة لم تجد المعارضة نفسها مفرا من الاعتراف بشرعيتها.

وقال "رغم كل إحباطات القوى المعارضة، فإنها تبدو مستعدة للاستمرار في اللعب على الأسس التي وضعها أردوغان. أعتقد أن هذا أمر يضع الرئيس في موقف بالغ القوة، ويضمن لتركيا، على أقل تقدير، شكلا من أشكال الاستقرار الداخلي.

وينتقل دانفورث لتوقع ما قد تحمله الأيام المقبلة لعلاقة تركيا بالغرب.

ويرى المحلل السياسي أن كثيرين من الأتراك يرون بلدهم قوة صاعدة على أتم استعداد للاضطلاع بدور قيادي أكبر على الصعيد العالمي، وهي رغبة قد تظهر لتتخطى الخط النفعي الذي قد ينجح في الإبقاء على تركيا في صف الولايات المتحدة.

لكنه يعتبر، على الجانب الآخر، أن هناك توجهات مضادة في أنقرة للعمل بطريقة نفعية، وتقديم تنازلات تكتيكية حين تدعو الضرورة من أجل الحفاظ على علاقات فعالة مع الولايات المتحدة.

"من ناحية أخرى، ترى توجهات أخرى مناقضة. توجهات لأطراف تبدو مستعدة لخلق أزمة من أجل التصدي للولايات المتحدة وللأسواق العالمية."

ويتابع "بالنظر للموقف الراهن، لا يمكننا في هذه اللحظة التنبؤ بالتوجهات التي ستنتصر في هذا الصراع الداخلي. لكن هذا القرار سيكون جوهريا في تقرير مصير سياسات تركيا، الخارجية منها والداخلية."

https://ahvalnews.com/us-turkey/deeper-crisis-may-be-horizon-turkey-us-relations-analyst
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.
This block is broken or missing. You may be missing content or you might need to enable the original module.